fbpx
لايف ستايل

من حق المقهور يصيح

ريما بالي – الناس نيوز ::

“بيكفي هالجرح تجريح
من حقه المقهور يصيح
يا ورق الشجر الطاير… يا أبناء القهر
يا غبار الحجر الداير… يا ضحايا العصر
يا لعبة بإيد الريح
من حقه المقهور يصيح.”

تذكرت هذه الكلمات التي كتبها الشاعر السوري سمير طحان ولحنها الموسيقار السوري سمير كويفاتي لتغنيها الراحلة الباقية السورية ميادة بسيليس، في مقدمة مسلسل حمل اسم “أبناء القهر”.

تذكرتها بعد مشاهدتي لفيديو قصير أدمى قلبي، تقول فيه الصحفية الفلسطينية إسراء المدلل، تعليقًا على الأحداث السوريالية التي تجري في غزة:
“بتكون أمه للطفل ماتت قدام عينيه، وبيقولوله ماتعيطش خليك زلمة، ما تعيطش أمك شهيدة، هل في أكثر ثقلًا على الإنسان من ألا يعبر عن إنسانيته؟

يعني، أنا أريد أن أبكي، أريد أن أصرخ، أنا أريد أنا أقول أريد أمي، أنا أمي تقول بدي أموت شهيدة وأقول لها بديش، بديش إسرائيل تقتل أمي، من قال إني أريد أن أعيش بدون أم… نحن محرم علينا حتى مجرد التعبير عن هذه المشاعر، مجبورين نبقى أقوياء، وصامدين، تعبنا يا عالم، أنا بديش أبقى صامدة، أنا تعبت، بدي أصرخ”
نعم يا إسراء، من حقك… ومن حق أطفال العالم وأطفال فلسطين من ضمنهم، أن يكون لهم أمهات أحياء غير شهيدات، ومن حقهم إن استشهدت أمهاتهم أن يبكوا خسارتهم وأن يصرخوا، متألمين مستنكرين مقهورين، نعم يا إسراء، “من حقه المقهور يصييييييح”، من حق الفلسطيني/ الغزاوي يصيح، ومن حقه علينا، وواجبنا كلنا، أن نسمع صياحه ونصيح معه… آآآآآآآه يا أبناء القهر.

وتذكرت فيما تذكرت أطفال سوريا خلال سنوات الحرب والحصار، السنوات العجاف التي لم تتبعها السمان بعد، ومازال ظلها الثقيل المقيت جاثمًا فوق صدر الوطن وصدور أولاده.

الأطفال، كانوا وقتها رجالًا ونساءً صغار، يعتنون بأخوتهم، يحملون سلال المعونات ودلاء الماء الثقيلة من مناطق بعيدة إلى بيوتهم، يقاومون البرد والخوف والعنف ويصبرون على الجوع، ثم يكافَئون بنشر صورهم في صفحات وسائل التواصل الالكترونية مع جمل استعراضية منمقة على نمط: “لا خوف على وطن أطفاله رجال”.

وأجدني لمجرد الذكرى أصرخ مثل إسراء بلسان طفل من هؤلاء: بديش أكون رجل، أنا أريد أن ألعب، أنا أريد أن أمرح، أنا أريد طفولتي.

وأجدني أجيب تلك الجمل الخشبية، وتلك الأخرى التي تدعو الطفل ليكون (زلمة) فأقول: كل الخوف على وطن لا يعيش الأطفال فيه طفولتهم، لا خوف إلا على (ومن) طفل سرقت طفولته وأجبر أن يتصرف كرجل، هذا هو القهر الذي يُزرع في النفوس فيُنبت غضبًا ومرارة وسخطًا، هؤلاء هم أبناء القهر، الذين سيتحولون إلى أباء الغضب، هؤلاء هم ضحايا العصر.

