آراء

احتكار الله – قراءة مسيحية

د . محمد حبش – الناس نيوز ::

 

كتبت مراراً عن مشكلة احتكار الجنة في الوعي الإسلامي، وأجد أن من المفيد أن نقارب الأمر أيضاً من التاريخ المسيحي، “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم”، فإن من لم يقرأ التاريخ فهو محكوم بتكراره.

يمكن اعتبار احتكار الخلاص أبرز مرض عصف بالكنيسة في العصور الوسطى، فقد احتكرت الكنيسة الله والجنة ويوم الدينونة وصكوك الغفران، واختارت الكنيسة موقفاً صلباً تجاه الهراطقة ويمكن اعتبار إعلان الحروب الصليبية ضد المسلمين على يد البابا أوربان الثاني عام 1095 وما تلاها من حروب ذروة العمل العنيف ضد المختلفين دينياً.

وظلت الحروب الصليبية باستمرار صراعاً بين دول، ذات أديان مختلفة، وليس ضد المختلفين في المذهب والتأويل، وكان المؤرخ الإسلامي يقظاً وذكياً، ورفض ربطها بالعقيدة الدينية، واختار اسم حروب الفرنجة وهو الاسم المتداول في كافة المصادر الإسلامية التاريخية، حيث أن المسيحيين في الشرق نالهم من بؤس هذه الحروب مثل ما أصاب المسلمين وأشد، ولم يظهر في الأدب العربي اسم الحروب الصليبية إلا بعد ترجمة كتابات المستشرقين.

ولكن الصراع تطور فيما بعد بين الكنيسة والهراطقة بشكل مخيف، خاصة مع ظهور حركات الإصلاح الديني البروتستانتية وبلغ من نفوذ الكنيسة مطلع القرن السادس عشر أن ملوك ألمانيا وفرنسا وإسبانيا كانوا في خدمة المطلب البابوي بالقضاء على الهراطقة، ومن المدهش أن إنكلترا نفسها التي شهدت تحولاً صادماً للبروتستانتية على يد هنري الثامن وابنه إدوارد السادس، ارتدت بشكل مريع إلى محاربة الهرطقة حين وصلت إلى الحكم ماري الأولى (الدموية) التي انقلبت بشكل كامل على خيار أبيها واختارت الكاثوليكية وقامت بمشاركة زوجها فيليب الثاني ملك إسبانيا بسلسلة اضطهاد متوحشة ضد البروتستانت، وفي وقت واحد قام فرانسوا الأول في فرنسا وشارل الخامس في ألمانيا وفيليب الثاني في اسبانيا بتطبيق إجراءات بالغة الصرامة على كل أنواع الهرطقة، وذلك في مواجهة الحركة الثلاثية التي تمردت على الكنيسة عبر مارتن لوثر وكالفن وزونجلي، وكذلك في استئصال المسلمين واليهود من الأندلس، ونصبت المحارق وأقيمت محاكم التفتيش الرهيبة.

وظهرت مجموعات دينية متطوعة مارست أشد حملات الهول ضد الهراطقة تحت عنوان حراسة الرب، وبرز منهم الإخوة الدومينيكان الذين كانوا يفضلون حياة التسول تعبيراً عن الزهد في الحياة، والاستعداد للتبشير وخدمة الرب، ولكن هذه المشاعر كانت تتحول بسرعة إلى ميول متوحشة في البطش بالهراطقة كلما كلفوا بذلك، وكانت دواوين استئصال الهرطقة هي بداية محاكم التفتيش الكهنوتية التي راح ضحيتها مئات الآلاف، والتي مثلت ذروة التعصب الديني وعدم التسامح والإرهاب، وقد استخدموا جميع أساليب الإرهاب والقمع والتعذيب كالتخشيبة، وهي التقييد بالسلاسل الحديدية وتثبيتهم على حصان خشبي وشد أقدامهم بأثقال من الحديد. والتحريقة وهي إجبار الشخص على المشي على جمر من النار، وكذلك التظفيرة وهي قلع أظافر اليدين والرجلين، وكذلك الغرق بالماء أو تغطية وجه المتهم بالهرطقة بقطعة قماش وشده ثم صب الماء الساخن أو الشديد البرودة عليه حتى الاختناق والموت البطيء.

