آراء

 قصيدة شوقي أم عفوية شام؟

ريما بالي – الناس نيوز ::

مواقع الأخبار الإلكترونية والتواصل الاجتماعي، تكاد تنفجر بأخبار نجمة الموسم الطفلة الجميلة شام بكور، السورية الحلبية ذات السبع سنوات، التي فازت في تحدي القراءة العربي في دورته السادسة التي عقدت في دبي.

من بين المنشورات الكثيرة، استوقفني واحد نسيت أين قرأته، وعنوانه: “كيف أصنع من طفلي شام”؟

استفزني العنوان، وذكرني تلقائياً بعناوين مشابهة مثل: كيف أصنع من إسفنجة التنظيف قطة جميلة، أو كيف أصنع من قنينة الكولا البلاستيكية أصيصاً للزهور، أو كيف أصنع من علب الأحذية درجاً للجوارب… الخ!!!

كثير من الأفكار والأسئلة والمواضيع تزاحمت في رأسي بإيحاء من ذلك العنوان، أحببت أن أشارككم إياها هنا، فبحثت بداية عن المنشور الأصلي الذي أثارني لأتذكر اسم الموقع أو الصفحة، لكنني لم أجده للأسف، بل وجدت بدلاً عن ذلك منشورين أو ثلاثة تحت نفس الهاشتاغ، يشاركني أصحابها الاستياء. قلت في نفسي، لقد سبقني غيري إلى الفكرة، ثم قررت من جديد، أن لا ضير من ذلك، فلست أسعى هنا إلى سبق صحفي، وقد يكون من الجيد أن أضم صوتي إلى تلك الأصوات الأخرى، وأعرض الموضوع من وجهة نظري الخاصة.

كيف أصنع من طفلي شام؟ ما المقصود هنا بشام؟ أو ماذا أريد أن “أصنع” من طفلي بالضبط؟ أطفل موهوب متميز فصيح، أم طفل نجم يحصد الجوائز ويصفق له الملايين ويكتب عنه الآلاف ويصبح علماً من أعلام مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية؟

في الحالتين… لا أنصح بالمحاولة، فالمواهب الفطرية لا تصنع، والنجوم المصنًعة لا تعيش حياة طبيعية سعيدة.

ماذا يعني هذا، وباتخاذ شام بكور مثالاً، فقد وجدتها طفلة فاتنة ذات موهبة مبهرة تجلّت في الحفظ والفصاحة والجرأة، إلى جانب كاريزما هائلة (وهي هبة فطرية أيضاً)، وكل تلك الصفات هي أمور لا يمكن صناعتها بشرياً، هي منتجات فطرية أو ربانية، لا جدوى من محاولة تقليدها وزرعها عنوة في أطفالنا، الأمر الذي قد يخلق فيهم عقداً نفسية وإحساساً بالدونية.

أما إنجاز شام الذي استحقّت الجائزة بسببه، وهو قراءة مئة كتاب، فهو أيضاً موضوع ذو بعدين، البعد السطحي منهما هو المسابقة والمنافسة والاجتهاد لبلوغ الهدف ومن ثم الفوز والتمّيز، أما البعد الجوهري والأهم، فهو فعل القراءة بحد ذاته، وما يهديه للفاعل من متعة وفائدة ونمو فكري وروحي.

إن كان هدفنا سعادة أطفالنا ونموّهم الفكري والروحي السليم، وهو ما يتأتى من فعل القراءة أو ممارسة أية هواية مفيدة وخلّاقة أخرى، علينا فقط أن نصغي وأن ننتبه لميولهم، وأن نهيئ ونسهّل لهم الأجواء ليكتشفوا ويمارسوا شغفهم، ويستمتعوا بهواياتهم ويستفيدوا منها، لا أن نتوقع منهم ونطالبهم بالتمّيز والإبداع، لا أن نضبط الساعة لنحسب سرعة إنجازهم ونمسك قلماً وورقة لنقيّم أدائهم ونرسم لهم حدوداً نجعلهم يلهثون لبلوغها، (قد يبلغوها، وقد يصفق لهم الملايين، ولكن، في خضم جريهم ذاك ولهاثهم، هل تراهم استمتعوا بالفعل؟ وهل تراهم استفادوا على الصعيد الفكري والروحي)؟

بالنسبة لشام، اسمحوا لي أن أفصح عن رأيي المتطرف قليلاً فيما يخص موضوع المسابقة وجدواها بالنسبة لطفلة في السابعة، أنا ببساطة لست من المتحمسين لهذا النوع من المسابقات.

