مجتمع الناس

هل آن الأوان لأن يُشيَّع الحب ويُبعَث الولاء ؟

هدى سليم المحيثاوي – الناس نيوز :

إلى يومنا هذا يتعجب الكثيرون، كيف للأمير تشارلز “ولي العهد البريطاني”، أن أُغرم بكاميليا، وانفصل عن الأميرة ديانا، وهي الأجمل والأصغر والأفتن، و”مالكة قلوب الجماهير” بحسب ما لُقبت.

من خلال مسلسل “the crown” الذي عُرض على منصة نيتفلكس، يتحدث عن حياة ملكة بريطانيا، “إليزابيث الثانية” وتطرق في جزئه الأخير عن زواج الأمير تشارلز بالليدي ديانا، قالها الأمير للأميرة الراحلة بعد سنوات من زواجهما، أنَّ “ولاءه” كان، وسيكون دوماً لكاميليا. قال “ولاءه” ولم يقل حبه.

خطأ أن نربط بين الولاء والمصلحة، فتعريف الولاء لغةً، هو إخلاص الشخص لشيء معين، وبدلالته يُشير إلى المحبة والنصرة والاتباع، ولا يعني أبداً الحب بدافع المصلحة، وإلا لما كان الولاء شرطاً من شروط الإيمان. وخطأ أيضاً أن يُستخدم في السياسة، فلا إخلاص في السياسة.

بل الولاء هو الإخلاص والطاعة لمن يُقدم لنا الدعم فيجعلنا قادرين على تحقيق مصالحنا بأفضل صورة مُمكنة. وهذا يلزمه الكثيرُ من النضج والمعرفة والاهتمام.

عند ذكر مفردة “المصلحة” تتبادرُ إلى أذهاننا معان أخرى، مثل الأنانية والاهتمام بالذات، وفي هذه النقطة آن الأوان للتخلص من وصمة العار المصاحِبة لهاتين المفردتين وما يخصهما، فالفهم الخاطئ واستخدامهما بطريقة شعبوية، للدلالة على مواقف غير التي تجسدها فعلياً هذه الألفاظ. فكلنا يعمل في هذه الحياة لتحقيق مصلحته الشخصية، صغُرَت أم كبُرَت، طبعاً عن الشخصية السوية أتحدث، إلا أن الحامل الحقيقي هو التوازن في كيفية تحقيق هذه المصلحة، وهو محورٌ واسع، حيث نسعى طوال وجودنا لتحقيق هذا التوازن، وننجح أحياناً ونخفق في أخرى.

ربما أحب الأمير تشارلز أميرة القلوب، فمن المعلوم أن المُفضلة لدى الرجال هي الامرأة الجميلة، إلا أن ولاءه لم يكن لها، كما لم يكن ولاؤها له، فهي التي، ومنذ صغرها، حلمت بالشهرة وبالمكانة المُسيطرة، وطغى حبها واهتمامها بنفسها وطموحاتها، على حبها لولي العهد – المَلِك القادم – الذي كان هو من يحتاج أن يكون المَركز للاهتمام والظهور، بعد أن كانت المَلِكة والمَلَكِية هما المركز طيلة حياته.

الحب العذري والزواج
كان الشعر ركناً أساسياً من أركان الحياة أيام الجاهلية لدى قبائل العرب، كما كان المسرح لدى اليونانيين والغرب، وكان الحب المحور لهذه الفنون. فالحب بحالته الانفعالية والانفجار الذي يصاحب شدته بالكثير من المشاعر المُتقدة، أنتج فناً بديعاً، من شعرٍ ومسرحيات وروايات، هي الأكثرُ إحياءً وحضوراً بين القراء إلى يومنا هذا. ومن المُلاحظ أن كلَ قصص الحب على مر التاريخ اتسمت بالتعاسة والحرمان والنهاية المأساوية.

فرغبة المُحبين كانت المحافظة على هذا الحب بقوة واشتداد وتوهج، وليس الوصول أو الارتباط بالمحبوبة، فكان من المعلوم في عادات العرب القديمة، أنَ ذِكرَ اسم الفتاة أو التحدث عنها، كافٍ لتحريمها على من قام بذلك، رغم ذلك لم يكُف جميل بثينة، وغيره من شعراء الحب العذري، عن التغزل بالمحبوبة علناً حتى بعد زواجها.

