ثقافة وفنون

“143 طريق السعادة”

غادة بوشحيط – الناس نيوز

قليلة هي الأفلام الوثائقية التي يحدث أن تجذب المشاهد وتؤثر فيه لتنطبع في ذاكرته، وربما “143 طريق الصحراء” لـ”حسن فرحاني” من هذه الأفلام القليلة من دون منازع. يدور الفيلم حول سيدة خمسينية تعيش بمفردها على قارعة الطريق الأطول في أكبر بلد أفريقي، الطريق الوطني رقم 1، الذي يبدأ من شواطئ العاصمة الجزائرية وينتهي عند النقطة الحدودية مع دولة النيجر. تدير “مليكة” -بطلة الوثائقي- نقطة استراحة للمسافرين بسيطة جداً على طريق الصحراء الجزائرية، طريق السعادة على ما يبدو، أو ذلك ما سيقنعنا به المخرج رغماً عنه بعد انقضاء المئتي دقيقة، وهي عمر الفيلم الطويل. يهدد عرش ملكة الكثبان الرملية الممتدة تلك محطة استراحة مزودة بكل الخدمات الحديثة والمتطورة والموجهة لسائقين يتهيؤون للسياقة ما بين خمسين كيلوميتر ومئات الكيلومترات قبل أن يعثروا على محطة متعددة الخدمات أخرى، أو على الأقل بعض الرفقة وسط صحراء تشكل أكثر من أربعة أخماس مساحة البلد، وتضم بين جنباتها أحد أسخن الأمكنة على وجه الأرض ( مدينة إن-صالح) وشركات بترولية من كل الجنسيات إضافة إلى واحات ومدن لا يوجد مثيل لها تصنع تفرد الصحراء الجزائرية كمدينة “سيفار” العجيبة، واحات تيميمون، “سُبَيبة” جانت وغيرها كثير.

143 Rue du Désert - film 2019 - AlloCiné

إن المميز في عمل “فرحاني” هو تركيزه إضافة إلى ظروف العمل المميزة وسط الصحراء الجزائرية، على شخصية متفردة بكل أبعادها، شخصية “مليكة”، امرأة على أبواب التقاعد تعيش بمفردها مرفوقة بقطة – ميمي- وكلبة – ديانا-، في بناية بسيطة جداً، ما يزيد غرابتها هو امتلاكها لعنوان وسط بيداء شاسعة، الرقم 143، لا يعرف مصدر هذا الترقيم، لن نعرف أيضا العنوان كاملاً، لذلك سيقترح الكاتب الصحفي “شوقي عماري”، أحد شخوص الوثائقي أيضاً، والذي سبق أن تناول شخصية “مليكة” في كتاب صدر سنة 2008، عنونه بـ”الطريق الوطني رقم 1″ يحكي فيه جمال البلاد، تنوعاتها وأصالة وجمال ساكنتها تسمية “143 طريق الصحراء”، والتي ستغدو عنوان الفيلم. كل شيء في “محطة مليكة” مميز، بداية من الخدمات التي تقدمها مالكة المكان من مأكولات لا يتعدى أفخمها صحن بيض مقلي وعلبة تونة مع قناني صودا، أو تبغاً وشاياً أو قهوة، ومكاناً للوضوء واسترجاع الأنفاس وسط الكثبان الكثيرة. محطة استراحة بسيطة جداً، قادرة على احتضان كل الوجوه التي تعبر شطر أطول طريق في البلاد، من عمال وتجار وشيوخ طرائق، وفرق غنائية وحتى سياح كتلك البولونية التي قررت قطع جزء من القارة عبر دراجتها النارية وطبعاً لم تفلت من براثن مالكة المكان الفضولية، كثيرة الأسئلة، والتي على النقيض من فعلها هذا لن يتمكن أحد من معرفة هويتها الحقيقية، تشي لكنتها بأنها من منطقة الشمال الشرقي للبلاد، تعرف البلاد بطرقها الكثيرة والمتشعبة كمن يعرف خارطة جيبه الأمر الغريب بالنسبة لامرأة في سنها وظروفها.

