ثقافة وفنون

صقيع الهوية أم دفء الانتماء؟

ريما باليالناس نيوز

الصورة الرئيسة : لوحة للفنان السوري عبد الرحمن الموقت .

بعد أن تفرّقنا في أصقاع الأرض وانقطعتْ اتصالاتنا، إلا إذا اعتبرنا تسجيل إعجاب أو إرسال قلب أحمر عبر فيسبوك اتصالاً. ارتأت إحدى صديقات الطفولة أن تلمّ شملنا بإنشاء مجموعة على تطبيق واتساب ضمّت أكثر من 50 اسماً لنساء يقطنّ حالياً ما بين حلب واللاذقية ودمشق وبيروت والسويد والنمسا وإسبانيا وإيطاليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا وأستراليا وغيرها.

الصورة المرافقة للنص : الكاتبة السورية ريما بالي .

أكثر من نصف المغتربات صرن يحملن جنسية البلدان التي هاجرن إليها هاربات من الحرب التي اشتعلت في حلب قبل 10 سنوات، معظم الباقيات مازلن يحملن جوازات اللجوء الإنساني التي توصف بـ”وثيقة سفر” بعد أن تخلصن من جوازهن السوري أو أخفينه عند تقدمهن بطلب اللجوء.

الدردشات الأولى دارت حول ذكرياتنا القديمة التي بدت في قمة الحميمية والمرح. تبادلنا صوراً من الأرشيف لرحلات ومخيمات وحفلات، ظهرنا بها يافعات بحواجب سميكة وألوان شعر أصلية، وأنوف لم تخضع للتجميل بعد، مع تسريحات شعر راجت في الثمانينات والتسعينات. سهرنا عدة ليالٍ مع نوبات هستيرية من الضحك، ثم هدأت حمى الذكريات، يوماً بعد يوم، وعدنا إلى الواقع، وبدأت كل واحدة تحدّثنا عن حياتها الجديدة في بلدها الآخر، حتى خطر لإحدانا يوماً أن ترسل مقطعاً من كتاب “الهويات القاتلة” لأمين معلوف يقول فيه:

“منذ أن غادرت لبنان للاستقرار في فرنسا، كم مرة سألني البعض عن طيب نية إن كنت أشعر بنفسي فرنسياً أم لبنانياً، وكنت أجيب سائلي على الدوام هذا وذاك، لا حرصاً مني على التوازن والعدل بل لأنني سأكون كاذباً لو قلت غير ذلك. فما يحدد كياني وليس كيان شخص آخر هو أنني أقف على مفترق بين بلدين ولغتين ومجموعة من التقاليد الثقافية، وهذا بالضبط ما يحدد هويتي”.

وأتبعت الاقتباس بسؤال: وأنتن؟ أين أنتن الآن من هوياتكن المتنوعة؟

سؤال بدا لي للوهلة الأولى بسيطاً وحاضراً في ذهني، لكن تحديد الإجابة بجملة أو عبارة أو مقطع لإرساله على صفحة المحادثة استعصى عليّ، فغرقت في التفكير.

لم أعرف بكل صراحة، كيف يشعر الإنسان بنفسه سورياً، إسبانياً، لبنانياً، أمريكياً، هندياً، عربياً، سريانياً، سنياً، شيعياً أو أرمنياً!

أقيم في إسبانيا منذ ست سنوات. عشقت هذا البلد بكل تفاصيله، وأمتدح حسن حظي كل يوم لأنني بعد أن قفزت هاربة من حلب، وقعت هنا أخيراً ولم أقع في بلد آخر. ومع ذلك، لم أشعر في أي يوم، أو أي لحظة، أنني إسبانية! ماذا أشعر بنفسي؟ سوريّة؟ لا أعرف!! لا أعرف كيف يشعر الإنسان بنفسه بلداً أو جنسيّةً! أنا فقط أشعر بنفسي “أنا نفسي”.