ولكن ذلك كله كان مزحة أمام سلوك آل ميدتشي في فلورنسا، وعلى الرغم من دورهم الواضح في دعم الفنون ولكنهم أظهروا ممارسات سادية في الانتقام من الهيجونوت البروتستانت، غير أن حروبهم السوداء ضد البروتستانت وقعت في فرنسا، ومع أن فرانسوا الأول لم يقصر في حربه على الهراطقة، ولكنه تساهل مع الهيجونوت في محاباة سياسية واضحة لتأمين توازن القوى في فرنسا، وتوفير حليف داخلي في ألمانيا، وحين ولي هنري الثاني بعد أبيه فرانسوا تفاقم الصراع الديني الذي قادته زوجته كاترين دي ميديتشي التي بدا أنها كرست نفسها للانتقام من الهراطقة، ومع أنها ظلت في الظل في عصر زوجها هنري الثاني ولكنها انتقلت إلى الحكم العلني باسم أبنائها الثلاثة المتعاقبين بعده فرانسوا الثاني وشارل التاسع وهنري الثالث، ودفعت الدولة لخوض حرب ماحقة ضد الهيجونوت البروتستانت، وقد ظهر أفظع أشكال هذا التعصب في مذبحة بارتلميو في باريس 1572 التي أمر بها شارل التاسع تحت ضغظ والدته كاترين ميدتشي، وهي المذبحة التي ذبح فيها في يوم واحد نحو ستة آلاف راهب بروتستانتي من الهيجونوت في قلب باريس تحت صيحات الغضب وشارات الصليب، وتتالت المذابح فيما بعد لتتجاوز ثلاثين ألفاً بما يعتبر أبشع مجزرة دينية في العصور الحديثة.

ولم تكن بارتلميو آخر المذابح الدينية وبعد أقل من نصف قرن اندلعت حرب الثلاثين عاماً 1618-1648 التي التهبت فيها أوروبا كلها في حروب دينية ماحقة، ومع أنها كانت صراعاً سياسياً على الحدود ولكن لهيب المعارك كان يشتعل كل مرة بروح الغضب الماحق لدى الكاثوليك ضد الهراطقة البروتستانت، فيما بادلهم البروتستانت الشعور ذاته وأعنف ضد الكاثوليك الذين رأوا فيهم أعداء الرب وتجار كنيسته، وبذلك تساوى الجيزوليت والهيجونوت في المظالم والمآسي، وكان على رأس أهداف المحاربين الدفاع عن الرب والقضاء على أعدائه، وترحيل الهراطقة مبكراً إلى الجحيم الذي يستحقونه.

وهكذا فإن تتبع تاريخ العصور الحديثة يكشف لك أن الحرب الدينية الماحقة لم تتوقف منذ أعلن البابا أوربان الثاني الحروب الصليبية في مجمع باليرمو 1095 وحتى 1648، إنها ستمئة وخمسون عاماً من تغول اللاهوت وانهيار الإنسانية في أوروبا، ولا يمكن لمقال كهذا أن يستعرض حجم المآسي التي وقعت في العالم نتيجة التعصب الديني، وعلى فكرة فإن أفظع المآسي وقع أيضاً في العالم الجديد في أمريكا الذي كان بشكل ما مواجهة بين العقائد المسيحية وبين عقائد الهراطقة.

ولا شك أن أكبر محرض على العنف والقتال هو الإحساس بأن الآخر كافر عدو للرب، وأن مصيره الجحيم، وأننا نطهر الأرض من شره، وأنه لا يستحق أي رحمة بعد أن وعده الرب بالجحيم والأفاعي والعقارب والعذاب الأبدي.

ولم تتغير أوروبا من ميولها الدموية وتعصبها الديني إلا على يد فلاسفة التنوير الذين خاضوا مواجهة برهانية عميقة مع تغول اللاهوت، ويمكنني القول دون تحفظ إن فلاسفة التنوير جميعاً دون استثناء الذين كتبوا في العقل والإنسان أعلنوا موقفاً واضحاً ضد احتكار الخلاص، واعتبر احتكار الخلاص في يوم الدينونة على رأس صواعق الحروب المدمرة التي عصفت بأوروبا، وبات الحكم بالهرطقة كافياً لهدر الدم، ونصب المحارق والمشانق.

ومع أن القضايا التي طرحها فلاسفة التنوير متعددة ومختلفة، ولكنهم كانوا تلقائياً يواجهون الفكرة المدمرة السوداء القاضية بمنح الدينونة والنعمة للمؤمنين وإرسال الآخرين إلى الجحيم.

