fbpx

الناس نيوز

مات رياض الترك السوري الاستثنائي “أبن العم”

ميديا – الناس نيوز ::

وائل السواح – درج – صباح اليوم الأول من هذه السنة، مات رجل استثنائي. وحين أقول ذلك، لا أهدف إلى مدحه أو ذمّه، بل أريد وصفه بما يستحق. رياض الترك رجل استثنائي بكل ما للكلمة من معنى، عاش حياته كلَّها لهدف واحد: إسقاط عائلة الأسد، ولئن مضى الترك وما زال الأسد في الحكم، فهذا لا ينقص من كفاح الترك ولا يزيد في أهمية الأسد.

برز اسم رياض الترك بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، التي أحدثت شرخاً كبيراً في حياة السوريين والعرب، وأدت إلى حدوث انزياحات سياسية كبرى. أحدثت الهزيمة انقلابين كبيرين في الحركة السياسية السورية والعربية عموماً، انزاح فيهما جزء كبير من التيار القومي العربي نحو الماركسية، وانزاح مقابله جزء من التيار الماركسي نحو الفكر القومي. وتبنت حركة القوميين العرب في معظمها الماركسية، بينما انتقل عدد من الماركسيين إلى المواقع القومية العربية، بينهم كان جورج حاوي في لبنان ورياض الترك في سوريا.

عندما كان الترك شاباً في الثلاثينات من العمر، اعتُقل وعُذِّب مراراً، وخرج في كل مرة من المعتقل ليتابع النضال. وبينما دفعت الهزيمة مثقفين وسياسيين كثراً إلى نوع من العدمية السياسية أو الانتهازية، دفعت الترك إلى التفكير وإعادة التفكير في مواضيع الطبقة والأمة والثورة العالمية ودور الشقيق الأكبر، الحزب الشيوعي السوفياتي. انتُخب الترك عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري في المؤتمر الثالث، 1969، وسرعان ما بدأ يجتذب العناصر الشابة والأكثر ثقافة في الحزب، نحو ضرورة النقد الذاتي للمرحلة السابقة من تاريخ الحزب، بما في ذلك دور الفرد (خالد بكداش)، والتبعية للرفاق السوفيات، وطالب بالتخلّي عن “الصَّلف الطبقي” مبرزاً ما في المسألة القومية من وجاهة لا بدّ من مقاربتها.

لم يكن ذلك الأمر سهلاً، فمواجهة الزعيم التاريخي للحزب تتطلب شجاعة استثنائية لم يمتلكها أحد قبل رياض الترك، الذي واجه أيضاً عتاة الطغاة، مثل حافظ الأسد وولده. 

لم تلتقِ سبلنا، ابن العم وأنا قبل خروجه من السجن في 1998. في 1978، بُذلت محاولات للتقريب بين رابطة العمل الشيوعي والحزب الشيوعي – المكتب السياسي. وحاول رفيقنا هيثم مناع أن يدفع الرابطة في حوارها مع الحزب الشيوعي – المكتب السياسي، إلى فكرة الوحدة في حزب متعدد الأجنحة وحديث وديمقراطي. ولكن الترك لم يكن متحمّساً جداً لفكرة ضمّ ثلّة من الشباب المتحمّس على يساره. ويبدو أن “ابن العم”، كما عبّر أحد القياديين البارزين في الحزب، كان يفكّر في تحويل الحزب إلى حزب اشتراكي ديمقراطي، ولا يرغب في دفعة من اليساريين المندفعين عاطفياً والأغرار سياسياً، ولم يوافق حتى على إعطائنا حق تحرير نشرة داخلية ننشر فيها أفكارنا داخل الحزب. 

في عام 1979، كنت في بيروت مع ثلاثة رفاق آخرين، حين وصلتنا في إحدى المراسلات مع لجنة العمل في دمشق، نسخة من رسالة داخلية وزّعتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي بقيادة الزعيم المخضرم رياض الترك. ولأن الرسالة كانت داخلية، فقد كانت مصوغة من دون تلاعب سياسي. راعني مضمون الرسالة التي وصفت ما يجري بأنه “أزمة”، وقالت إن التحركات والانفجارات الشعبية ظهرت بأشكال ومـستويات مختلفة، وإن دوائرها تتسع باستمرار في أوساط “الجماهير الشعبية”، واستبعدتْ أن يكون الإخوان وراء من نفّذ مجزرة المدفعية في حلب، وعزتها إلى سلوك شخصي من مرتكبها. ولفتت الرسالة الى أن “الحادثة التي ارتكبها ضابط بعثي مدانة قومياً وإنسانياً وأخلاقياً”، ثمّ ربطت بين الجريمة وبين “أزمة عامة وشاملة” تعيشها سورية نتيجة غياب الديمقراطية.

