آراء

المونديال… قراءة صوفية

د. محمد حبش – الناس نيوز ::

بدأت الألعاب الأولمبية في القرن الثالث قبل الميلاد، واعتاد العالم أن يحييها كل أربع سنوات، وقد استمرت اثني عشر قرناً بلا انقطاع، منذ القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي، ثم جرفتها الحروب إلى أن أعادت أثينا إحياءها من جديد عام 1894 عبر اللجنة الأولمبية الدولية، وصارت خلال مئة وثلاثين عاماً موسماً للتعالي على الخصام السياسي والاحتكام إلى روح الإنسان، وما زالت بنسختيها الصيفية والشتوية أوضح صور التعاون الإنساني والإيمان بالأسرة الإنسانية الواحدة.

أما المونديال الخاص بكرة القدم فقد بدأ 1930 في الأوروغواي، وشاركت فيه دول العالم تباعاً، وقد عزز مكانة الرياضة كروح للمجتمعات الإنسانية تستعيدها كل أربع سنوات لتواجه انسداد الحياة الصاخبة الملوثة بوحل الهيمنة والاستغلال والبغي إلى عالم التنافس الجميل، وخلال تسعين عاماً فقد حافظ على جدوله الموسمي وصار موعداً لعشاق الحيوية والنشاط والأمل، ولم ينقطع إلا موسمين اثنين إبان الحرب العالمية الثانية.

والمونديال حدث رياضي في المقام الأول، ولكنه في الحالة القطَرية كان حدثاً دولياً هائلاً في السياسة والدين، وقد فرضت ذلك وقائع واضحة فهو أول مونديال في بلد عربي، وأول مونديال في بلد إسلامي، وهو كذلك أول مونديال تحمله دولة صغيرة بحجم قطر، وعلى الفور لم تقصر الماكينة الإعلامية في استفزاز هذه المعاني الكامنة في أحشاء المونديال، ولم تقصر الإيديولوجيات في طرح أنفسها أيضاً، وصار المشهد المونديالي حدثاً إنسانياً وعالمياً بامتياز.

ومع أن الحديث عن المونديال لا يقنع أحداً في الشق الفلسفي، فالمونديال أهداف ونجوم ومواعيد وملاعب وأضواء وشهرة ومفاجآت ودموع وضحكات… وهذا في الواقع ما ينتظره الناس، ولكنني متحمس أيضاً لقراءة الجانب الإنساني في المونديال، حيث تحتشد أمم الأرض على الرغم مما بينها من صراعات ونزاعات وحروب، في روح رياضية مختلفة تماماً، يتسابق فيها الجميع إلى الإبداع والمتعة، ويتناسون ما يكون من صراعات وحروب، ويخضع الكل لصافرة الحكم، دون تمييز بين غني وفقير وكبير وصغير، ومؤمن وغير مؤمن، والهدف في المرمى بشروطه هدف، ولا فرق بين هدف فقير وأمير، ولا بين نجم ومغمور، والإنسانية كلها تتنافس في هذا المشهد الجميل، وحين يرفع حكم التماس الراية يبطل الهدف ولو كان لميسي أو لرونالدو، ولا يملك أحد الاعتراض على قرار الحكم إلا وفق شروط رياضية بحتة لا مكان فيها للدين أو السلطة أو السياسة.

وحدهم أولئك الذين لا يؤمنون بإخاء الإنسان للإنسان أمطرونا بسلسلة أشرطة على اليوتيوب تحرّم أو تخوّن أو تتّهم المونديال بأنه مؤامرة صهيونية لتدمير الإسلام، ولست أفهم كيف يقرؤون المشهد بهذه الروح المظلمة، مع أن الحدث القطري تحديداً كان من وجهة نظري من أنظف البرامج الإسلامية العالمية وأقواها في التعريف عن الإسلام ثقافة وحضارة وقيماً، دعك من تلك الممارسات الشعبوية التي تتحدث عن دخول الآلاف في الإسلام، فهذه أوهام ومسرحيات يدفعهم إلى ترويجها الإثارة، و يدفعنا إلى تصديقها الغرور، ولكن لو قلت إن هذا المونديال أقنع الناس بمحبة المسلمين أو على الأقل أن يغيروا نظرتهم المسبقة عن الإسلام، وأن يتركوا الصورة النمطية عن الإسلام كدين عنصري لا يتعايش مع الأديان إلى دين حضاري مستأنس صديق للحياة وصديق للفرح وصديق للأمل، لو قلت ذلك لقلت لك نعم إنهم هنا بالملايين وليس بالآلاف.