لست أنكر هنا على الطفلة العبقرية إنجازها وبريقها، لكنني أجد نفسي أتساءل عما كسبته شام من ذلك الكرنفال: (ما عدا المبلغ المالي المحترم المستحق لها ولوالدتها -هنيئاً لهما به- والضجة الإعلامية والشهرة التي قد تمس بطفولتها وخصوصيتها وسلامتها النفسية)، طفلة في السابعة، تسابق الزمن لتقرأ مئة كتاب، ما تراها فهمت من تلك الكتب وكيف استفادت؟ والأهم بالنسبة لسنها… هل تسلًت واستمتعت؟ سؤال جريء أسأله لكم ولنفسي، ما الفائدة من أن يقرأ طفل في السابعة مائة كتاب؟ هل وظيفة الطفل أن يفعل ذلك؟ ولمصلحة من؟ أليس الموضوع مبالغاً فيه، وحملاً ثقيلاً لا معنى له؟ أو ليس خطيراً أن يلتقط الأطفال رسالة تقول إنهم يجب أن يقرؤوا ليتباهوا بعدد الكتب التي قرأوها وليس من أجل المتعة والفائدة، الرسالة التي قد تنطبق على كل هواياتهم والإنجازات المتوقعة منهم. الأمر الذي يحولهم أو “يصنع” منهم آلات تنجز وتبهر بدون روح أو إحساس أو متعة.

أكتب ذلك وأتذكر شام، في اللقاءات الكثيرة التي أجراها معها صحفيون ومراسلون مختلفون، وهي تكرر بالفصحى المقاطع نفسها (التي أمليت عليها وحفظتها غيباً مسبقاً)، دون أي تغيير أو اجتهاد أو لمحة عفوية تشي بطفولتها وبراءتها، من قال لها (أو لأمها) أن قصيدة لأحمد شوقي ستكون أكثر جاذبية من تعليق طفولي عفوي بالعامية من طفلة ظريفة وذكية وسريعة البديهة؟

المنافسات والمسابقات لها جانب إيجابي لن أنكره، يتجلى في الحث والتحفيز على التحسين وكسر الحدود وتحطيم الأرقام القياسية، لكنني لا أستطيع أن أتجاهل خوفي من الجانب السلبي الذي يتمثل في تغليب الكمية على النوعية والبعد السطحي على البعد الجوهري، وتضخيم المهارات التقنية على حساب الفكرية، وتجاهل المتعة في سبيل التفوق، والسعي لإرضاء اللجان المحكّمة على حساب الفطرة العفوية الخلّاقة، ما يخلق حدوداً جديدة للإبداع، ويكرس الصناعة المدروسة والمقولبة على حساب الابتكار المتفرد الحر، وخصوصاً عندما يكون المتنافس طفلاً.

ويخطر ببالي قول شعبي حلبي قديم: “الي بدو يسكر ما بيعد أقداح”، وبتأويله على موضوعنا هذا أقول: “الي بدو يستمتع بالقراءة، ما بيعد الكتب”. المسابقة الكبرى والجائزة الأهم هي: متعة أرواحنا ونشوة فكرنا، بغض النظر عن الرقم الذي يسجله العدّاد.

ولن أنسى… وبعد أن قلت ما قلت أن أرسل للأميرة الصغيرة بضع كلمات، وبالعاميّة:

“نحن الكبار منتفلسف كتير يا شام… أنت كوني شي جديد… كوني نفسك يا شام…كوني طفولتك وبراءتك وحلاوتك ولمعة عيونك… أنت قصة كبيرة يا شام”.