لا تشتكي “مليكة” من شيء، حتى أنها لا تسر بمخاوفها من فقدان قوتها إلا تعريضاً، من خلال أسئلة تطرحها على المارين على مطعمها بطريقة مبطنة. لا تجيب عن أسئلة العابرين حول ظروفها الاجتماعية حيث اعتادت نسوة البلد على العيش تحت جناح العائلة بأربابها من الذكور كما هي العادة تقريباً في سائر البلاد التي تسيطر عليها الغالبية المسلمة، لكنها في الوقت عينه تفرض عليهم احترامها، تهديهم رفقتها على الطاولة الوحيدة المكونة لمطعمها، تتبادل معهم الحكايات، تنصت إليهم ومنهم تجمع أخبار البلاد، أفضل من مواطن يعيش بالعاصمة في قلب مصنع تاريخ الجزائر الرسمي. لا تتوانى “مليكة” طريق الصحراء عن استخدام ذكائها لتفلت من بعض الزبائن المزعجين، كأن تختلق أحداثاً حول حياتها، تذرف دمعاً لا تتركه يطول قبل أن تقلبه ضحكات، مجانبة صف الفرح، كقديسة تسكن قلب الصحراء عوض القمم، راهبة متنسكة وزاهدة في كل ملذات الحياة، تستلقي على الرمال لتنام دقائق، واثقة بألا مكروه سيطولها، على هذه الكثبان التي يفيض عليها شيء من روح الله، تغدق بالسكينة على كل من يطؤها.

لن يخرج المتفرج لـ”143 طريق الصحراء” كما دخل إليه، فالفيلم أشبه بصفعة على وجه الاكتئاب الملازم للإنسان المعاصر، درس في الامتنان والزهد، أجمل بطاقة سياحية بعيدة عن الابتسامات التي يبتذلها الندل وعمال الاستقبال، وخارطة حقيقية لمشاعر الجزائري، المختلف والمتنوع، وعن البلاد التي تحتضن كل المتناقضات على غلوها أحياناً. تخفي “مليكة” خلف تجاعيدها الكثيرة ووزنها الكبير، قلب طفلة قررت أن تفرض شروطها على الحياة لا أن تتحمل أوزارها الكثيرة، بداية من تفضيلها العيش بمفردها في ظروفها تلك وهو الأمر الذي يعد مستحيلاً تقريباً بالنسبة مثلاً لمناطق شمال البلاد، حيث تنتشر المدن الكبيرة ومعها ما يطبع العلاقات بين الأفراد وما قد يتسبب في مشكلات اجتماعية كالسرقة والعدوان، تعاني النسوة أضعاف ما يعانيه الرجال في كنفه، تقدم للمشاهد صورة أخرى عن صحراء الجزائر، بعيدة عن صورة الذهب الأسود التي تتداعى إلى الأذهان، صورة سبيل الحج نحو الإسلام الصوفي الروحاني وطرائقه المتعددة من بوسعادة إلى بشار وأدرار مرورا بورقلة، الصحراء المسالمة، الناسكة، الهادئة والقادرة على احتضان التنوع، والجود على النساء بحريات لا تعرف لها مثيلاتهن في مناطق تبدو أكثر تنمية مثيلاً، كما فعلت مع السويسرية “إيزابيل إيبرهاردت” بداية القرن الماضي، والتي هامت على وجهها بحثاً عن روحها في ثياب رجل حتى سحبتها مياه وادي مينة “العين الصفرا” بالجنوب الغربي، و”إيديث مود هل” التي كتبت أوائل القرن العشرين ما سيصبح أول بيست سيلر في الرواية الرومانسية مستلهمة صحراء الجنوب الشرقي، برفقة ابنتها.

ما يصنع تفرد الوثائقي الطويل لـ”حسن فرحاني” عدا أصالة موضوعه، وطريقة معالجته هو الصور الجميلة والإطارات الرائعة التي يحبس فيها شخوصه ويرضخهم لسلطة متفرج سرعان ما يتحول من باحث عن الجديد والمتميز إلى ممتن للتجربة الإنسانية التي تفيض بها روح القديسة “مليكة”، التي تصبح أشبه لبطلة رواية مغاربية أو أفريقية منه إلى شخصية عادية من شخوص اليوم، وهذا ما سيجيب عن تساؤل سر حصول الفيلم على ترشيحات في كثير من المهرجانات العالمية والعربية منذ صدوره سنة 2019، آخرها مهرجان القدس السينمائي الدولي الذي ستجرى فعالياته من 29 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى 6 كانون الأول/ ديسمبر من السنة الجارية بمدينة القدس، إضافة للكثير من الجوائز المهمة كجائزة أحسن مخرج صاعد في مهرجان “لوكارنو” بإيطاليا سنة 2019، جائزة أحسن فيلم وثائقي لفئة وثائقيات العمال بفرنسا سنة 2020.