آراء

معركة الرئاسة اللبنانية جيوسياسياً…

د . نجيب جورج عوض – الناس نيوز ::

مازالت الأوساط السياسية والشعبية والعربية والدولية تتابع بنوعٍ من القنوط والتأفف مجريات وإرهاصات مسرحية انتخاب رئيس للجمهورية الهزلية في لبنان، ومازال المراقبون يسمعون الأصوات اللبنانية التي تؤكد أن الاستحقاق المذكور “داخلي”، وستقرره ديناميكيات الكباش الداخلي، ما بين “حزب الله” وحليفيه المسيحيين في 8 آذار، جبران باسيل وسليمان فرنجية، خاصة رضوخ الأول لرغبة “حزب الله” بانتخاب الثاني رئيساً وخروجه من ساحة التنافس على الرئاسة.

قراءتي الخاصة لما يحصل تقول لي أنَّ مشهد ومعادلة الرئاسة في لبنان لها تفاصيل وحيثيات ومؤسِّسات مختلفة، وأكثر عمقاً وتعقيداً من مجرد ما يجري من تفاعلات لبنانية داخلية أقل ما يقال عنها أنها مراهقة سياسياً. علينا أن نقرأ المشهد الرئاسي ومآلاته في لبنان جيوسياسياً بامتياز.

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تبدلَّت الاستراتيجية الجيوسياسية للدولة العميقة في الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي. ظهرت أصوات جديدة في دوائر صنع القرار الأمريكي تشكك بالإسلام السني، وخاصة العربي، بعد أن تحالفت مع هذا الإسلام بقوة وصراحة واستخدمته في حروبها على الأرض وخلف الكواليس أثناء فترة الحرب الباردة.

قررت تلك الدوائر تعهيد ملفات أمريكا وإدارة أسهمها في العالم العربي شرق الأوسطي إلى الطرف الإسلامي الآخر في المنطقة، الإسلام الشيعي المتمثل بنظام الملالي في إيران.

أيدت أوروبا تلك الخطوة إرضاءً لحليفها الأمريكي الغاضب، ولأنَّ بريطانيا وفرنسا شاركتا في صناعة النظام البديل عن الشاه في إيران. كما أنَّ إسرائيل لم تمانع هذا أبداً، فعداؤها للعرب وللسنة كان مستطيراً ذاك الوقت، وهي كانت أيضاً أحد أول المتعاونين المتحالفين مع نظام الملالي بعد وصوله للمنطقة.

بدأت عملية تغيير هوية متعهِّد الشؤون الأمريكية بتسليم أمريكا شؤون المنطقة بلداً بلداً لإيران. سَلَم بول بريمر، الحاكم الأمريكي السامي في العراق، أرضاً محروقة للشيعة الموالين لإيران (بعد أن تم تفكيك الجيش وقوى الأمن العراقيين ذوي الأغلبية السنية في عهد صدام حسين)، وتركت أمريكا إيران تشيطن ومن ثم تسحق وجود السنة في هذا البلد من خلال اصطناع كيانات إرهابية راديكالية تحمل هوية الإسلام السني تعيث موتاً وخراباً في العراق ودول الجوار، ومن خلال جعل البلد مشاعاً للحضور الميليشياوي الإيراني ونهباً لعملاء إيران الفاسدين في البلد.

تمَّ بعدها تسليم لبنان رسميا وكلياً لعميل إيران وسط شيعة لبنان، حزب الله، بعد أن تمَّ دفع السوري للانسحاب وإغراقه في المحكمة الدولية لمحاسبة قتلة رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري.

لم تمانع إسرائيل بتسليم ملف لبنان لحزب الله، فهي كانت أحد المتفقين معه على شروط لعبة مصالح مشتركة تعمل فيها إسرائيل على الانسحاب من الجنوب ومن ثم دعم هيمنة حزب الله وأتباعه داخل لبنان، مقابل تولي حزب الله لأمن إسرائيل على حدودها الشمالية وخدمة تكتيكاتها الاستراتيجية جيواستراتيجياً.

من ثم أمرت إسرائيل نظام الأسد، الذي شاركت في تأسيسه وترعاه في سوريا، أن يسلم نفوذه السياسي في لبنان لحزب الله، ورفعت مع الأمريكي الغطاء عن سُنَّـة لبنان بعد مقتل الحريري، سامحةً لحزب الله باغتيال كل من وقف مع الحريري أو مع حركة 14 آذار (وصولاً اليوم إلى تفتيت ومحي السنية السياسية، حريرية وسواها، من المشهد اللبناني).

ومن ثم دفعت كل من إسرائيل وأمريكا العونيين للعودة إلى لبنان ولعقد تحالف أقـليات مع الشيعة (تزامناً مع تسويق مراكز صنع الأفكار والاستراتيجيات الإسرائيلية والغربية في كافة الأوساط العامة والثقافية والسياسية لنظرية “تحالف الأقليات” ذاك الوقت) كيما يكتمل مسار استلام إيران لملفات المنطقة كمدير ملفات أمريكا الجديد البديلٍ عن العرب السُنَّة.

وصل هذا التعهيد إلى ذروته في عهد باراك أوباما مع توقيع اتفاق نووي مع إيران كان بمثابة إعلان رسمي أمام العالم لتسليم أمريكا لإيران ملفات المنطقة علانيةً، ومن ثم ترك سوريا (قلب العالم العربي الجيوسياسي) لقمة سائغة في يدها كي تكتمل مقومات إدارة إيران لبؤَر الشرق الأوسط الحساسة باسم الأمريكي دون سواه.