وقفتُ طويلاً أمام عبارة “حادثة” المحايدة، ولفتني عدم تسمية جماعة الإخوان أو الطليعة المقاتلة باعتبارهم المسؤولين عن الجريمة. كانت تلك صدمة بالنسبة إلينا، وأحزننا وأغضبنا أن المكتب السياسي الذي كان لا يزال يرفض الحوار معنا يبرِّئ الإخوان المسلمين من دماء ضحايا المدفعية، بل ولا يكاد يدين المجزرة أساساً، بل يعزو العملية إلى “قمع النظام واستبداده”.

وفي نهاية العام 1979، أُعلن عن تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي، جامعاً خمسة أحزاب سياسية قومية ويسارية، وهي حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، وحزب العمال الثوري العربي، وحزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي، وحركة الاشتراكيين العرب (جناح عبد الغني عيّاش). وسنرى من دون تحيّز أو سخرية، أن شقيقات هذه الأحزاب نفسها موجودة في الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة في سوريا: حزب الاتحاد الاشتراكي (صفوان قدسي) وحركة الاشتراكيين العرب (عبد الغني قنّوت) والحزب الشيوعي السوري (خالد بكداش)، وحزب البعث (حافظ الأسد). فقط حزب العمّال الثوري لم يكن له شقيق في جبهة السلطة.

أما نحن في الرابطة، فتمّ استبعادنا. كان جمال الأتاسي يرغب في ضمّنا، وحين كنت ألتقي به أحياناً لتسليمه الراية الحمراء، كان يعبّر عن تعاطفه معنا، ويقدّم لي نصائح، أبوية إلى حدّ ما، غالباً ما كنت أستمع إليها بتهذيب، ولكنني كنت أرميها وراء ظهري حال خروجي من عيادته. كنت أحب الإصغاء إلى الأتاسي، وأتأمّله وهو يحكي بهدوء وثقة، من وراء نظّارة كانت تعطيه مزيداً من الوقار والدعة، ولكنّ نفوري من كلّ ما يتعلّق بعبد الناصر، سياسة وفكراً وتنظيماً، كان يجعلني أهز كتفيّ بعد خروجي من عيادته، كأنني أنفض عنهما الأفكار التي كان يقولها لي. “ابن العم”، على أي حال – هو من وقف في وجه انضمامنا، وبقوّة.

لم ألتقِ رياض الترك إطلاقاً قبل خروجه من زنزانته في فرع التحقيق العسكري، التي أمضى فيها أقلّ بقليل من 18 سنة. لا، بل فعلت! التقيته بضع مرّات، ولكننا لم نتحدّث إطلاقاً. جاورته في زنزانة قريبة من زنزانته في فرع التحقيق. كنت في الزنزانة رقم 37، وكان في الزنزانة رقم 51. ولكن بينما أمضيت في زنزانتي بضعة أشهر فقط، أمضى ابن العم 17 سنة ونيّفاً. مكعب بطول 190 سم وعرض 190 سم، لا نافذة، لا هواء، لا ضوء، ولا شمس. كان الهواء يأتينا من خلال مضخّة تضخّ لنا الهواء وشفّاط يسحبه، إذا لم تنقطع الكهرباء، وكثيراً ما انقطعت. بعد 11 سنة أعطوه سريراً، بعدما مرض وتدهورت صحته.  لمحته للمرة الأولى، رجلاً ضئيلاً، محنيّ القامة، يحمل طشتاً كبيراً ويمضي به من الحمّام إلى الزنزانة. لم يبدُ لي سجيناً عادياً. وكنت أرى أن السجّانين يعاملونه بشيء من الاحترام. ربّما الرهبة؟ ثمّ رأيته ثانية. وسألت أحد السجّانين الذين كان يبدي تعاطفاً معي لأنني لم أكن من الإخوان المسلمين.

“مين صاحبك اللي بـ “واحد وخمسين”؟

“هذا من جماعتكم” قال مجيباً، ومضى بسرعة، كأنه لا يريد أن يتورّط أكثر. 

حاولت أن ألفت انتباهه ذات مرّة، ولكنه لم يكن يأبه بأي شيء خارج دائرة زنزانته. وسيقول بعد سنوات لعلي أتاسي، معدّ فيلم “ابن العم” الوثائقي، كيف استطاع الصمود في زنزانته هذه السنوات كلها. “أنا حللت الموضوع ببساطة”، قال لعلي، “أنا أصبحت أسيرَ النظام. خرجت من اللعبة، من لعبة الصراع السياسي بين الحاكم والمحكوم. ولم يعد أمامي سوى مهمّة واحدة ووحيدة، وهي ألا أساعد النظام على إعطاء أي شيء قد يستفيد منه ضدّ حزبي، كمعلومات وكموقف سياسي. خارج هذه النقطة، أنا صرت صفراً. فإذا أنت اقتنعت بهذه النقطة بالذات، بالمقابل عليك أن تقبل جحيم هذا النظام كثمن للتمسك بذلك”. سألتقيه كثيراً بعد خروجه من السجن. زرته في بيته بحمص، وامتلك روحي بعد خمس دقائق، ببساطته ومباشرته وشجاعته وعدم اعتداده بنفسه وإيثاره بلده وشعبه وحزبه على نفسه دوماً. سحرني بعبارة ابن العم التي كان يناديني بها، كما ينادي جميعَ من يحبّهم، بتحبّب وألفة وتواضع. ستزداد وتيرة لقاءاتنا بعد اعتقاله من الأسد الابن. حين سألته عن حبسته الجديدة، أزال سيجارته التي كان وضعها بين شفتيه ليشعلها، وقال بلهجته الحمصية العميقة التي أحبّها:

“هاي مانا حبسة، ابن العم. هاي سيران”.

