آراء

صراعات جزئية تعرقل حل الصراع في سوريا

فراس علاوي – الناس نيوز ::

ضمن الصراع السوري الكبير هناك صراعات أخرى ليست أقل منه شأناً وإنما تستثمر به وتجري في جزء منها على الأرض السورية، ولن يحل الصراع السوري مالم يتم تفكيك هذه الصراعات الجزئية والاشتباكات على الأرض السورية، وتفكيك هذه الصراعات لن يتم إلا في حال الوصول لذروة التأزم والتي تشير إما لصراع مفتوح غير معروف النهايات بين الأطراف، والذي قد يستجلب أطرافاً أخرى مما يجعله صراعاً مختلطاً، تختلط فيه الأهداف والتحالفات والنهايات والتي قد تتحول فيها المعارك الجانبية إلى معركة واحدة يبحث فيها كل طرف عن نصر يفرض من خلاله شروطه وحلوله على طاولة الصراع.


هذه الصراعات التي تدور على الأرض السورية تتعدد وتتنوع حسب القوى المتداخلة، وبعضها بدأ يصل لنهاياته وحلها هو فقط ما يجعل من حل المسألة السورية ممكناً ويمكن تلخيص هذه الصراعات في ما يلي:
1_الصراع التركي الكردي: الصراع الأزلي والذي يعتبر الجغرافيا السورية جزءاً منه، فتركيا تدخلت منذ البداية لحماية أمنها القومي من نشاط عناصر الـpkk، والذين وجدوا الفرصة سانحة لإقامة كانتون كردي يتبع لهم على الحدود التركية السورية، مما دعا لتدخل الجيش التركي بذريعة حماية أمنه القومي، وبالتالي إنشاء نطاق حماية لعمق معين يصل إلى ما يقارب 30 كم.

داخل الأراضي السورية، وهو ما يعني تطويراً لاتفاق أضنة الذي وقعه حافظ الأسد عام 1998 مع رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ، والقاضية بمنع دمشق من دعم حزب العمال الكردستاني والسماح لتركيا بملاحقة المطلوبين داخل الأراضي السورية ولعمق يصل إلى 50 كم مع مزايا اقتصادية أخرى وبنود سرية للاتفاقية تتعلق بلواء إسكندرون، بيد أن هذا الصراع أو العمليات العسكرية بدأت وتيرته بالتراجع خاصة بعد التراجع التركي عن العملية الأخيرة نتيجة للضغط الأمريكي، حيث يتم الحديث عن مقترحات أمريكية لحل هذا الجزء من الصراع يضمن حقوق الطرفين. ‬‬‬


2_الصراع الأمريكي الإيراني وضمنه الإسرائيلي الإيراني: هذا الصراع الذي يتراوح صعوداً وهبوطاً حسب المسار الذي تتم فيه مفاوضات الاتفاق النووي في العاصمة النمساوية فيينا، هذا الملف الذي شهد تقلبات كبرى مع تغير الإدارات الأمريكية وتعاقبها، إذ يبدو وحسب المؤشرات الواردة من فيينا والتسريبات والتصريحات من كلا الطرفين أن عقبات أوصلت المباحثات إلى ذروة التفاوض، الأمر الذي دفع المسؤولين الأمريكيين لإعلان نيتهم وضع جدول زمني للمفاوضات والحديث عن خيارات أخرى لم يتم الحديث عنها أو التصريح من قبل في لهجة تصعيدية ضد إيران، هذه التصريحات قوبلت أيضاً بتصعيد إيراني واضح وتهديدات عبر أكثر من مسؤول إيراني وكذلك الحديث عن الصواريخ البالستية الإيرانية وقدرة إيران على الرد والردع، مما يعني أن هذا الصراع وصل إلى الذروة وهو يتجه للحل تصعيداً أو هدوءاً واتفاقاً.

3_الصراع الأمريكي الروسي: وهو صراع أزلي على مناطق النفوذ ولا يعتبر جديداً أو طارئاً على الأرض السورية إلا أن الجديد هو وجود القوات التابعة لكلا الدولتين على الأرض في سابقة هي الأولى من نوعها، وكذلك الاحتكاك شبه اليومي بين دوريات البلدين، في حالة فريدة من تقارب وتقاطع خطوط الاشتباك بينهما، كذلك فإن السيطرة الروسية على القرار الاستراتيجي للنظام في سوريا والتوسع أكثر في الأرض السورية رغبة في ملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة في حال انسحابها، هو أحد الأسباب التي أدت لتراجع واشنطن عن الانسحاب من سوريا خوفاً من ترك فراغ يملؤه الروس.

