في الوطن الجديد

الموسيقار السوري العالمي مالك جندلي للناس نيوز : الموسيقى جسر بين الشرق والغرب

حاوره محمد برو – الناس نيوز ::

منذ سيمفونيته السورية الأولى 2014 وأنا أتابع بشغف هذا الموسيقي الإنسان، الذي لم ينفصل عن ثقافته السورية الأصيلة رغم حياته في الغرب، وحين انطلقت أولى شرارات الثورة في سوريا مطالبة بالحق في الحرية والكرامة، كان موقفه واضحاً وضوح الشمس بانحيازه، للخيار السلمي في المطالبة بحياة لا تنقصها العدالة والكرامة والحرية، كان يتنفس خلال سنوات الثورة، في جميع أعماله، بصدى أنفاس الأطفال السوريين الأحرار، وهو يعنيها للتأكيد لا للتمييز.

بالأمس كان هنا في إسطنبول قامة إنسانية كبيرة متواضعة، ينشر الحب والسلام من خلال موسيقاه التي عزفها على بيانو السلام، الذي لونه أطفال سوريون، غيروا لونه الأسود إلى ألوان الحياة الخضراء والصفراء، في احتفالية ساحرة ضمت مئات السوريات والسوريين، كان الحضور حميمياً، وكان كغيره من السوريين جزءاً من سيمفونية سورية ربما بدأت في أصداء أوغاريت، وسيبقى صوتها خالداً ما بقي للحرية مناصرون.

في قاعة من قاعات إسطنبول كان هذا اللقاء الغني مع الموسيقار مالك جندلي والذي خص فيه جريدة “الناس نيوز” الأسترالية الإلكترونية .

الموسيقار مالك جندلي.

  • لماذا لم تؤسس بعد مرور أكثر من 11 عاماً على الثورة السورية فرقة موسيقية، أو جيلاً من الموسيقيين يتبنون طروحاتك وأفكارك؟ أو مدرسة موسيقية؟

سؤال في غاية الأهمية، في البدء أنا مدين للثورة السورية، ولأطفال سوريا الأبطال، الذين يتحدون الألم العظيم، تحت القصف والحصار، في المنافي وفي برد المخيمات وحرها، في الإصرار على الحياة بالرغم من التجويع والتشريد، والحرمان من أبسط رعاية صحية ضرورية، لذلك كانت جولتي الموسيقية العالمية بعنوان “صوت أطفال سوريا الأحرار”، تلك الجولة التي بدأت من أمريكا عام 2013 وجابت مدن العالم، من قاعة “كارنيغي” في نيويورك إلى كبرى المدن الأوربية ” فيينا، لندن، باريس، المسرح الوطني في مدريد بحضور ملكة إسبانيا، دار الأوبرا في سيدني، كان الهدف الرئيس لهذا المشروع إيصال صوت أطفال سوريا الأحرار إلى العالم، من خلال القوة الناعمة للموسيقى، وللمساعدة في حشد المؤازرة والتضامن المادي والمعنوي لهؤلاء الأطفال، كان آخرها المشاركة بالذكرى العاشرة لتأسيس فريق ملهم التطوعي، مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني في إسطنبول.

ربما بسبب تأثري العميق بالأنساق الموسيقية المتناغمة، لا أستطيع أن أرى إمكانية انفصال الفن والجمال عن الحقيقة والحق، فهم كل متناغم لا يمكن فصله عن بعضه، وهذا كما أراه روح قضيتنا كسوريين، وروح رسالتي كموسيقي، وليس للسوريين إلا التعاضد للوصول إلى هذا الحلم الجميل في الحرية والكرامة.

  • بعد النجاح العالمي الذي حققته أعمال مالك جندلي، هل لديك مشروع مؤسساتي في نشر ثقافة الموسيقى التي تسهم في التغيير؟

في البدء أنا مدين لأطفال سوريا الأحرار لتأسيس منظمة “بيانو من أجل السلام”، التي تهدف إلى مد وبناء جسور السلام، بتوظيف القوة الناعمة للموسيقى والتعليم، ومن خلال الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية وفرق أوركسترالية عالمية، نقوم بواجبنا الأخلاقي في توثيق تراثنا السوري للحفاظ على هويتنا الثقافية، ودورها الخلاق في ركب الحضارة الإنسانية، ونشرها عالمياً من خلال إنتاج سيمفونيات وإصدارات بدأت بألبوم “السيمفونية السورية” عام 2014 وصولاً لسيمفونية “وردة الصحراء” التي تم طرحها تزامنا مع مونديال كأس العالم في قطر 2022.