ومن الواضح أن هؤلاء العاشقين لم يمنحهم العشق سِمة الإخلاص، فابن زيدون قد خان ولادة مع جاريتها، وهو ما أشعرها بالإهانة فتزوجت بالرجل الذي تكرهه، وخاطبت ابن زيدون بشعرها قائلة:
لو كنتَ تُنصف في الهوى مابيننا لم تهوَ جاريتي ولم تتخيرِ
وتركتَ غصناً مُثمراً بجماله وجنحتَ للغصن الذي لم يثمرِ
إذاً حتى العشق المُلتهب لم تحمِه “عُذريته”، من النظرِ لغير المحبوبة.

يمتلكُ كلُ رجلٍ نفحةً من الدنجوان، فالكاتب المسرحي “موليير” ومن خلال شخصيته الدنجوانية التي باتت مضرب المثل على تعدد العلاقات، يصفُ أن الثباتَ في الهوى هو من شيم البسطاء والجهالة، ولايتعدى الوفاء كونه شرفاً مزيفاً.

محقٌ موليير في وصفه، فدائماً مايتطلب الجمال استجابةً، وبينما يوضعُ ذلك من منظور الحب على أنه خيانة، باستجابةٍ لغير الحبيب، يملكُ الولاء الذي توجهه المصلحة، بوصلةً تجلع حَجم هذه الاستجابة، بموازة المصلحة الشخصية، أي نسبة وتناسب، فالاستجابة تكون بحجم المصلحة.
بعد مجيء الأديان، وكأنَ الزواج قُدِم بديلاً عن الحب العذري، من جهة القيم والترفع الذي يجب أن يظهر عليه، الترفع عن البوح بالطبيعة البشرية، من غرائز ومصالح وشهوات.

فكما غُلف الحب عبر الزمن، بقيمٍ لتبرير أي سلوكٍ يمكن أن يؤدي إليه، كذلك يُغلف الزواج في حاضرنا، بقيم المقبول اجتماعياً والحلال، والقصد الشريف، وكما كانت نهايات قصص الحب العذري مأساوية، نرى حالات الزواج في واقعنا، إما تزايد حالات الطلاق بنسبةٍ عالية، وإما البقاء في حالة زواجٍ “سريري” (من الموت السريري).

والمشكلة في النهاية ليست في الزواج، كما لم تكن في الحب العذري، بل في تغليف كليهما بما ليس فيه. بين الحب والولاء طبعاً لابدّ من الإشارة إلى أن أي كلام، ينطبق على الذكر والأنثى سواء، فلا فروق يمكن أن تُطَبَق، إلا من حيث استجابة كلٍ منهما للقيود النفسية والاجتماعية المفروضة، وانعكاسها على شجاعة التعبير عن المكنونات.

حيث ورد في كتاب صادق جلال العظم، “الحب العذري” أنَ الكشوف العلمية الحديثة أظهرت بما لا يقبل الجدل أن عناصر الرجولة والأنوثة تشترك معاً في تكوين كل إنسان (ذكراً كان أم أنثى) وتدخل في تركيبه الفيزيولوجي والسيكولوجي بنسبٍ مختلفة، الأمر الذي يُبين أن الفارق بين الرجولة والأنوثة ليس فارقاً نوعياً قطعاً كما هو شائع، بل هو فارق كمي يتحدد بنسبة سيطرة عناصر معينة على بنيان الفرد.

يبدأُ كل من الحب والولاء بشرارةٍ انفعالية غير مفهومة، ولكن مع الوقت يميلُ الطرفان في الحب للحفاظ على هذا الانفعال المُحتوي على لذةٍ تُعطيهما إحساساً بالتميز، نظراً لاختيار كل طرفٍ للآخر دون سواه.

