آراء

في ضرورة الوعي النقدي لكتب التاريخ

أحمد برقاوي – الناس نيوز :

بعد أن أنتهي من الكتابة، أبحث في أخبار الفلسفة، وأقرأ ما يتيسر لي من مقالات وأتابع قراءة كتاب.

ثم آخذ قسطاً من الراحة في المساء، فأمر على صفحات الأدب الفيسبوكية. وأقرأ في كتب تراث الأقدمين، متعة ومعرفة مع نزعة شكية.

قبل أيام حملّت على موبايلي ما قيل أنه صفحات من كتاب ابن إسحاق المغازي، الذي يسرد فيه السيرة النبوية. وقد حقق الكتاب الزميل الراحل سهيل زكار.

و محمد بن إسحاق بن يسار المدني (80 هـ – 699 / 151 هـ – 769م): أول من كتب السيرة النبوية

طبعاً لم أعثر على جديد، فكل ما ذكره ابن هشام في سيرته التي قرأتها قد أخذه عن ابن إسحاق.

واطلعت على آراء بعض كتبة التاريخ والأحاديث بابن اسحاق. فوجدت أن هناك عدة اتهامات وجهت له.

أولاً: اتهامه بالتدليس .(والتدليس تزييف وغش وتزوير)

ذكره ابن حجر في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين (ص/51) وقال: مشهور بالتدليس، وَصَفَه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهم.

ثانياً: اتهامه بالكذب. اتهمه به هشام بن عروة (ت146هـ)، ومالك بن أنس (ت179هـ)، ويحيى القطان (ت198هـ)

ثالثاً: اتهامه بالانفراد ببعض المناكير.

قال الذهبي: صدق القاضي أبو يوسف إذ يقول: من تتبع غريب الحديث كُذِّبَ.

رابعاً: اتهامه بمخالفة الثقات.

خامساً: روايته الإسرائيليات.

سادساً: جمعه بين ألفاظ الشيوخ.

قال أيوب بن إسحاق بن سافري: سألت أحمد بن حنبل، فقلت: إذا انفرد ابن إسحاق بحديث، تقبله؟ قال: لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا.

إذا كان هذا رأي سادة القول في عصرهم بابن إسحاق فكيف لي أن أصدق رواياته، وكيف لي أن أثق بسيرة ابن هشام التي أخذها عن ابن إسحاق؟

إذا كانت السيرة التي كتبها ابن إسحاق وأخذ ابن هشام جلها مدعاة لشك أهل عصره، فكيف لنا نحن أبناء القرن الحادي والعشرين، الذين تتوافر لدينا مناهج البحث التاريخي والنقد أن نثق بهذه السيرة؟

والحق ليست القضية التي أطرح قضية ابن إسحاق وابن هشام بل قضية الوعي التاريخي، فالوعي التاريخي ليس سوى ثمرة للمعرفة التاريخية، والمعرفة التاريخية ذات علاقة بالوثيقة أولاً، والنقد التاريخي للوثيقة ضروري لسردية معقولة للتاريخ، وبالتالي إن الشك بالسرديات التاريخية التي قدما هذا أو ذاك من كتبة السير بعد مئة أو مئتي عام أمر من أسس الوعي التاريخي ومناهج التحقق من الأحداث والوقائع التاريخية.

ولهذا يجب ألا يتكدر خاطر الذين يعتقدون بصحة السرديات إن هم واجهوا دراسات تاريخية جديدة هدفها الأول والأخير بث المعقولية في التاريخ.