  • كيف يصف الموسيقار السوري العالمي مالك جندلي نفسه؟

أنا فنان سوري حر، لا ينتمي لأية منظومة أو حزب سياسي، موقفه من القضية السورية موقف أخلاقي بحت، ورسالته إنسانية، كجزء من سيمفونية سورية من أجل السلام.

مالك جندلي وطن متحرك متضامن مع المظلومين مع الطفولة التي تذبح كل يوم، يعمل بكل طاقته للحفاظ على هويته الثقافية السورية، كجزء من الحضارة الإنسانية، في الوقت الذي يتم تشويهها وتسطيحها وبذل المحاولات في طمسها بشتى الوسائل على مشهد من العالم أجمع، هذه جريمة إنسانية موصوفة، كون بلادي سوريا مهد حضارات بشرية أسست لما بعدها، ولها يدين العالم بأول أبجدية في التاريخ “1500 ق.م” وأقدم تدوينة موسيقية عرفتها البشرية “2000 ق.م”، وأقدم مدينة وأقدم عاصمة.

  • ما هي أبرز مشاريعك المستقبلية؟

القضية السورية اليوم قضية عالمية بكل ما تعنيه الكلمة، ومن هذا المنطلق نحن بحاجة ماسة لطرح قضيتنا عالمياً من خلال بوابات الفن والثقافة، لنؤكد للعالم بأننا جزء لا ينفصل عنكم في رحلة الحداثة الثقافية، وما زلنا نساهم من خلال موروثنا الثقافي الجميل ورسوخنا في صدارة الحضارة التاريخية منذ أوغاريت والأبجدية الأولى، وعبر تطوير هذا الموروث الغني وتقديمه كجزء لا ينفصل من هويتنا العالمية، بالرغم من كل السواد المحيط بنا وبشاعة المقتلة المستمرة.

رحلة الإنتاج الفني مستمرة بعد اثني عشر إصداراً من “أصداء أوغاريت” 2009 وحكاية أقدم تدوين موسيقي عرفته البشرية، هذا قبل الثورة، وصولا إلى “وطني أنا” و”سيمفونية القاشوش” و”نشيد سوريا الأحرار”، بالإضافة إلى أعمال أوركسترالية جادة من ثماني سيمفونيات، ومؤلفات كونشيرتو البيانو، الكمان، التشيللو، الأبوا، الكلارينيت، القصائد السيمفونية “مرثاة”، “العنقاء في المنفى” التي ترشح فيلمها الوثائقي لجائزة إيمي، “المحيط الصامت” التي جسدت حكاية طفلة سورية غرقت مع لحنها السوري الشجي بصمت، وأمام صمت العالم أجمع.

مشاريعي المستقبلية هي استمرار لرحلة إنتاجي الفني الهادف للحفاظ على هويتي الثقافية السورية، وطرحها عالمياً، من خلال أعمال موسيقة جادة، ومؤلفات سيمفونية هادفة ترتقي لحجم المأساة السورية، في محاولة لكسر النمطية العربية وتغيير السردية بالرغم من استمرار قاتل الأطفال ومشردهم في المخيمات، بالرغم من استمراره بارتكاب أبشع وأشنع جرائم الحرب ضد الإنسانية في بلدي الحبيب سوريا.

  • ما هي أصعب المواقف التي واجهتك في السنوات الأخيرة وأنت تدعم الثورة السورية؟

من أصعب المواقف التي شهدتها وتكررت مراراً، مشاهدة آثار التهجير القسري، ورؤية الألم والأمل يمتزجان معاً في عيون أطفال سوريا الأحرار.

