آراء

رحل صباح فخري، آخر عمالقة الطرب العربي في العصر الحديث

أمير سعادة – الناس نيوز

في الساعة التاسعة من صباح يوم 2 تشرين الثاني/ أكتوبر 2021، توقف قلب صباح فخري، ملك الطرب والفن الأصيل، في مستشفى الشامي بدمشق، لينبض في قلوب ملايين السوريين والعرب من جمهوره الكبير الممتد في أرجاء العالم العربي كافة، عابراً لكل الأجيال والطوائف.. والحروب.

لم تكن وفاته مفاجئة، نظراً لتقدمه في السن وتراجع حاد في صحته، إضافة لعدة إشاعات عن وفاته على وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات القليلة الماضية.

ولكن عند إعلان عائلته نبأ وفاته ، تبنت وزارة الثقافة تعميم النبأ، خيم الحزن على السوريين، بشكل خاص (في الداخل والخارج وفي مخيمات اللاجئين)، والعرب عموماً، الذين شعروا أن جزءاً من ذكرياتهم وماضيهم الجميل قد غاب معه إلى الأبد.

ولد صباح فخري، واسمه الأصلي محمد صباح الدين أبو قوس، في مدينة حلب سنة 1933، الحي القديم، وهو ابن شيخ جامع من أتباع طريقة صوفية. عاش طفولته بائسة، فيها الكثير من الفقر والحرمان والخوف من مستقبل مجهول، وكان حلمه أن يكون شيخاً مثل أبيه أو منشداً، نظراً لامتلاكه صوتاً رخيماً، الذي ظهر في مرحلة مبكرة من حياته. كان يتردد بشكل مستمر على جامع الأطروش وعلى زاوية الباذنجة في حي باب النيرب الشعبي في مدينته العريقة حلب، لحضور حلقات النقشبندية، حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، مثل سائر أبناء جيله من السوريين، وبرع في تجويده.

ثم دخل إلى المدرسة الحمدانية حيث تعرف على عازف الكمان سامي الشوا الذي تنبأ له بمستقبل بارع وتبناه فنياً.

طلب الشوا من والدة صباح أن ترسله إلى مصر لتعلم طرق الغناء، فقبلت وتوجهت مع ابنها إلى دمشق بهدف السفر إلى القاهرة، أملاً في أن يحقق فيها صباح شهرة مقبولة تكسبه القليل من المال. وفي دمشق تم لقاء تاريخي بينه وبين راعي الفنون فخري البارودي، نائب دمشق وأحد رموز الحركة الوطنية في سورية. استمع البارودي إلى صوت صباح وأعجب به على الفور، فطلب من والدته أن يبقى في دمشق وتكفل بمصاريف تعليمه كافة. ولم يكتفِ البارودي بهذا الحد، فقد أخذه معه إلى القصر الجمهوري في منطقة المهاجرين وطلب منه أن يغني أمام رئيس الجمهورية شكري القوتلي، الذي أحبه كثيراً وأثنى على موهبته وعلى مساعي البارودي لإبقائه في سورية.

وقد وفى البارودي بوعده، وأدخل الفتى صباح إلى معهد الموسيقى الشرقي الذين كان قد أسسه في محلّة سوق ساروجا، حيث تخصص بالقدود والموشحات، ودرس على يد الشيخ عمر البطش و عزيز غنام ومجدي العقيلي، وهم من أساطين الموسيقى السورية.

وعند تخرجه، وظّفه البارودي مطرباً في إذاعة دمشق عند افتتاحها سنة 1947. من هنا بدأت رحلة صباح فخري السريعة إلى المجد، التي لم تتوقف لحظة حتى وفاته، وقد اعترف بفضل البارودي عليه وقام باتخاذ اسمه الأول اسماً فنياً لنفسه، لُيعرف من يومها باسم “صباح فخري”

وفي سنة 1947 وضع صباح فخري أول أغنية من ألحانه، كانت بعنوان “يا رايحين لبيت الله” وهي أنشودة دينية مستوحاة من ماضيه الديني المحافظ.

ومن بعدها طور أحد الأدوار القديمة مع الملحن سري الطنبورجي وقد جاء فيها: “أنا في سكرين من خمر وعين، واحتراق بلهيب الشفتين” التي أصبحت من أشهر أغانيه.