ثم ضحك بصخب ضحكة مديدة، وأشعل السيجارة، وعبّ منها نفساً عميقاً، ثمّ نفث الدخان في سماء الغرفة، وغاب عني بخياله لحظة، قبل أن يعود مسرعاً ليستأنف حديثه. 

تعزّزت علاقتنا بعد تشكيل إعلان دمشق، رغم انتقادي نص الإعلان، المداهن للقوميين والإسلاميين. وكنت حين نلتقي، أحاول أن أشرح له وجهة نظري حول ضرورة إقامة نظام سياسي ديمقراطي جديد يقوم على أساس الحق والعدالة والقيم المدنية وعلمانية الدولة وحقوق الإنسان، ويقوم بعمل قطيعة كاملة مع حكم الاستبداد الذي استمر في سوريا منذ أكثر من أربعة عقود، وينتقل بالبلد من كونه دولة أمنية إلى صيرورته دولة مدنية حديثة تقوم على مبادئ العلم والعقل والمجتمع المدني، كان ابن العم ينظر إليه بنظرة تقف محتارة بين الشفقة والرفض، ويقول لي: “لساتك بعقلية رابطة العمل يا ابن العم!”، ثم يبدأ يشرح لي أن النقطة الوحيدة التي ينبغي أن نعمل من أجلها هي إسقاط عائلة الأسد.

لذلك، حين قامت الثورة عاد ابن العم إلى شبابه الأول، وراح ينتقل من بيت الى بيت ومن حارة الى حارة ومن منطقة محاصرة إلى أخرى، يحشد ما أمكنه من الشباب لإسقاط الطاغية. تكثفت لقاءاتنا بعد الثورة أكثر من ذي قبل، وكنت حتى منتصف 2012 ألتقيه بشكل أسبوعي تقريباً. كنا نلتقي في وسط دمشق وفي وضح النهار. يأتي دائماً محملاً بكيسين من البلاستيك، يحمل في أحدهما زجاجتي ماء، لأنه يعيش في بيت ليست فيه مياه شرب نظيفة، وفي الآخر بيانات إعلان دمشق عن أحدث تطورات الأحداث والمواقف من الانتفاضة.  

تركت دمشق في حزيران 2012، وانقطعت عن رؤيته، وانتقل هو إلى حياة التخفي أو الحياة في المناطق “المحررة”. واستمر تواصلنا عن طريق أصدقاء مشتركين، وطبعاً عن طريقة متابعة أفكاره السياسية في الثورة والتغيير الديمقراطي. تغير كل شيء، وانهارت الثورة العظيمة إلى مهاوي الصراع الطائفي، وانهارت معها آمال وأحلام، وتراجع مناضلون واختبأ مقاتلون وتصالح متصالحون. رجل واحد بقي ثابت الجأش واثقاً من الانتصار الأخير. لم تكن ثقته نابعة من إيمان بإله أو قدر، ولكن من معرفة بالتاريخ والجغرافيا. 

ولكن ثقته في النتيجة لم تمنع من رؤية أخطائه. إذ قال في لقائه مع ألان كافال: “لقد أخطأنا في الاعتقاد بأن سقوط النظام كان حتمياً. اعتقادنا بهذا المصير هو في أساس أخطاء الثورة. وينبغي الآن أن ينظَّم نقد ذاتي، جماعي، وعلني. من دونه، لن نتمكن من الانتقال إلى مرحلة جديدة من النضال السياسي”.

واليوم، يرحل ابن العم. ويبقى صدى كلماته التي قالها لـ”القدس العربي” في 2 أيلول/ سبتمبر 2018: “أحياناً، ينتابني الخوف من أن أموت وأُدفن خارج سوريا، ويبدو أن هذه باتت حالنا اليوم ـ نحن السوريين المشتتين في أصقاع الأرض. والمفارقة المفجعة في هذا، أنه حتى من تبقّى من السوريين في الداخل، حُرم الكثير منهم ليس فقط من حقهم في الحياة ولكن أيضاً من حقهم في المقابر! لا أستطيع من الآن أن أحدد ما إذا كان دوري في المقبل من الأيام سيحظى برضا الناس، ولكن أشعر بأن هذه المرحلة بحاجة الى جهد الشباب، وكأن دورنا انتهى وجاء دور الآخرين. أنا صدقاً متحفظ وتراودني تساؤلات كثيرة بخصوص الخوض في غمار هذه التجربة الجديدة”.

المنشورات ذات الصلة