ثقافة وفنون

موجة البسبوس وضباب بحر إيتيل

ريما باليالناس نيوز :

أيها الشعراء غيروا العالم أو اذهبوا إلى بيوتكم“.

العبارة للشاعرة والأديبة والرسامة، السورية الأصل اللبنانية المولد، إيتيل عدنان. التي توفيت في باريس منذ أيام قليلة عن عمر يناهز 96 عاماً بعد أن تركت إنتاجاً فنياً وأدبياً متميزاً وغير مسبوق.

ولدت إيتيل عام 1925، وشكّلت ظاهرة فريدة كامرأة أزاحت النقاب الثقيل عن وجه وفكر وصورة نساء ذلك العصر، حين درست الأدب والفلسفة في السوربون/باريس وفي الولايات المتحدة، ثم عملت بتدريس الفلسفة في جامعة الدومينيكان بكاليفورنيا.

بالعودة إلى مقولتها تلك، نجدها تُطلق رسالة واضحة للشعراء والمؤلفين والفنانين، ولكل من اعتلى منبراً عاماً أومنصة، أو نشر إنتاجه الفكري/ الفني بين الناس.

غَيّروا العالم، أو اذهبوا إلى بيوتكم!.. أي هاتوا شيئاً طازجاً، جديداً مختلفاً ومؤثراً، أو اعتزلوا وانعزلوا في بيوتكم، وتوقفوا عن نشر ما في جُعَبكم العفنة في الهواء الطلق الذي يتنفسه الناس، فيسممهم إن كان فاسداً.

العبارة تلك، كتبتها إيتيل قبل عام 1976، حين لم يكن في البيوت بعد لا إنترنت ولا يوتيوب ولا مواقع تواصل اجتماعي، تلك التي تعتبر اليوم أهم منصات النشر والترويج.

تشبه تلك المنصات، بحراً يطرح على شواطئنا يومياً كميات هائلة من النصوص الأدبية واللا أدبية، من شعر ونثر ومقالات واقتباسات وخواطر، كما تلطمنا منه فيديوهات قصيرة وأغاني ومونولوجات ونصائح وإبداعات وبدع متنوعة لا حصر لها.

“بسبوس عاشق بسة ويدلعها بسبوسة.. يلحقها من بيت لبيت ويقلها عطيني بوسة”! مادة سمجة هي إحدى عطايا ذلك البحر السخي كانت قد أثارت انتباهي واستفزازي مؤخراً.

في البداية، ظننت أنها أهزوجة أو مونولوج للأطفال، حتى اكتشفت لاحقاً أنها أغنية رسمية، بات الناس يطلبونها في أرقى حفلاتهم، ويستمتعون بالرقص على إيقاعها البدوي الذي يذكّر بأغاني “عمر سليمان” المطرب السوري الذي صار في مرحلة معينة (ساعة سودة) سفيراً للفن السوري في أوروبا، وبيعت تذاكر حفلاته بكثافة وبتعرفة مرتفعة جداً!

وبغض النظر عن اللحن الذي لا يتعدى كونه إيقاعاً بدوياً متكرراً برتابة، تساءلت بيني وبين نفسي، عن الشاعر الذي أبدع كلمات تلك الأغنية. حاولت أن أتخيل حالته النفسية والفكرية عندما لمعت فكرة تلك الأبيات الباهرة في ذهنه. مؤكد أنه لم يكن يفكّر بتغيير العالم في تلك اللحظة! لأنه لم يبدُ في تقديري إلا (محششاً) منتشياً، يرتجل هذياناً بلا معنى بين نفسٍ وآخر، أو مراهقة ضجرة محدودة المخيّلة، تدندن لنفسها أثناء غسل الصحون الذي أجبرت عليه، وتحاول أن تغيظ أخاها المتمدد أمام التلفاز في غرفة الجلوس. كل ذلك عادي، ممارسات شخصية قد تحدث كل لحظة، والناس أحرار في طرق إهدار وقتهم وتسلية أنفسهم، لكن.. أن ينتقل هذا الهراء إلى مادة متداولة بين الناس ومطلوبة، وأن تُحشر تلك المادة في أنوفنا بأن تُنشر مئات المرات في عشرات المواقع، وأن يدمنها الناس ويحبوها ويطربوا لسماعها حتى تصبح سمفونية فرحهم نكاية ببيتهوفن، فهذا في نظري الأمر غير العادي! أن يصبح الهذيان جماعياً وعاماً، ويغدو الهراء مسلياً! وأهمس لنفسي حين أراقب هذه الهيستريا: نعم يا إيتيل، لقد نجح هؤلاء، حتى وهم في بيوتهم، في تغيير العالم، ولكن، في أي اتجاه!

ولأجل الصدفة، قرأت اليوم مقالاً صغيراً، نشرته عدة مواقع (دون الإشارة إلى اسم صاحبه الأصلي) تحت عنوان : “لا تجعلوا الحمقى مشاهير”. يذكرنا فيه كاتبه أو كاتبته الذي استيعض عن أسمه/ها بـ:منقول أو راقت أو أعجبني.. إلخ، أننا حتى في انتقادنا لعمل رديء ما أو سلعة فاسدة أو شخص مسيء، نساهم في الترويج له وشهرته. هذا صحيح، قلت لنفسي، اقتنعت بالفكرة وقررت إذاً ألا أثير الموضوع كي لا أشجع على انتشار “البسبوس عاشق البسة”، لكنني عدت فاكتشفت أن أوان هذا القرار قد فات للأسف، فالبسبوس الطيب الذكر صار أشهر مني بالتأكيد ومن كل ما كتبت، سطوري هذه لن تضيف إلى صيته الذائع شيئاً، كما لن تنال من شهرته العريضة، لكنها قد تكون متنفساً لأمثالي، ممن لم تدركهم التغييرات الجديدة التي طرأت على العالم.

فكرة أخيرة، سأدعكم تتخيلون معي نتيجة إحصاء بسيط: كم يشكّل عدد الأشخاص الذين سمعوا بالشاعرة “إيتيل عدنان”، نسبة إلى عدد الذين سمعوا بأغنية “بسبوس عاشق بسة”؟ وكم يشكل عدد الذين قرؤوا أو استمتعوا بعمل من إبداعات إيتيل نسبةً إلى عدد الذين أعجبوا وأدمنوا: “ويقلها عطيني بوسة”؟ أظن.. أنه لا داعي لمناقشة نتيجة الإحصاء الآن، وأسبابها وتبعاتها.. فهو حديث يطول.

وفي انتظار انحسار موجة البسبوس، لا يسعني إلا أن أتمنى لإيتيل عدنان صاحبة “البحر والضباب”، أن ترقد روحها بسلام.