ثقافة وفنون

رحل جار قلعة حلب صباح فخري تاركاً مكتبة فن وطرب تعيش لأجيال

حلب – دمشق – الناس نيوز :

سَلوا فؤادي سَلوه فهو يخبركم

عنّي ما غبتُم إذ فيه محضركم

لو قرّبوا النار من قلبي لأحرقها

فهل سمعتُم بقلب أحرق النار

بكلّ أسى نودّع عملاق قلعة حلب المطرب الأسطورة صباح فخري (1933-2021) الذي اشتهر بالقدود الحلبية والموشّحات الأندلسية وأوصلها من قريته الصغيرة للعالمية.

منَّ عليه الخالق بحنجرة ذهبية وصوت مهيب قادر أمكنه من حفظ تراث حلب وتقديمه للعالم بأبهى وأروع صوره.

إنّنا موقنون أنّ الموت لن يطفئ صدى طربه… بحسب دار أنطوان للنشر التي كانت أصدرت كتاباً قيماً عن مسيرة حياته للكاتبة السورية الدكتورة شذى نصار .

نحتفي بإرثه ومدينته وتاريخ الفن السوري العربي المتألّق والزمن الجميل. ومن هذا المنطلق، نشارككم مقاطع من كتاب الرسّامة والكاتبة شذا نصّار في كتابها “صباح فخري سيرة وتراث ” الصادر عن دار انطوان هاشتيك في آذار مارس 2019 .

وفيه “حفظ الإبنُ سرّ أبيه.. هكذا كانت للأمانة قُدسيّتها، إذ لم يكُن هناك حاجة لتوقيع أو بصمة. بل كانت الكلمة هي التي تبصم في الوجدان…

تربّى صباح الدين بين أمّ محبّة للحياة تهوى المغنى والطرب، على الرغم من أنّها لم تكن تتمتّع بصوت جميل.. أمّا والده فقد امتاز بكونه “شيخ طريقة”، اصطحب صغيره إلى حلقات الذكر والإنشاد.. كان يسرّه سماع ثرثرة النساء التي لا تسمح له سنواتُ عمره الخمس بفهم معظمها.

في الوقت ذاته، كان يطرب للأغاني الشعبيّة التي يُردّدنَها، فيختزنها في ذاكرة الطفولة من دون أن يبذل جهدًا في ذلك..

وبحسب بيان دار أنطوان التي وصل لجريدة ” الناس نيوز ” الأسترالية الإلكترونية ، سجّل صباح رقمًا قياسيًّا في قدرته على إطراب الجمهور اثنتي عشرة ساعة متواصلة، من دون أن يتعب، أو يفقد السيطرة على جمهور في قمّة انسجامه وتجاوبه ونشوته. إنّها لم تكن اختبار قدرة على التحمّل، بل كانت التحامًا روحانيًا بينه وبين الحاضرين يصعب فكّ لُحمته.. كان من المتعارف عليه قبله، أن يُقدّم المطرب في البداية وصلة: بدنبتَين، فموشّح، فليالي، فقصيدة، ثمّ دور. فابتكر صباح فخري تقديم وصلة من الموشّحات تسبق القصائد، ونسّق الأدوار..

كلّ ما أبدع فيه صباح كان حصاد ما زُرع في رأس ذاك الطفل ووجدانه من النغم، والكلمة، والإيقاع، بعد التجويد والأذكار. لقد عاش طفولة مميّزة، في بيئة كرّسها الخالق لتجعل منه نابغةً في عالم الفنّ الأصيل.. كان يعاني، بينه وبين نفسه، عذاب الحبّ العذريّ الطفولي، ومتعة ألمه وأحلامه التي لا طائل منها سوى إرضاء مشاعر غضّة لا يعرف لها تفسيرًا، فتُخجله، ولا يقوى على البوح بها.. حرص على أن يجمع بين هواياته وعمله، إذ كان يمرّ في طريقه على الأرصفة التي ارتمت عليها الكتب للبيع، فيشتري كلّ يوم كتابًا يعجبه.»

ختامًا، يقول صباح فخري عن فلسفته في الحياة:

«ما ندمتُ على شيء. أنظر إلى الأمام وليس إلى الماضي. لأنّ الماضي مضى.

الزمن ثلاث… يومٌ مضى وانقضى… ويومٌ أنت فيه فهو لك… ويومٌ آتٍ لا تعلم أهو لك أم لغيرك…

فاغتنم ثلاثًا قبل ثلاث… شبابك قبل هرمك… وصحّتك قبل سقمك… وغناك قبل فقرك… »