ميديا – الناس نيوز ::
المدن – محمد حريري – خلال معارك شرق الفرات في سوريا، رأيت صورة لأسيرة كردية نشرت في “المدن”، مقاتلة وتضع أحمر شفاه، بدت لي الصورة غريبة نوعاً، مقاتلة تجمع بين السلاح وذلك الطلاء على الشفتين الذي يدلّ على انوثة صارخة في خضم المعارك، وبعد أيام على الصورة التي يحسبها المرء تمثيلاً، دخلت منطقة اللاذقية في بلبلة، بعد منع المحافظ الموظفات من وضع مساحيق التجميل وأحمر شفاه أثناء الدوام. خرجت وسائل التواصل الاجتماعي بحملة عفوية بعنوان “رح حط حمرا”، (أحمر الشفاه)، شاركت فيها سوريات من داخل البلاد وخارجها بمقاطع قصيرة تظهر وضع أحمر الشفاه وصور شخصية لمكياج كامل وصورة قلم حمرة. والحال أن الأحمر شفاف مرّ بتاريخ مضطرب. قد يكون أحد أقوى رموز الجمال الأنثوي والإثارة، لكنّ هذه القوة التي يمتلكها أدّت إلى تنظيم لون الشفاه الأحمر وإدانته في مناسبات عديدة بتهمة “خداع الرجال” و”تقويض الفوارق الطبقية”.
وبعض النظر عن أصل الأحمر شفاه وفصله، سواء أكان من بلاد السومريين أو من بلاد النيل أو من بلاد فارس، ويمكن رصد تاريخه المضطرب من العصور الوسطى (من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر الميلادي)، إذ تشعبت شعبية استخدام أحمر الشفاه في أوروبا بين القبول والرفض، وذلك بسبب محاولات الجماعات الدينية المختلفة لإدانة المكياج باعتباره “تحديًا لله ولخلقه”.
كما استُخدم أحمر الشفاه خلال هذه الفترة لتمييز الطبقات الاجتماعية، كما في عادة سيدات المجتمع الإيطالي في القرن الثالث عشر الميلادي.
عصر النهضة
على الرغم من أن القساوسة الإنكليز في القرن السادس عشر حاولوا التنديد بتلوين الشفاه ووصفه بأنه “عمل شيطاني”، إلا أن ذلك لم يمنع الملكة إليزابيث الأولى من استخدام مزيج من القرمز والصمغ العربي وبياض البيض وحليب التين، مما جعل الشفاه القرمزية أحد العناصر الأساسية في أزياء العصر الإليزابيثي. وفي القرن السابع عشر، استمر رجال الدين في محاربة ما اعتبروه “خطيئة” تلوين الشفاه، بينما استمر المواطنون الإنكليز في استخدام درجات مختلفة من اللون الأحمر للتمييز بين الطبقات الاجتماعية.
العام 1770، أصدرت الحكومة البريطانية قانونًا يُجرّم استخدام أحمر الشفاه رسميًا، استنادًا إلى أن “النساء اللواتي يُدانْنَ بإغواء الرجال للزواج باستخدام مستحضرات التجميل يُمكن محاكمتهنّ بتهمة السحر”. أما مستحضرات التجميل الثقيلة، مثل أحمر الشفاه الأحمر، فكانت مخصصة فقط لنساء الليل. ومثل إنكلترا، حمت بعض الولايات الأميركية الرجال أيضًا من “خداع” أحمر الشفاه، إذ سمحت بإبطال الزواج إذا استخدمت الزوجة لون الشفاه خلال فترة الخطوبة. لكن، كان الأثرياء في فرنسا منشغلين بممارسة الجنس في القرن الثامن عشر لدرجة أنهم لم يهتموا بالسحر. هناك، كان يُشجع نساء الطبقة العليا على وضع أحمر الشفاه، إذ كانت النساء اللواتي لا يضعن المكياج يُنظر إليهن على أنهن فلاحات وبغايا.