لم يكن فلاسفة التنوير يؤمنون بشيء من التفسير الكهنوتي، وكان تصورهم عن بداية العالم ونهايته متناقضاً للغاية مع تفسير الكنيسة ولكنهم كانوا يدركون أن ثقافة الإقصاء الديني التي يمارسها الكهنة هي أشد مواد الحروب اشتعالاً ودماراً وسفكاً للدم، وباتت رسالتهم مواجهة ثقافة الإقصاء الديني التي كانت قائمة على افتراض احتكار الحقيقة والخلاص ورمي الآخرين في جهنم، ومن خلال رصد دقيق لسيرورة الكتابات الفلسفية فيمكن القول إن الجميع تحدث عن احتكار الخلاص، واختار كانط المواجهة مع المرجعية الأخلاقية للكهنوت واعتبر أن الأخلاق قيم فطرية طبيعية لا تحتاج لأي إضافة كهنوتية، وكتب ديكارت عن مركزية الشك وجنون احتكار الحقيقة، فيما اختار جون بول سارتر وفولتيير لوناً من المجاملة والحكمة مع الخطاب الديني، وأما سبينوزا ونيتشة وفيورباخ فقد كان خيارهم ماحقاً ومباشراً ولم يجاملوا ولم يراوغوا، واعتبروا أن عليهم المواجهة مع القيم الدينية كلها حتى يتخلى الكهنة عن الاستعلاء على البشر واحتكار الحقيقة.

لست معنياً هنا بشرح الفلاسفة ولكن الخطاب التنويري الأول في غمرة صراع العصور الوسطى كان يتجلى في المواجهة المباشرة مع الفكرة السوداء: احتكار الحقيقة واحتكار الخلاص…

ومع أن التنويريين لم يجرؤوا آنذاك على الحديث في الإخاء الإسلامي والمسيحي، واكتفوا بالدعوة إلى التسامح بين المذاهب الأوربية وبشكل خاص مع البروتستانت، وقد استطاع فولتير مثلاً تجاوز ذلك إلى الحوار مع الوثنيين ولكنه لم يجرؤ أن يتحدث بصراحة عن التسامح مع المسلمين بعد أن كانت الحروب الأوربية العثمانية قد أكملت نحو ثلاثمئة عام طاحنة، وصل فيها العثمانيون إلى أسوار فيينا وحطموا عدداً من الدول الأوربية.

وعلى الرغم من الأسلوب الديناصوري للكنيسة في التعامل مع المتغيرات، ولكن في النهاية أفلح الفلاسفة في فرض رؤيتهم وتقبل البابوات بالتدريج منطقية الخطاب الفلسفي، وظهر من البابوات إعلانات متناقضة بالترحيب بالاختلاف العقائدي ورفض احتكار الخلاص، وفي النهاية تم الإعلان عن وثيقة نوسترا أتيتا الفاتيكانية الشهيرة 1956 (Nostra aetate)، وفيها أعلن الفاتيكان بوضوح أنه يقبل إيمان اليهود والمسلمين، وأنه رغم الاختلاف العقائدي فإن الجنة مفتوحة للجميع.

كان هذا أقوى موقف في التسامح يتخذه الفاتيكان وهو موقف ينسف كل القداسة الإجرامية التي حوطت الحروب الصليبية، ولست أدري كيف وقع الباباوات على وثيقة نوسترا أتيتا، وهي الوثيقة الناسفة الناسخة الماسخة الماحقة لكل قرارات الحروب الصليبية التي صدرت أيضاً عن باباوات روما.

في النهاية أعلنت الكنيسة اعتذارها للأمم، واعترفت بشكل مقبول بالإيمان اليهودي والإسلامي، وإيمان الطوائف المسيحية الأخرى مع التذكير بأنها تمثل العقيدة الصحيحة، ومع أن المشكلة انتهت في الخطاب السياسي الرسمي وفي الخطاب الفاتيكاني الرسمي ولكن من السذاجة القول إن رجال الدين قد اقتنعوا بذلك، ولكن لنقل إن أدوات التكفير والهرطقة لم تعد متاحة في أيديهم، وأصبح أقل قدر من الوعي الأوروبي يرفض بشدة مقولة: نحن أهل الله والآخرون أعداؤه، نحن في الجنة وسوانا في النار… وبذلك توقفت الحروب.. وقامت الحضارة.