كانت هذه سياسة أرَّضَت ( وضعت أرضية ) لنظرية “الشرق الأوسط الجديد”: سياسة تبديل المتُعَهِّد. تمَّ تسليم الشرق الأوسط للإيراني الذي لم يتورع عن محاولة ابتلاع باقي العرب الأبعَدين في الشمال الأفريقي أيضاً، بأن تحالف مع أطراف سياسية تشكل المعادل السني لثورة الأئمة والحكم الثيوقراطي، كما فعل مع الإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا، كما لم يتورع عن توظيف الحوثي في اليمن والشيعي في البحرين والسعودية لزعزعة جيرانه الأقربين.

أما المدير الأول للمنطقة، إسرائيل، فلم تمانع هذا التمدُّد والتحول إذ رأت فيه فائدة استراتيجية كبرى لها، تتمثل بحشر العرب والسنة في زاوية ضيقة وتركهم بلا خيارات كثيرة ودفعهم في المحصلة لتوجيه الأنظار نحو عدوتهم التاريخية وإعادة النظر بموقفهم منها على قاعدة “عدو عدوي هو صديقي”.

نجحت تلك الاستراتيجية وآتت أكـلها بأن انتهى الأمر إلى تحوَّل العرب بأنظارهم نحو إسرائيل، وميلهم للتواصل والتنسيق، وربما التحالف المستقبلي الصريح معها، وكذلك بدئهم بالانفتاح على حلفاء دوليين جدد خارج دائرة أمريكا وبريطانيا وأوروبا.

علينا أن نقرأ مسألة رئاسة لبنان القادمة في هذا الإطار الجيوسياسي وإرهاصاته، وإلا لن نفهم ما يحدث الآن حيال لبنان ومسرحية الرئاسة فيه. النقطة الأساس التي لا يجب أن ينساها المسيحيون ( خاصة الموارنة ) وباقي الفئات الشعبية في لبنان أنَّه منذ الحرب اللبنانية على الأقل، لم يجلس الرئيس الذي حكم لبنان يوماً في بعبدا.

كان هناك وقت جلس فيه بدمشق وأحياناً في الرياض، ومنذ اغتيال رفيق الحريري جلس في طهران.

طبعاً، لم تعد دمشق مجلس رئيس لبنان، فهي ليست موجودة على الخارطة الجيوسياسية اليوم بعد أن تم تفكيك نظام الأسد من الداخل (وأن لم يتم بعد التخلص من رأس النظام لضرورات آنية) وتم تجويف الدولة السورية من كافة مكوناتها ومحي الوجود السوري البشري عن الخارطة (التجاهل العميق لمأساة السوريين داخل البلد تفيد بأنَّ سوريا باتت أرضاً بلا ناس في نظر الأوساط الدولية).

الأطراف اليوم منقسمة حول موقع جلوس الرئيس العتيد، وليس حول اسمه أو انتمائه، برأيي: طهران تريد لهذا الرئيس أن يجلس في الضاحية الجنوبية، وأمريكا “أوباما-بايدن” لا تمانع ضمنياً أن يجلس في طهران، كبديل عن الجلوس في الضاحية، كي ترطِّب الأجواء مع الخليج. أما العرب فيتمنون أن يجلس إما في القاهرة أو في أنقرة (والتي سيجلس رئيس ليبيا القادم فيها كما يبدو)، بل هناك ربما صوت عربي سياسي لا يمانع ضمنياً أن يجلس هذا الرئيس في تل أبيب (الشريك الجديد في الصراع مع إيران والذي دخل مؤخراً في اتفاق سلام ونوعٍ من التطبيع مع اللبناني، وعلى رأسه حزب الله وخلفه إيران ، ربما مقابلة ورقة العراق …).

ما تبغي الأطراف الوصول إليه هو خيار وسطي (لا للرئيس، بل لموقع كرسيه) يشبه خيار كرسي رئاسة سوريا في موسكو مثلاً، والذي اتفقت عليه في عام 2015 كافة الأطراف المنخرطة في لعبة الأمم في سوريا.

بكافة الأحوال، لن يجلس رئيس لبنان القادم حاكماً فعلياً في بعبدا ولن يحكم لبنان منها. ربما أكثر من يقرأ هذا المشهد بشكل صحيح هو رئيس القوات اللبنانية، ولهذا تراه متقبلاً لفكرة عدم خوض معركة الرئاسة شخصياً وداعماً لمرشِّحٍ سواه.

وعلى الأغلب أنَّ حزب الله أيضاً يدرك في قرارة نفسه، ولمعرفته بمعطيات التطورات في المشهد كأحد أطرافها، أن كرسي رئاسة لبنان لن يكون في الضاحية هذه المرة، لهذا فإنَّه يبدو حريصاً على إبقائه في طهران، خاصةً إن نجحت الإدارة الأمريكية الحالية بإقناع حلفائها بالتنازلات التي ترغب بتقديمها للإيراني في الاتفاق النووي.

هذا الاتفاق لم يمت، كما يدعي كثيرون، بل هو ينتظر الفترة القادمة بعد أن توضح المشهد السياسي في كل من إسرائيل والولايات المتحدة بعد حدوث الانتخابات فيهما، وبعد أن بدأت معركة روسيا في أوكرانيا تشهد بداية النهاية.

المهم، أن رئيس لبنان القادم لن يحكم لبنان من بعبدا، كائناً من كان هذا الرئيس ولأي طرفٍ انتمى، وهو سيكون خياراً توفيقياً .

بقي فقط قرار تحديد موقع حكمه في إحدى عواصم اللاعبين في الإقليم.