أعتقد أن الإنسان لا يشعر إلا كإنسان. ببساطة كل البشر بمن فيهم السوري والإسباني يتوجعون من العصب والسبب نفسه. كلهم يملكون المشاعر والأحلام نفسها. هذا ما اكتشفته وعايشته بشكل ملموس عندما غادرت سورية واحتككت مع أشخاص من مختلف الهويات والأعراق. ما يختلف فقط، هو طريقة التعبير، اللغة، وأسلوب الحياة، الأمور التي تفرزها وتتحكم بها عوامل كثيرة قد يكون أهمها المناخ والبيئة.

تبرز الهوية بشكل نافر عند الأشخاص الذين يصرّون على التعبير عن ذواتهم والعيش حصراً حسب الموروثات الشعبية والاجتماعية والثقافية التي تشرّبوها من المحيط الذي ولدوا وعاشوا فيه، وبقدر ما يكون هذا المحيط مغلقاً، ينشأ الشخص محدوداً ومؤطّراً ويعاني في العمق من الشعور بالاختلاف، وهو ليس شعوراً إيجابياً ألبتة، فهو يكرس عزلة الإنسان عن إخوته البشر، إذ يمنعه من أن يصب موروثه في نهر الحضارة الإنسانية المتدفق عبر التاريخ لإغنائه والاغتناء به، ليبقى راكداً في مستنقعه الآمن الصغير.

في هذا المستنقع ينشأ فطر اسمه العنصرية، تلك هي الهويات القاتلة.

قد نكتشف لدى مغادرتنا قوقعتنا، أن الموروث الشعبي والثقافي والاجتماعي الذي تشربناه من محيطنا، ليس هو دائماً الشكل الأمثل للحياة. وإنه – رغم إدماننا إياه وخوفنا من التخلي عنه – سيكون من المؤسف أن نبقى أسرى حدوده الجاهزة من دون أن نجرب اختيار أو حتى ابتكار شكلاً آخراً لحياتنا، حسب أوضاعنا الحالية وتطور فكرنا وتغير ظروفنا.

وبالمقابل، فإن رفض هذا الموروث برمته بعنف واحتقاره والتبرؤ منه، هي أيضاً انعكاسات مريضة وقاتلة، تماماً كـ”الهويات القاتلة”. على سبيل المثال ولا الحصر، البدعة التي شاعت مؤخراً بين بعض السوريين ومن قبلهم اللبنانون: نحن لسنا عرباً!! العرب هم أولئك الذين خرجوا من شبه الجزيرة العربية ثم انتشروا، أما نحن فسريان أو أرمن أو كرد أو فينيقون أو بابليون…

هذه البدعة كثيراً ما أضحكتني بالقدر الذي استفزتني به، فمن دون التطرق إلى أبحاث إثنولوجية معقدة وفصفصة علم الأعراق.. نحن قوم من فجر تاريخنا نتحدث العربية، ونفكر بالعربية، ونحلم بالعربية. أجدادنا ولدوا هنا، وُجدوا قبل الاسم ولسبب ما سُميوا عرباً، حملنا عنهم الاسم فصرنا عرب، وحيثما ذهبنا وسنذهب سيبقى اسمنا عرب. فهل إذا عمدنا إلى غسل أصولنا وتطهيرها مما علق بها من موروثات عربية سنرتقي بأنفسنا إلى مرتبة أعلى في سلم البشرية؟ كأن العرب يقبعون في مرتبة أدنى، ما يشير إلى مرض عضال وشعور صارخ بالدونية.

في النهاية، ليس اسمنا ولا هويتنا ما يحدد كينونتنا، بل ذواتنا الداخلية، فكرنا وأرواحنا، والباقي مجرد تفاصيل، يغيرها الزمن والجغرافيا والتاريخ، ألم تغنِّ فيروز:

“الأسامي كلام.. شو خص الكلام.. عينينا هنّي أسامينا…”؟

وما الانتماء إلا فراشات تدغدغ قلبي، حين يأتي ذكر حلب، أو إذا تضوّع في الجو عبق الغار. الحب الأول، مشاعري الطفولية وأول صور تشكلت ببطء أمام عيني قبل أن يكرّ بتسارع بعدها شريط الحياة الطويل.

ما أحلى أن نمتّع قلوبنا بدفء الانتماء، من دون أن تتجمد أذهاننا في صقيع ثلاجات الهوية المصفّحة!