ولكنه لم يتفرغ للفن من البداية، وعمل لفترة وجيزة من حياته جابياً في نقابة معامل النسيج، ثم مدرساً في مدرسة الأنصاري.

وكان يمارس الغناء ليلاً في مسارح دمشق وأنديتها وفي الحفلات الخاصة، حيث حقق شهرة كبيرة في حقبة الخمسينات. وعند قيام الوحدة السورية المصرية في شباط/ فبراير 1958 دعاه الرئيس القوتلي إلى حلب لاستقبال الرئيس جمال عبد الناصر، حيث صعد صباح فخري إلى مئذنة جامع الكلاسة ورفع الأذان بحضور الرئيسين السوري والمصري.

وفي مرحلة الوحدة، انطلقت أعمال التلفزيون العربي السوري في تموز 1960، وطُلب من صباح فخري أن يكون أحد مؤسسيه بصفة “مطرب” ظهر في العديد من السهرات التلفزيونية، وكان ضيفاً على المسلسل الكوميدي الشهير “مقالب غوار” سنة 1964، مع الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي. وفي سنة 1965 شاركهما في فيلم “الصعاليك” مع النجمة المصرية مريم فخر الدين، كما كانت له البطولة المطلقة في مسلسل غنائي مع وردة الجزائرية حمل عنوان “الوادي الكبير”، وفي برنامج “أسماء الله الحسنى” مع الفنان الراحل عبد الرحمن آل رشي ومسلسل “نغم الأمس” مع رفيق سبيعي وصباح الجزائري.

وقد وسعّت هذه الأعمال من نجومية صباح فخري، وظلّ يغني على خشبات المسرح في سورية ولبنان ومصر والمغرب العربي، والخليج العربي ومصر والمغتربات، حيث كان له جمهور كبير. بلغت مجموعة أغانية 347 أغنية، منها 110 من الطرب القديم، و66 عملاً من تلحينه، ضمت أشعاراً لأبي الطيب المتنبي وأبو خليل القباني وغيرهما.

ولكنه لم يسجل أغاني كثيرة في الاستوديو، وظلّت معظم أعماله مأخوذة من حفلاته، شأنه شأن أم كلثوم التي كانت معجبة به كثيراً وتلقبه “أبو كلثوم سوريا” كما كان صديقاً حميماً لمصطفى طلاس، الذي روى أنه في إحدى السهرات، جمع بين صباح فخري ومحمد عبد الوهاب في دمشق.

سأله عبد الوهاب عن معنى كلمة “الأراصيا،” وهي من أشهر أغاني صباح، فرد عليه المطرب السوري غنائاً. هنا وقف عبد الوهاب وطلب من الحاضرين الوقوف، ففعلوا، ثم قال: “هذا الصوت يجب أن نقف له احتراماً وإجلالاً “

في مرحلة التسعينات، دخل صباح فخري إلى مجلس النواب السوري، نائباً عن مدينة حلب، حيث عمل على إصدار تشريع لقانون تقاعد الفنانين، وانتخب نقيباً للفنانين.

ثم أسس “معهد صباح فخري للتراث” في حلب وأشرف بنفسه على تأهيل جيل كامل من الفنانين السوريين المتخصصين بالقدود والموشحات.

وقد تتلمذ على فنه العديد من الفنانين العرب، كان في مقدمتهم أصالة نصري ووليد توفيق وجورج وسوف.

آخر حفلة لصباح فخري كانت في بلدة صيدنايا السورية، بريف دمشق، سنة 2010، قبل أشهر من اندلاع الانتفاضة السورية.

وقد تدهورت صحته لاحقاً وتعرض لعدة جلطات دماغية سنة 2012، في العام نفسه الذي سقطت معشوقته حلب في فوضى الحرب السورية. توجه إلى أوروبا لتلقي العلاج وعاد إلى لبنان ليقضى سنوات تقاعده، في منزله بمنطقة جونيه ، قبل العودة إلى دمشق سنة 2020 . ليرحل منها إلى مدينته العريقة حلب، التي عشقته وعشقها حيث يوارى الثرى إلى جانب قلعة حلب العظيمة في مقاربة رمزية لمدى أهمية مكانته وإرثه الفني والثقافي الذي تركه للأجيال. ولعل واحدة من أجمل المقولات عن رحيله قالها الإعلامي والكاتب الكبير غسان شربل: صباح فخري.. كما تنام خوابي الذهب في أرض حلب.