ولن أنسى ما حييت كلمات الطفل السوري البريء، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة “بدي أشكيكم لله”، تألمت بشكل كبير عندما أدركت أن هذه المخيمات ليست حلاً مؤقتاً، بل بنيت كمعسكرات للإبادة الجماعية والموت البطيء.

  • ما الذي يحمله الناس معهم من خلال حفلاتك؟ قد يدوم التأثير لأيام، أسابيع، أشهر؟

أفضل استخدام كلمة أمسيات بدل حفلات، كون الأخيرة ابتذل استخدامها، واقترنت بالمخيال السوري، بحفلات التعذيب في سجون قاتل الأطفال، الرسالة واضحة وقد جعلتها عنواناً لجولاتي المستمرة حول العالم “صوت أطفال سوريا الأحرار”، رسالتي تؤكد أننا كسوريين نصنع الأمل ونتمسك به من عمق الألم، ونؤكد انتهاء عصر الفرد الصنم، سوف نهزمه بالقلم والنغم، واسمح لي بهذه المناسبة أن أنعطف بالحديث للربط مع كتابك “ناج من المقصلة” الذي قرأته حديثاً، والذي يكمل السيمفونية السورية بألمها وأملها، وهو صرخة انتصار بوجه المجزرة المستمرة صرخة تؤكد أننا كسوريين عصيين على الانكسار، وأن صوت الأحرار هو ما يبقى.

  • هل تفكر في إعداد كتاب عن تجربتك تكون ملهمة للأجيال وتترك بصمة.

رحلة الإنتاج الفني مستمرة، ونقوم حالياً بتسجيل أعمال سيمفونية ضخمة بالعاصمة النمساوية فيينا، كل البوم موسيقي يتضمن كتيباً صغيراً يوثق ويشرح هذه الأعمال الموسيقية ويسرد حكاية تأليفها، ومصادر إلهامها، ورسالتها الإنسانية. اليوم نقوم بترجمة هذه الكتيبات ونشرها ضمن كتاب، وعبر صفحات الموقع الرسمي لأعمال مالك جندلي، كون الموسيقى تختلف عن سائر الفنون بصفتها غير المرئية وغير الملموسة، مع هذا فهي تتمتع بقوة سحرية، تتجاوز الزمان والمكان وتخترق كافة الحواجز وصولا إلى روح الإنسان.

  • جميعنا نعلم أن الموسيقى لغة عابرة للمكان والزمان والتكوينات في جولات مالك جندلي عبر العالم، ما هي الرسالة التي يريد إيصالها عبر موسيقاه؟

تحدثت طويلاً وفي مواطن متعددة أن الرسالة التي تحملها أعمالي الموسيقية هي رسالة سلام وإخاء بين جميع الناس، هذا السلام الذي لا يمكن أن يتحقق دون عدالة، ودون رفع الظلم الذي يتجرعه كل يوم أطفال ونساء وكهول بلدي سوريا، وأعمل بكل دأب أن أقدم هذه الرسالة ليسمعها العالم اليوم وبعد مئتي سنة من موتي، وليتذكر العالم أن السوريين كانوا يدونون ويقدمون موسيقى للسلام، في وقت كانت المجازر ترتكب بحق أطفالهم بشكل سافر.

  • منذ بدايات الثورة السورية كان موقف الموسيقار مالك جندلي واضحاً ومحدداً على أساس أخلاقي وقيمي، منحازاً للعدل والحرية مناصراً للضحايا الأبرياء. سيما الأطفال منهم. أين يجد مالك جندلي نفسه اليوم بعد مضي أحد عشر عاماً على هذه الثورة.

ما يعنيني من هذه الثورة بالدرجة الأولى أنها صرخة في طلب الحرية ورفع الظلم ونيل الحقوق، ليس بدعاً ولا شططاً، إنما أسوة بأمم عديدة نالت حريتها ومضت في طريق البناء والتنمية ورقي الإنسان وحماية حقوقه، ولأنها ثورة انطلقت من قيم عالمية سامية، فأنا ملتصق بها التصاقي بقيمي وإيماني العميق بالسلام، لأنه وحده المناخ الذي يتيح للطبيعة الإنسانية النقية أن تحيا كما يليق بها كذات حرة.