نعم إنني أفهم هذه المهرجانات مواعيد إخاء إنساني، تذوب فيها فوارق القوميات، ولا يمارس الاستعلاء العرقي والقومي فيها إلا لئيم محتقر، والبطاقة الحمراء جاهزة لمواجهة كل عنصري ومستكبر، فيما تسود ثقافة احترام الآخرين وتحية أعلامهم ولو كان بين الفريقين حروب وحروب وتارات من دم وموت، وتفرض الروح الرياضية نفسها في المشهد، ويدرك الناس أن في هذا العالم مكاناً آخر يمكن أن نعيش فيه متنافسين دون أن نكون أعداء، ونعيش متخاصمين دون أن نكون متحاقدين، وفيما يفشل مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية في حل مشكلات السياسة فإن أكبر مشكلة في الرياضة يتم حلها وحسمها بضربة جزاء لا تستغرق أكثر من دقيقتين.

نعم هنا تذوب الفوارق ويدرك الإنسان أنه أخ الإنسان، يحزن ويفرح، يصرخ ويبكي، يلطم بيده ويمسح دمعته، ولكنه في النهاية خاضع لسلطان التحكيم، ولا يهم إن يحب الحكم أو يلعنه، أو يرضى بالهدف أو يسخطه، ولكنه في النهاية يؤمن أن لا أحد فوق القانون.

في المونديال تشتعل المشاعر الهائجة، والجميع يصرخون بحثاً عن الله، ينادونه بأسماء شتى، وكلهم يريد عونه ونصره، الله، غود، يهوه، خوداي، براهما، كارما، زن، يانغ، كامي، كلهم يرجو رحمته ويخشى عقابه، يستغيث به المهاجم ليدخل الهدف ويستغيث به الحارس ليمنع الهدف! وفي كل مباراة يستغيث به المدربان، والكابتنان، ورئيسا الفريقين واللاعبون في الجنبين والاحتياطيون في الضفتين، وكلهم يطلب من الله لنفسه النصر ولخصمه الخيبة، وجميعهم يناودن الله، ولله أسماء بعدد نحوم السماء، ولله طرائق بعدد أنفاس الخلائق، والكل في النهاية يحمد الله منصوراً ومدحوراً، وهذه سنة الحياة وقانون الوجود.

إنها صوفية فريدة تلك التي تقرأ فيها وجه الله في عيون اللاعبين ولهفات المتفرجين وأصوات المشجعين، وكلهم يقول أريد منك ولا أريد من سواك، وكلهم يجأر بالدعاء إلى الله وفي بريق عيونهم وصراخهم ودموعهم تلمع روح الله، أو على حد قول إقبال: عطرك اللهم في الإنسان ما زال ولونك!

قال لي: إنه مونديال!! وليس حجاً ولا عمرة…. وقلت له: هو كذلك فالحياة كلها طواف وسعي، ونسك وقيام، ولا رهبانية في الإسلام، ولا معنى للصلاة إن لم تبعث فينا إرادة الحياة والمحبة والإيمان بالإنسان، والخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله.. أنفعهم لعياله.

سبحانك يارب.. لا أستطيع أن أشاهد هذه الأرواح الهائجة والأشواق اللاهبة دون أن أرى بريق وجهك في ظفرهم وخيباتهم، في صراخهم ودموعهم، في رقصهم وانكسارهم.

سبحانك… الكون جميعاً قبضتك، والسموات مطويات بيمينك، إذا كان هذا المونديال العظيم يقول شيئاً… فهو يقول: أسرة واحدة تحت الله!