وإذ تذكرني مآسي أطفال غزة بتلك التي عاشها أخوتهم السوريون، انتهزها فرصة للإشارة إلى ظاهرة غريبة تنتشر في زمن الكوارث والحروب، أحببت أن أسميها ((Me too and me only “أنا أيضًا وأنا فقط”، وتتلخص بالمنافسة على لقب الضحية الأولى في العصر.

كيف تظهر هذه المنافسة؟ عندما يستنكر بعض الناس (وهم كثر) وبشكل مباشر وغير مباشر، تعاطف الآخرين مع أي مأساة تحصل وتستحوذ على اهتمام الإعلام وتحتل أخبارها مواقع التواصل الاجتماعي (كما يحصل الآن في التعاطي مع الأخبار المروعة التي تصل من غزة)، فنسمعهم يعلقون بين الخبر والأخر:
“ايه..نحن صار عنا نفس الشي، ولسه أكتر بكتير” أو “ليش نحن الي صار فينا قليل؟” أو “الأرمن في قره باغ/ الإسلام في الهند/ المسيحيون في نيجيريا/ الأكراد في العراق/ الهنود الحمر في أمريكا/ اليهود في أوروبا…الخ…صار فيهم أبشع من هيك، شو ما صار عندكم خبر؟”… وإلى أخر التعليقات التي لا تكشف إلا عن غيرة الضحايا القدماء من تسليط الضوء على الضحايا الجدد، كطفل ولد له أخ أصغر فصار يراه منافسًا، بينما هو في الحقيقة شقيقه الذي يشبهه ويشاركه قدره وقضيته وآلامه.

قد يتعاطف المرء من هؤلاء مع كوارث جيرانه وأخوته في الإنسانية، لكنه لا يسلمهم ميدالية المركز الأول في المعاناة، ولا يتنازل عن اللقب، الذي يشعر أن حصوله عليه هو الإنجاز الأهم الذي أحرزه في حياته.

هذا اللقب المشؤوم، سخي وخبيث، ويعمل من اخترعه جاهدًا لإرضاء أكبر شريحة ممكنة من البشر، فكل ميدالياته ذهبية، وكل المراكز في المنافسة عليه، أولى.

نعم نحن ضحايا، لكننا لسنا وحدنا، فالضحايا في هذا العالم كثر، نحن أبناء قابيل، لكن إرثنا جاء من طرف عمنا هابيل الذي استحق لقب الضحية الأولى عن جدارة، وأورثنا إياه أجمعين بحيث لم يرض أحد عن مشاركة أخيه بحصته من الميراث.

من زاوية أخرى، قد يكون التعليل النفسي لرغبة الإنسان في تكريس معاناته كالمعاناة الأهم في التاريخ، أنها ناتجة عن شعوره بالقهر لأن قضيته لم تسوّ بعد وطمرت تحت التراكمات، وعن الخيبة لعدم حصوله على حقه من التعاطف والدعم، وشعوره بأنه ترك لمجابهة كوارثه وحده من دون اهتمام كاف ومن دون أن ينال الإنصاف الذي يستحق، شعوره أن الجميع طالبه بأن يتماسك ويصمد في حين أن الطفل الذي يسكنه كان يريد أن يصرخ، أن يبكي، أن يقول تعبت يا عالم، بديش أصمد أكتر، أنا أريد أن أصرخ، أريد أن أصيح.

نعم… نحن أبناء القهر… و”من حقه المقهور يصيح”… لنصيح ولنصغي لصياح غيرنا من الضحايا، قبل أن نسأل، ماذا بعد كل هذا الصياح؟
الظلم يوحدنا، فلنوحد صيحتنا، لنصرخ اليوم من أجل غزة، من أجل فلسطين حتى ولو لم يصرخ أحد قبلًا من أجلنا، حتى لو كان صياحنا ضربًا من العبث.

أما ماذا بعد الصياح، فالإجابة لن تأتي إلا إذا بدأنا… بممارسة أول حق بشري لنا… أول رد فعل يقوم به الطفل حين يولد… يصيح ملء رئتيه… وبعد تلك الصيحة… تبدأ الحياة.