لايف ستايل

ما يؤلم في الخروج من الغابة

أنور عمران – الناس نيوز ::

أحياناً، وبينما نسير في الشوارع، نتمعن في وجوه المارة، ونُشكِّلُها في أذهاننا على هيئة كائنات مجردة من التوصيف والتنصيف، فنكتشف فجأةً ذلك التشابه المرعب في الشكل بين البشر والكائنات الأخرى التي تشاركنا هذا الكوكب، بعض الوجوه تشبه وجوه الذئاب، وأخرى تشبه وجوه القردة، وأخرى الكلاب أو الغزلان أو، أو… وفي حال استطعنا أن نتخيل أن أصحاب هذه الوجوه لا يمشون على قدمين اثنتين فقط، وإنما كما تفعل بقية المخلوقات، حينها سيكون الشبه مرعباً بالتأكيد.

البشر يتشاركون مع البكتيريا 7% من تسلسلات الحمض النووي، 36% مع ذبابة الفاكهة، بينما يتشاركون مع الشمبانزي 98% من هذه التسلسلات! ويبدو أن ميزتنا النادرة التي أبّدت افتراقنا عن هؤلاء هي خروجنا من الغابة، وتأسيسنا لمجتمعاتنا الخاصة والمنفصلة بعيداً عن أقربائنا، ولكن مع هذا الخروج بدأت مشكلتنا الحقيقية، والتي يمكن اختصارها بأننا نتعامل مع الموجودات من حولنا عن طريق العقل لا الحدس، فالعقل الذي ساهم في تطوير أدواتنا التي نتعامل بواسطتها مع الطبيعة، هو نفسه الذي جعلنا ننسى كيف نتعامل مع الطبيعة بفطرية، وورطنا في الكثير من المشاكل التي تعيش الحيوانات بغنى عنها، فالحيوانات تشعر بالكوارث الطبيعية قبيل حدوثها، وتجد طريقها بدون خرائط أو وسائل مساعدة، وهي مثلاً لا تصاب بالكثير من الأمراض التي يعاني منها البشر، كالسكري والضغط والكولسترول لأنها لا تنوع كثيراً في طعامها، ولا تتناول المعلبات أو الأطعمة المكررة، وكذلك بالنسبة للأمراض النفسية، فالحيوانات مثلا لا تعرف أنها محكومة بالموت، ولذلك لا تطرح الأسئلة الوجودية ولا تبحث في الفلسفة.

عند الاستغراق بفكرة إعادة تشكيل الوجوه وتشبيهها بالمخلوقات الأخرى تختفي، آنيّاً، التعاريف العامة والميول الشخصية المتعلقة بالجمال الشكلاني، فمن الممكن أن تكون الوجوه السمراء والبيضاء والحنطية والصفراء شبيهةً بوجوه القرود أو الأبقار أو الثعالب بغض النظر عن صباغ البشرة، وبغض النظر كذلك عن النحافة والسمنة والطول والقصر، وبذلك يكون الجمال الشكلاني مفهوماً ثقافياً طارئاً وقابلاً للاختلاف والتغيير وفقاً للبيئة والزمان والمكان.

تحتاج الطبيعة كي تستمر إلى الحب أو الانجذاب الجنسي من أجل تكاثر الكائنات، لكن العلاقة بين الجمال والحب هي علاقة إشكالية لا يمكن تحديدها بدقة وذلك بسبب اختلاف الميول الفردية أولاً، وثانياً بسبب اختلاف تعريف الثقافات للحب وبسبب تعالقه وتماهيه مع الانجذاب الجنسي أيضاً، ولكن لا يوجد حتى أبحاث جادة تجيب عن الأسئلة التي تتعلق بكيفية اختيار الكائنات الأخرى لشركائها في مواسم التزاوج، يختار الكائن اللابشري شريك معين ويُفضله على بقية أفراد النوع، أم أنه يرتبط بأحد أفراد نوعه لا على التعيين؟ وبالرغم من ندرة الأبحاث والإجابات إلا أننا نستطيع أن نفترض وبالاعتماد على بديهية أن “الحب يأتي نتيجة لمجوعة من التعاريف الفردية والخاصة للجمال الشكلاني وغيره من أنواع الجمال”، وبما أن الجمال بكل تجلياته مفهوم ثقافي مشفوع بالخيال وواحد من منجزات العقل، يمكننا أن نفترض، إذن ومبدئياً، أن الحيوانات لا تعشق بالمعنى الذي نتداوله عن العشق.

ادعاءات الجمال والحق ومحاولات الوصول إلى الجميل المطلق والحق المطلق، هي المحرك الخفي الذي أوصل الأديان والفلسفات وايديولوجيات التمايز وتحديد الهوية إلى الوضع القائم حالياً، وهذه الادعاءات والمحاولات بأصولها وتفرعاتها هي منتجات مهمة من منتجات العقل والتي أدت إلى تنظيم الحياة ووضع القواعد الأخلاقية الأساسية، لكنها في الوقت نفسه هي السبب الأساسي للحروب والعنصرية، فمن النادر في المجتمعات الحيوانية أن تندلع الحروب بين أفراد النوع نفسه لأن الهوية هناك قطيعية، أما عند البشر فالحروب لا تكون إلا بين أفراد النوع نفسه والسبب والهدف الأساسي هو التمايز المفترض.

خرجنا من الغابة، فأضعنا بذلك البوصلة الفطرية، واخترعنا بدلاً عنها خرائط ترشد إلى مكامن الجمال والتمايز والتفوق والذي بوسع الجميع أن يدعوه بالاعتماد على براهين مفترضة وزائفة، ونتيجة حتمية لذلك اتجهت العقول إلى اختراع أنواع مرعبة من الأسلحة، بهدف حماية هذا الجمال وهذا التفوق وهذا الحق، ولكن أما كان من الأفضل لو بقينا مع أقربائنا في الغابة نبحث عن طعامنا بعنفوان، من دون أن نلوث الأيادي بالدماء؟