آراء

ما الذي يجري في العالم؟

فواز حداد – روائي سوري – الناس نيوز ::

وكأنه العالم الذي لا نعرفه، أو أننا نجهله، وحان أوان اكتشافه من جديد، فقد فاتنا الكثير في هذه الألفية التي استبشرنا بها، فخذلتنا ولم تبشرنا إلا بالأسوأ. ظننا أننا في تقدم، فإذا بنا في تراجع. وإذا كان من تقدم فإلى الهاوية.

العالم الذي كنا نتنبّأ بتوحده في تكتلات كبيرة، يتفتت خلسة من فترة لأخرى، وقد نجده مفتتاً على حين غرة، وهذا لم يعد خافياً، الدول تريد استعادة ماضيها العظيم، على أمل تكراره بوسائل تكنولوجية متقدمة، وقد تحتاج إلى مدافع ودبابات وطائرات، في حال عجزت التكنولوجيا عن إحداثه، فالقرن الماضي كان تجربة خاسرة ومريرة.

وهكذا، لم تعد مبالغة ولا مزحة، التشنيع أو تكريم بوتين بلقب القيصر، وطموحه إلى استعادة أمجاد الحكم القيصري، مادام أن الكنيسة الأرثوذكسية باركته، تلك التي عانت من الاضطهاد سبعين عاماً، استعادت هي أيضاً طقوسها وتراتيلها.

بينما الإمبراطورية الفارسية لم تعد في دائرة التخيل والخيال، اخترقت العالم العربي، وسيطرت على أربع عواصم باتت تتحكم بها، وما الخميني أو خامنئي إلا قورش مؤسس الإمبراطورية، بلحية مذهبية.

عدا ذلك هناك مثال في طوره إلى التحقق، أوربا الموحدة تتفكك، وأول الغيث بريطانيا، المصالح المشتركة لم تعد مشتركة، كل منهم يريد النجاة بدولته، وألا يحمل أعباء دولة مفلسة أو على وشك الإفلاس، تبعد عنه آلاف الكيلومترات، هم أيضاً لديهم تاريخهم وأمجادهم، إذا كان لابدّ من التاريخ والأمجاد.

لكن ماذا عن تشرذم دول العالم الثالث؟ إذا كان على هذا المنوال، فسوف توالي القارة الأفريقية تمزقاتها وآلامها، ويخشى أن تتناثر القبائل وتتقاتل على طول الجغرافيا السوداء، اليوم لديها من السلاح ما يؤهلها للفتك بالبشر والحيوانات، ولن تسلم الغابات، ما يحرض أوروبا على نجدة أفريقيا، والمطالبة باستعادة ممتلكاتها السابقة، فألمانيا وبلجيكا وفرنسا وهولندا لديها تراث استعماري دموي مشرف…

ولا ننسى إسبانيا، وحصتها في أمريكا اللاتينية. وماذا أيضاً؟ بريطانيا كذلك لها نصيب الأسد الشره؛ كندا وأستراليا وقد تطالب بأمريكا، لو جاءها رئيس أحمق كترامب، كيف يقود الإمبراطورية الأمريكية، إذا كانت إيفانكا ابنته موعودة بالرئاسة، لابدّ سيلجأ الأمريكان خشية من زوجها العبقري في الغباء إلى بريطانيا، القابعة في القارة العجوز، ستستقبلها بالأحضان.

أما العرب، فهم الأوفر حظًا، فسوريا المثال الناصع للمستقبل الذي سيحمل على عاتقه استعادة ماضٍ متخيل، فالحكم الملكي لم يعد مستهجناً، ولا تحول الجمهوريات إلى إمارات وقبائل وعشائر وكانتونات وإقطاعيات، مهدت لها الحواجز، وما زالت المخاوف من حروب أهلية وإقليمية ودولية.خاصة أن الانقلابي الأخير بعدما قام بتصفية رفاق الدرب، من دون أن يرف له جفن، تحول إلى رئيس للجمهورية، وكان في خلوده، استدراج لتحويل الجمهورية إلى ملكية، لا يمكن استمرارها إلا بتملك العائلة لبلد يخشى أن ينزلق إلى الديمقراطية، فكان في ابتكار التوريث، وهو ليس ابتكاراً حصرياً، لعائديته إلى النظام الملكي الموثوق.

ما الذي بقي من جمهوريتنا السورية؟ لا سيما وأن تفكيك هذه الدولة الصغيرة التي نشأت بعد انفراط عقد بلاد الشام، انكشفت بعد نحو نصف قرن من العذاب، أنها عاجزة عن الحكم إلا إذا كان الرعايا على انسجام مع الحاكم، أي حسب رغبته، ما يستدعي انفصال أجزاء من الشمال والجنوب، لئلا ترهق أعباؤها الحكومة المركزية، لن تكون سوى طوابير معادية تبدأ بالخامس وقد لا تنتهي بالسابع.

بذلك تصبح سورية البلد الرائد في المنطقة من ناحية التحديث الماضوي، أي العودة المؤزرة إلى الماضي العائلي، هناك الأمجاد، بينما الجمهوريات موطن الهزائم المنكرة، وخسارة الأراضي، وشهداء ضحايا. ستستعاد التقاليد ذاتها، وهذا ما حصل، تولت الأم الرئيسة إعداد ولي العهد خلال دقائق حاسمة، بتغيير الدستور، فليكن، ما دام الدستور جمهورياً.

وبدأت الأم الرئيسة التالية بإعداد ولي العهد للحكم من القماط، وأخذت برعايته شبراً شبراً، وتنشئته على أصول الحكم، سيان إن أصبح الرئيس أو الملك، فالصلاحيات نفسها، ما دام أنه القائد والفارس والمصرفي والمخابراتي والاقتصادي…. ثمة مهام، ما أكثرها.

الأمر الجيد، في الحكم الملكي لا مفاجآت، مستقبل البلاد مرسوم بدقة إلى الأبد حسب الخالد، بينما الوريث المنتظر سيكون الحاكم شاء أو أبى، ساعدته قواه البدنية والعقلية أو لم تساعده، فالحكم تمثيلية والحاكم ممثل.
لن يكون في العالم العربي سوى حكام يستمتعون بسلطاتهم، وشعوب تستمتع بحكامها، وهكذا يعم الرخاء والسلام.

حسناً، هذه الملهاة، قابلة لأن تصبح تراجيديا، فالربيع يأتي في كل عام، لا بد سيفلت ربيع ويتحول إلى جحيم.