يستمر الحب بافتعال قيمٍ تصبح مُزيفة مع الوقت، للحفاظ على هذه اللذة، يميلُ الولاءُ للعقلانية والوضوح، فيجعلنا، نحن، على حقيقتنا، بحاجاتنا ورغباتنا ونوازعنا بعيداً عن زيف القيم التي تغلف الحب. فالولاءُ صادق لأنه يعترف بالمصلحة، ويكون سبب ولائنا لهذا الشخص مفهوماً،
أما الحب ففيه الكثير من النفاق والوهم، على الذات قبل الآخرين، لأنه يحاول طمس المصالح أو محاولة تغليفها بطبقةٍ من القيم لتلطيفها اجتماعياً.

الحب مع مدى ما يحتويه من انفعالية، لا يحتاجُ إلى الكثير من الوعي أو النضج، حيث نراه بين المراهقين متقداً، ومعظمنا لا ينسى أول شرارة حب التي ربما تعود للطفولة. إلا أن الولاء لا يمكن أن يُخلَق إلا بنضجٍ ووعي كبيرين. وبينما ينطوي الولاء على الإخلاص والطاعة، ليس بالضرورة أن يُصاحبا الحب.

يتغذى الحب على التملك، أما الولاء فيتغذى على المصلحة. وبينما ينتهي الحب كلما زاد التملك؛ لأنه يخنق الحرية الشخصية، التي ولدنا عليها بالفطرة، ينتعش الولاء كلما ازداد تحقيق المصلحة، ولا ينتهيان إلا بانتهاء أحدهما. وبما أنَ الحب يقوم على الانفعالية فأثر انتهائه ليس كأثر انتهاء الولاء، الولاء يتضمن طاقةً إيجابية، تكون محركاً للاستمرار والمحاولة.

وغالباً عندما ينتهي الحب، تُصاحبه مشاعر الضعف والعجز النفسي، أما الولاء فنتائجه أقل سوءاً؛ نظراً لأنه أقلُ انفعالية وأكثرُ عقلانية.
الولاء يتطلب نضجاً ووعياً من الطرفين، كلٌ بذاته وبطبيعة الطرف الآخر، ذكراً كان أم أنثى.

ربما يحتوي الحب على التدمير، بينما ينطوي الولاء على رغبةٍ في تبادل المصالح، وهو أمر ليس من السهل تحقيقه؛ لأن المصالح غالباً ما تتعارض، فهو لا يحتاج إلى التنازل بل إلى الذكاء والرغبة المستمرة في حياةٍ أفضل ومختلفة.

الحب فيه من الانفعالية التي تفقدنا التوازن، بينما الولاء ينطوي على المصلحة التي يدركها العقل، ولا نستطيع أن نطابق بين الولاء “والحب بالعقل” كما يسمونه في مجتمعنا، أو كما سماه اليونانيون “فيليا” الذي يكون مضمونه الصداقة والنية الحسنة، ولا أيضاً النوع الآخر من الحب الذي سموه “براغما “والذي يُسمى اليوم “بحب العشرة ” لأن الأخير يُولد بعد مرور السنوات، بينما الولاء يُولد من اللحظة الأولى للدعم العاطفي الذي قدمه طرف لآخر ليكونَ في أحسن صوره.

الولاء أن يُعقَد صُلح بين العقل والقلب، كما دعا إليه ابن قيَم الجوزية في كتابه “روضة المحبين ونزهة المشتاقين”، فتولَدُ علاقةٌ تجمع أنواع الحب السبعة أو الثمانية التي عرَفها اليونانيون. تُعطي كلَ طرف حاجته من نوع الحب الذي يحتاجه بوقتها، فكلُ واحدٍ منَا بحاجةٍ لأن يكون عاشقاً في وقت، وطفلاً في وقت، وصديقاً في آخر، وغريزياً، ربما، في كل الأوقات.

لأزمنةٍ كثيرة بقي الحب هو محور الحياة، إلا أننا بتنا في زمنٍ، عماده القضايا الإنسانية والتطور التكنولوجي والبحث العلمي، وفكرة وجود الطرف الآخر والاستقرار العاطفي، هي فكرة أساسية للتوازن العام، ولا يمكن أن تتوازن الحياة من دون وجود الطرف الآخر لكن المُعضلة تكمن بماهية وجود هذا الطرف، هل نريدُ طرفاً هو محورُ حياتنا، أم أن هذه العلاقة هي المركز الذي يعطي القوة لباقي أجزاء الحياة من دون أن يُلغي أي جزءٍ منها.