آراء

يوم صفعتُ حافظ الأسد

وائل السوّاحالناس نيوز

حين مات حافظ الأسد، مطلع الألفية، كنت أعمل مدرّساً للغة الإنكليزية في المدرسة الباكستانية الدولية بدمشق، وهي مدرسة لأبناء الدبلوماسيين والمغتربين وأولاد الأسر الدمشقية العريقة، إضافة إلى أولاد محدثي النعمة ومهربي المخدرات وكبار ضباط الأمن. بين تلاميذي كان عبد الحليم خدام الحفيد (ابن جمال خدام)؛ ومناف الخولي، ابن رئيس المخابرات الجوية في الثمانينات؛ وحيدرة سليمان، ابن الجزار الذي كان يحب أن يلعب دور المثقف والدبلوماسي بهجت سليمان؛ ومضر التاجر، ابن رئيس فرع فلسطين في المخابرات العسكرية وجزار حلب الأسبق مصطفى التاجر.

كان عبد الحليم خدام ولداً مهذباً ولطيفاً وخجولاً بعض الشيء، وتلميذاً مجدّاً، يأتي إلى المدرسة من دون موكب مرافقة، ولم نرَ أمّه سوى في اجتماعات أولياء الأمور.

مناف الخولي أيضاً كان فتىً مهذباً، ولم يحاول مرّة استخدام سلطة أبيه للحصول على ميزة محددة أو تهرّب من واجب منزلي أو زيادة في العلامات. كان دائم الابتسامة إلى أن تزوّج أبوه، متوسّط الذكاء، يحاول جهده القيام بواجباته

كان مضر التاجر ذا عاهة، ففي أحد ذراعيه شلل بسيط جعلها أقصر من الذراع الأخرى، وفلّص راحة اليد ولوى الأصابع بشكل محزن. جاء من مدرسة حكومية للبنين، ليجد نفسه في عالم منفتح من صبايا وشباب، وليواجه بيئة مختلفة عن بيئته، ولغة غريبة عنه ومناهج مغايرة لمناهج المدرسة التي تعلم فيها، مناهج لا تحكي تاريخ البعث ولا تدرس القومية العربية ولا تمجد القائد. وكان حيياً بسبب عاهته، ولكنه كان ذكياً يجيد التحرّك من خلف ستار، وبسبب شهرة والده كأحد جزاري الثمانينات، التف حوله أبناء الأسر الدمشقية يبتغون مرضاته، فكان يحرّكهم كما يهوى، ويوقع بينهم، ويدفع ببعضهم لتحدّي المدرسين، وخاصّة المدرّسات في الصف وخارجه.

أما حيدرة سليمان فكان نسيج وحدِه، شديد الخبث، مستهتراً، يعتقد أن والده أهم رجل في العالم، ويسخر بشكل خاص من أولاد المسؤولين الآخرين، لاقتناعه بأن آباءهم أقل تأثيراً ونفوذاً من أبيه. كان شديد السذاجة، حال خبثه دون ذكائه، ولم يكن يجتهد في دراسته فراكم الكسلُ ضعفَ الذكاء، وكان يلثغ في حرف السين، ولكنه لم يكن يجد في ذلك حرجاً فرئيسه وقدوته كان أيضاً يلثغ في الحرف عينه، ولكنه كان مفرط السمنة، لم يطمح أن تعجب أي صبية بهيئته وبلادته، فنحا منحى الانتقام من الجميع، وكان الجميع يتحاشون خبثه ولؤمه. حين صحبت طلابي في رحلة إلى اللاذقية، رفضتُ أن أصحبه معنا، فحقد عليّ وبيّت في نفسه أمراً سأعرفه لاحقاً.

في يوم خريفي من عام 2001، وقفت أمام المدرسة سيارتان، ترجّل من إحداهما أربعة رجال حليقي الرأس بملابس سوداء، أشبه ما يكونون بقاطعي الطريق، بينما ترجّلت من الأخرى سيدة شديدة الأناقة، تلبس ثوباً أبيض وتلف على عنقها شالاً وردي اللون مفوّفاً بأزهار برتقالية، تلفّ معصمها ساعة رولكس مرصّعة فاخرة، وترتدي في قدميها حذاءً جميلاً، لو فكرت أن أشتري واحداً منه لزوجتي لاحتجت لرواتب عامين كاملين من رواتبي.

كانت السيدة حرم قاطع الطريق وكبير المهرّبين منذر الأسد. دخلت مكتبي، وكنت وقتها كبير المدرسين، ورفضتِ الجلوس، بل طلبت بلهجة آمرة مرافقتها لتلقي نظرة على الصفوف. قالت إنها ستنقل ولديها إلى المدرسة وتريد أن تطمئن لمستواها. كانت تتحدّث بلهجة لا تزال ريفية بكاملها لولا استبدالها – مع الجهد – الهمزةَ المدنية بالقاف. وفي اللحظة التي كنت أريد أن أحتج على طلبها، جاء من أقصى المدينة رجل يسعى. كان رسولاً من السفير الباكستاني الذي يشرف على المدرسة يقول لي: “السفير يرجوك أن تلبّي طلب السيدة،” ففعلت. وصحبتها في جولة على الصفوف، فكانت تدخل دون استئذان وتلقي نظرة مشمئزّة متعالية، وتبدي ما يشبه القرف من حجم الصفوف وترتيبها.

دعوت ربي ألا تعجبها المدرسة، ولكنها كانت الوحيدة التي تدرس منهاجاً أجنبياً وتقبل ضغط الحكومة. المدرسة الأخرى كانت المدرسة الأمريكية التي لم تكن قبل أي وافد جديد تحت الضغط. في اليوم التالي وصل الوفد نفسه برفقة فتى يرتدي بنطالاً فضفاضاً وقميصاً متهدلاً. وكان اسمه حافظ الأسد. ومعه فتاة صغيرة جميلة الوجه نظيفة الثياب شديدة التهذيب كان اسمها نور الأسد. وفوراً انقلب جو المدرسة، فرغم أن أبناء المسؤولين أضحوا كثرة في المدرسة فإن أياً منهم لم يكن اسمه حافظ الأسد.

كانت سنة قاسية علينا جميعاً. قبيل نهايتها أساء حافظ الأسد إلى معلّمة وقورة وهادئة إساءة بالغة فاشتكت المدرسة إليّ. ودخلت الصف عاصفاً، ووقع المحذور. ارتكبت خطيئة حياتي. صفعت حافظ الأسد. وجمد الطلاب كما يحدث في فيلم حين يكتم الصوت وتتحول الصورة إلى صورة بطيئة. فغر الطلاب أفواههم، وفغرت المدرّسة فمها، وفغر المعلمون أفواههم، وفغر المدير فمه. وخرجت من الصف، وأنا لا أدري أي مصير سيكون مصيري.

بعد ثلاثة أسابيع، انتهى العام الدراسي، وجاء يوم تجديد العقود السنوية. وسلمني المدير رسالة، فيها قرار بعدم تجديد عقدي، بسبب عدم كفاءتي كمدرّس.

*****