آراء

اللجنة العسكرية للبعث… حقيقة أم خيال؟

د . أمير سعادة – الناس نيوز ::

تبقى “اللجنة العسكرية لحزب البعث”، التي شاركت الناصريين انقلاب 8 مارس/آذار 1963، إحدى العناصر المخفية في تاريخ سوريا الحديث.

جميع من كتبوا عن تلك المرحلة تعاملوا معها وكأنها كيان نظامي، موحد ذو هرمية واضحة، دون التفكير ولو للحظة بفرضية أن تكون اللجنة عبارة عن وهم، موجود فقط في أذهان كل من ادعى الانتساب إليها.

أرادوا خلق أسطورة حول ماضيها النضالي، لإثبات أن انقلابهم لم يكن حركة فردية رعناء، بل عبارة عن عملية منظمة ودقيقة، لها تاريخ تنظيمي سري واضح مثل حركة الضباط الأحرار التي أسقطت الملكية في مصر عام 1952.

وجود لجنة عسكرية في سوريا كان يضع هؤلاء البعثيين، من حيث المبدأ، في صف الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أحبه البعثيون كثيراً، واقتدوا به عند تنفيذ انقلابهم عام 1963.

بداية لا يوجد أية وثيقة صادرة عن هذه اللجنة العسكرية، لا في سنوات العمل السري ولا بعد نجاح الانقلاب، ولو صور لأعضائها أو حتى تاريخ متفق عن مكان وسنة ولادتها.

حافظ الأسد مثلاً قال إنها ولدت في القاهرة سنة 1960، ولكن أحمد المير أصر أنها أنشأت في سوريا عام 1960. وقد اختلفت الروايات عن الأعضاء المؤسسين للجنة، فالأسد يقول، وكذلك مصطفى طلاس، أن التأسيس كان في إحدى مقاهي القاهرة في زمن الوحدة، وأن الهدف من اللجنة كان حماية الجمهورية العربية المتحدة، وليس الوصول إلى الحكم بدمشق.

ولكنه وفي سنة 1959 لم يكن للوحدة أعداء يذكرون داخل سوريا، ولا أحد كان يفكر يومها بالانفصال عن مصر أو في التخلي عن الرئيس عبد الناصر. هذه الأفكار بدأت تظهر في مرحلة متقدمة، وتحديداً بعد صدور قرارات التأميم التي وحدت الطبقة الاقتصادية في كل من دمشق وحلب في تموز 1961، أي قبل انقلاب الانفصال بأشهر.

وكيف للضباط البعثيين الشباب المتواجدين في القاهرة أن يشكلوا تنظيماً سرياً، وهم مراقبون من قبل أجهزة المخابرات المصرية؟

ثم يأتي السؤال عن الآباء المؤسسين للجنة، فهناك اختلاف كبير بين القائمة التي أوردها كل من حافظ الأسد ومصطفى طلاس، وتلك التي وردت على لسان أحمد المير.

الأسد يقول إن المؤسسين كانوا خمسة، هو وكل من صلاح جديد ومحمد عمران، ممثلين عن الطائفة العلوية، وممثلان اثنان عن الضباط الإسماعيليين، وهما عبد الكريم الجندي وأحمد المير.

أكبرهم سناً كان محمد عمران، وعمره في حينها 38 عاماً وهو من عشيرة الخياطيّن. كما كان أكثرهم خبرة، حيث كان قد شارك في حرب فلسطين عام 1948 وفي الانقلاب على أديب الشيشكلي عام 1954.

وهو الوحيد الذي كان قد سافر خارج سوريا ومصر إلى فرنسا، حيث تلقى تدريبات عسكرية. يليه في الخبرة صلاح جديد، وهو من تولد عام 1926، الذي نشط في صفوف الحزب السوري الاجتماعي عبر أخيه غسان جديد.

أما بقية الأعضاء (الأسد والمير والجندي) فكانت خبرتهم الحياتية والسياسية متواضعة، أو معدومة. كما يؤكد مصطفى طلاس في مذكراته أن اللجنة العسكرية المزعومة في بداياتها لم تكن تضم أي درزي أو سني، وأن هؤلاء دخلوا في مرحلة لاحقة خلال السنوات 1960-1962.

ولكن أحمد المير يؤكد أن كل هذه الأسماء لم تكن موجودة في اللجنة العسكرية عند التأسيس، وأن المؤسسين الحقيقيين هم مزيد هنيدي (درزي) وبشير صادق (دمشقي سني) وعبد الغني العياشي (حموي سني) ومنير جيرودي (سني من جيرود) وعثمان كنعان (سني من لواء اسكندرون). وهنا المفارقة الكبرى لأن هذه القائمة (لو صحت) والقائمة التي ظهرت في مذكرات طلاس، بحيث أن المؤسسين كانوا في غالبيتهم سنة وليس فيهم علوي واحد أو مسيحي أو شيعي.

وهنا يجب الإشارة إلى أن هذه الأسماء تبقى مغمورة في تاريخ سوريا الحديث، فعبد الغني العياشي مثلاً لم يتسلم أي منصب بعد 8 مارس/آذار، وكذلك منير الجيرودي، وكانت حصة رفاقهم في الحكم محدودة، تكاد ألا تذكر، باستثناء الهنيدي (وهو من تولد 1921) الذي أصبح قائداً للشرطة العسكرية ثم لقوى الأمن الداخلي حتى سنة 1965. الدمشقي الوحيد بينهم بشير صادق عيّن قنصلاً في موسكو، وهو منصب فخري، ثم غاب عن المشهد بعد الإطاحة بحكم الرئيس أمين الحافظ سنة 1966.

كل هذا الأسماء (قائمة أحمد المير) بقيت ثانوية وهامشية بالمقارنة مع الأسماء المتعارف عليها في “اللجنة العسكرية،” مثل الأسد وجديد وعمران والجندي. الأسد أصبح قائداً لسلاح الطيران، ثم وزيراً للدفاع وبعدها رئيساً للجمهورية، وجديد عيّن نفسه رئيساً للأركان ورتب انقلاباً عسكرياً على ميشيل عفلق وصلاح البيطار في شباط 1966، قبل أن ينتهي به المطاف سجيناً سياسياً من سنة 1970 ولغاية وفاته في المعتقل عام 1933. الجندي أصبح وزيراً ورئيساً للمخابرات وعضواً في القيادة القطرية حتى وفاته منتحراً سنة 1969.

أما محمد عمران وبعد أن أصبح وزيراً للدفاع، فقد نُفي إلى لبنان وقتل في طرابلس عام 1972.

وقد اختلف عمران مع رفاقه في الأشهر الأولى من حكم البعث، وكان معارضاً لقرار تصفية الضباط الناصريين في تموز 1963، ولاستخدام الدبابات لإجهاض ثورة الإخوان المسلمين الأولى في حماة في نيسان/أبريل 1964. بعدها بثمانية أشهر، توجه محمد عمران إلى منزل ميشيل عفلق عند عودة الأخير من زيارة إلى ألمانيا في كانون الأول 1964، وأفشى له كل أسرار “اللجنة العسكرية”.

هذا ما قاله الأسد للصحفي البريطاني باتريك سيل، وهو يعني أن مؤسس الحزب وأمينه العام لم يكن يعلم شيء عن اللجنة، على الرغم من مرور خمس سنوات على إنشائها ومضي قرابة العامين على انقلاب 8 مارس/آذار.

أي لجنة هذه بقيت عصيّة على ميشيل عفلق، وعلى المخابرات المصرية والسورية، وكل أعضائها ضباطاً صغاراً لا خبرة لهم ولا تجربة في العمل المنظم السري؟