fbpx

الناس نيوز

أوروبا بين التصدي للهجرة وضرورتها…

د. محمد كلش – الناس نيوز ::

منذ موجة الهجرة الواسعة إلى أوروبا في عام 2015، وإلى اليوم، تستمرّ أصوات الأوروبيين المعادين للهجرة إلى بلدانهم محافظةً على وتيرتها في الارتفاع والاتساع، وكان من صورها التقدّم المستمرّ الذي تُحرزه الأحزاب اليمينية الراديكالية المعادية للهجرة في عدّة بلدان، كفنلندا وهولندا وإيطاليا وسلوفاكيا والمجر، وقد تلحقَ بها النمسا في انتخابات سبتمبر المقبل التشريعية، وبلجيكا في انتخابات يونيو المقبل البرلمانية أيضاً، وحديثاً في فرنسا، لم تستطع الحكومة الفرنسية تمرير قانون الهجرة الجديد من قبل البرلمان إلا بعد تعديلاتٍ عليه؛ ترى فيها الأحزاب اليسارية الفرنسية تبنّياً لِمَا يريده اليمين المتطرّف في محاربته للهجرة أو تصلّبه في هذا الموضوع. ولا يلفتُ أيٌّ من هذه الأحزاب إلى الحاجة الماسة في عدد من الدول الأوروبية إلى الأجانب من فئات عدّة، عمّالاً وصناعيين وأطباء وممرضين ومهندسين وغير ذلك من الاختصاصات. لائحة هذه البلدان ليست قصيرة، وفي رأسها ألمانيا وبريطانيا، تلحقهما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

وظائف شاغرة وخسائر

في ألمانيا عديدُ الوظائف الشاغرة بحدود مليوني وظيفةٍ، مما يؤدي إلى خسارة مئة مليار يورو وفق رئيس غرفة الصناعة والتجارة في ألمانيا. والعدد نفسه في بريطانيا، أما في فرنسا فحجمُ النقص يتجاوز ثلث المليون وظيفة شاغرة ( 356300 وظيفة حسب المعهد الوطني للإحصاء) للفصل الثالث من هذا العام، أي بارتفاع ثلاث نقاط عن الفصل الثاني السابق، وفي إسبانيا نقص اليد العاملة لنحو 300000 ألف وظيفة، وفي إيطاليا، اكتفت الحكومة الإيطالية بتحديد 136000 تصريح للعمال الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي لهذا العام، ولم تأخذ بالطلب المُسبق للشركات الإيطالية لتوظيف 600000 عامل من خارج الاتحاد الأوروبي، وفُهم أن وراء اكتفاء الحكومة بالرقم الذي قدّمته إقامةَ توازنٍ بين العمّال الوطنيين والعمّال الأجانب.

أحزاب اليمين الراديكالية، معارضو الهجرة في دول الاتحاد الأوروبي لا يعلّقون على هذه الأرقام التي يمكن أن تضرّ بطروحاتهم، وتغضُّ في نفس الوقت الطرف عما تفعله الدولة لمعالجة هذا النقص، عبر اليد العاملة الأجنبية التي لا بدّ منها. في فرنسا نحو خمسة آلاف طبيب أجنبي من خارج الاتحاد الأوروبي، لسدِّ النقص في الجسم الطبّي العامل في هذا البلد، وحجم النقص في العمالة في الفنادق والمطاعم والمقاهي في فرنسا لم يتغير منذ نحو سنة، وهو بحدود 200000 وظيفة شاغرة.

شيخوخة السكّان والحلول الممكنة

لا يختلف أحدٌ على اعتبار أن شيخوخة السكاّن هي السبب الرئيسي لهذا النقص في اليد العاملة في أوروبا، فمعدل الولادات في فرنسا على سبيل المثال في تراجع عاماً بعد عام منذ عام 2011، باستثناء عام 2021، والسبب لهذا الاستثناء هوالحجر الصحّي في البيوت مع أزمة كورونا، نسبة الولادات في فرنسا اليوم هي الأقلّ منذ الحرب العالمية الثانية، ومع هذا تعتبر هذه النسبة الأكبر من بين دول الاتحاد الأوروبي ال 27، وثمّة مَنْ يُعيد نسبة الولادات الأعلى في فرنسا قياساً إلى الحال في دول الاتحاد الأخرى، إلى نسبة الفرنسيين من أصول مهاجرة ذات ثقافة العائلة الأكبر.

والحال هذه، لا بديل عن استقبال اليد العاملة الأجنبية، لتعويض النقص، وتسهيل وصولهم وإقامتهم ودمجهم في مجتمع البلد الذي سيعيشون فيه، وكان من آخر صور حلول هذه المعضلة موافقة البرلمان الألماني على قانون يخفّف من شروط الحصول على الجنسية، إذ بات بالإمكان تقديم طلب الجنسية للأجنبي المُقيم بعد خمس سنوات من إقامته بدل ثماني سنواتٍ، وأيضاً إمكانية حصول المزيد من الأشخاص على جنسية مزدوجة، وهو ما كان محصوراً فقط بمواطني الاتحاد الأوروبي وسويسرا. ولا غرابة في هذا السياق، أن يُطرح السؤال حول ما إذا كان إصرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على رفع سن التقاعد من 62 سنة إلى 64 سنة، واحداً من الحلول الممكنة مع حديث عن أهمية خفض سنّ الشباب للدخول إلى سوق العمل.

فرنسا “بلد الهجرة” عبارةٌ واضحةٌ قالها يوماً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهي حقيقة تؤكّدها أرقام المركز الوطني الفرنسي للإحصاء التي خلاصتها؛ أن نحو 30 بالمئة من الشعب الفرنسي هم من أصول مهاجرة على مدى ثلاثة أجيال.

بابان في وجه الهجرة والمهاجرين إلى دول الاتحاد الأوروبي المحتاجة إليهم: واحدٌ مُقفلٌ أو سيُقفل بإحكام أمام المهاجرين غير القانونيين، وآخر يُفتح أمام المهاجرين، وإنما على طلب الحاجة كما فعلت كندا منذ سنوات بعيدة. ومع هذا الباب المفتوح يمكن التذكير بما قالته وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر: “نحن في قلب المنافسة العالمية لجذبِ أفضل العقول” .

د. محمد كلش، متخصّص في الشؤون الأوروبية والأوروبية العربية.

المنشورات ذات الصلة