على مدى السنوات العشر الماضية لم يصل الصراع الروسي الأمريكي إلى الحدة التي وصلها الآن، وإن لم تكن سوريا ساحته الرئيسية، إلا أن تطورات الوضع في أوكرانيا قد يجعل من هذا الصراع حدياً وهذا ما برز في المحادثة الهاتفية بين الرئيسين الأمريكي والروسي، وبالتالي فإن هذا الصراع عرضة للتطور نحو صراع مفتوح أو يذهب إلى إجراء مفاوضات جدية تشبه تلك التي أعقبت أزمة الصواريخ الكوبية، يكون فيها الملف السوري حاضراً.

التصعيد الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا، والذي يعتبر وفق القيادة الروسية تهديداً من قبل الناتو والذي سيتوجه برسالة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأمنها القومي، الأمر الذي دفع بوتين للتصريح بأن الغرب دفعهم لطريق من الصعب العودة عنه في أوكرانيا، ذروة التصعيد هذه تعني أن العودة لحرب التصريحات والفيتو في مجلس الأمن باتت صعبة وأننا أمام تصعيد ينذر بحل للصراع إما بشكل تصعيدي أو بآخر تفاوضي يؤدي لحلحلة جميع الاشتباكات المتعلقة بالأطراف المتصارعة.


4_الصراع التركي الروسي: هذا الصراع يبدو متأرجحاً ما بين التحالف والتنافس والذي مر بلحظات اشتباك، والذي يعتبر التنافس الأسهل بين الصراعات المحتملة ومع ذلك فإن تفكيك هذه المتأرجحات في الصراع وتحويل التحالف المصلحي إلى مفاوضات من أجل حل نهائي لا حلول جزئية والاستفادة منه، من أجل تثبيت خطوط التدخل والسيطرة والإبقاء على التنافس الايجابي في سوريا، بما يتعلق بإعادة الإعمار هذا التوافق قد يمهد الطريق لإنهاء كثير من أسباب انهيار التوافقات الجزئية داخل الجغرافيا السورية والمدعومة من الطرفين وبالتالي إنهاء هذا الصراع التنافسي سيكون خطوة جيدة في طريق إنهاء الصراع السوري.


5_التنافس الإيراني الروسي: هو أقل أنواع الصراع تأثيراً بالمسألة السورية من ناحية الحل كونه أقرب للتحالف الهش منه إلى الصراع، لكن في النهاية تفكيك هذا التحالف أو تحويله لصراع مفتوح وواضح المعالم، يؤدي إلى الوصول لتوافقات حقيقية تعتبر خطوة جيدة في طريق إنهاء وتفكيك الملف السوري.


6_الصراع الخليجي الإيراني: وإن لم يكن هذا الصراع مباشراً على الأرض السورية، إلا أن أدواته المحلية والإقليمية موجودة وواضحة للعيان، وبالتالي فإن انتهاء هذا الصراع سواء عبر التصعيد كما يحدث الآن في اليمن، أو التوافق والذهاب بعيداً مع الحل الأمريكي، سينعكس بشكل إيجابي على المسألة السورية بشكل واضح، فهزيمة إيران أو خروجها من إحدى مناطق سيطرتها في اليمن أو العراق أو لبنان سينعكس بشكل واضح على الملف السوري، خاصة أمن دول الخليج التي تمتلك الورقة الأقوى في مرحلة ما بعد توقف الصراع في سوريا والمتعلقة بإعادة الإعمار، فجميع خيوط الحل يجب أن تنتهي في مرحلة إعادة الإعمار مما يجعل ثقلها على طاولة مفاوضات الحل النهائي كبيراً، ولعل هذا أحد الأسباب التي تدفع دول الخليج لمحاولات استعادة النظام من إيران عبر الوسائل التي تعتمد الضغط الدبلوماسي والاقتصادي.

هنا يأتي السؤال
هل حان أوان الحل السوري؟
لعل أبرز أسباب عدم الوصول لحل في سوريا، هو التعقيد الذي حملته هذه الصراعات الفرعية ووجودها على الأرض السورية، وعدم قدرة أو إرادة الدول المتداخلة بالمسألة السورية على إدارة هذه الصراعات وتحويلها لصراع منتج للحل في سوريا، إلا أن ما نشهده الآن من وصول كثير من هذه الصراعات لذروتها ينبئ بحل ما للمسألة السورية، هذا الحل الذي بات تابعاً لأكثر من ملف، وسيكون شرط حل هذه الملفات مرتبطاً بشكل أو بآخر بحل الملف السوري، وبالتالي نستطيع القول إنها اللحظة – واللحظة هنا لا تعني بالضرورة أياماً أو أسابيع- التي وصل فيها الملف السوري لذروته وبات قريباً من الحل خاصة أنه أصبح عبئاً على الكثير من الدول، في ظل عدم رغبتها في خوض صراعات مفتوحة لأسباب كثيرة أهمها تراجع اقتصادات الدول وتأثير فيروس كورونا عليها، وبالتالي صعوبة في القدرة على التعويض في حال تأثرت هذه الاقتصادات نتيجة حرب أو حروب مفتوحة لأي بلد كان.
فراس علاوي