فكتوريا وقلة الأدب
تراجعت شعبية تلوين الشفاه خلال معظم القرن التاسع عشر بسبب تأثير الملكة فيكتوريا التي اعتبرت أحمر شفاه قلة أدب وعلامة على قلة الاحترام ويرتبط بالعاهرات. مع ذلك، يرى بعض المؤرخين أن ستينيات القرن التاسع عشر شهدت بداية انتعاش استخدام مستحضرات التجميل عالميًا. حققت ماركة التجميل الباريسية “غيرلان” نجاحًا تجاريًا كبيرًا لأول أحمر شفاه لها، والذي كان مصنوعًا من الجريب فروت الممزوج بالزبدة والشمع. العام 1884 أنتج أحمر شفاه مصنوع من شحم الغزلان وشمع العسل وزيت الخروع الذي تم لفه بعد ذلك بورق حريري. ولأن وضع أحمر الشفاه كان لا يزال يُعتبر أمرًا يُمارس في سرية تامة، أثارت الممثلة المسرحية سارة برنارد ضجة كبيرة بوضعها أحمر الشفاه علنًا في أواخر القرن التاسع عشر.
مع مطلع القرن العشرين، أصبح استخدام المكياج مقبولاً اجتماعياً. ووفقاً لمادلين مارش، مؤلفة كتاب “المساحيق التجميلية ومستحضرات التجميل”، فإن أول وأشهر ظهور لأحمر الشفاه كان عندما خرجت المناصرات لحق المرأة في التصويت إلى شوارع نيويورك عام 1912 وهنّ يضعن أحمر شفاه أحمر فاقعاً. ودافعت إليزابيث اردن، سيدة أعمال كندية. أيضاً عن حقوق المرأة، فقررت توزيع أنابيب أحمر شفاه أحمر فاقع على المتظاهرات.
وكان التأثير بالغاً حين هتفت نحو 15 ألف امرأة بشفاه حمراء “مُستفزة” بشعارات. واستلهاماً من هذا المثال، بدأت ناشطات حقوق المرأة في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا أيضاً باستخدام أحمر الشفاه في مسيراتهن. منذ تلك اللحظة، أصبح أحمر الشفاه الأحمر رمزًا غير رسمي لحركة المطالبة بحق المرأة في التصويت – على الأقل بالنسبة للنساء البيض. إذا كان وضع المكياج في منتصف عشرينيات القرن الماضي يُعتبر خطوة جريئة، فقد تغير كل شيء في ثلاثينيات القرن نفسه.
فقد رسّخت هوليوود موضة أحمر الشفاه الزاهي، وأصبح نجوم السينما وخبراء التجميل يتشاركون بشكل متزايد منتجاتهم المفضلة ونصائحهم الجمالية في مجلات نمط الحياة.
ازداد عدد النساء العاملات، وازدادت استقلاليتهن. كما أصبحت مستحضرات التجميل أكثر تنوعًا.
في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، كتبت مجلات نسائية أن “الجمال جزء من العمل”، وأن “الذكاء والشهادات والطموح لا قيمة لها بدون مظهر جذاب”.
هتلر الجنس الآري
كان أحمر الشفاه رمزًا لنضال المرأة من أجل حقوقها، وخلال الحرب العالمية الثانية أصبح أيضًا رمزا للحرية في أميركا وسلاحًا للانتصار على النازية، حيث كان هتلر يكرهه. وفقاً لسارة شيفر، مؤلفة كتاب “أحمر الشفاه: قصيدة لأيقونة الجمال”، كان هتلر يكره أحمر الشفاه ومنع النساء في ألمانيا من استخدامه، ولعلماء النفس أطروحات عديدة تتعلّق بالسبب الذي يجعله كارهاً لشيء لطيف كالروج، منها ما يتعلّق بعجزه الجنسي أو بمعاناته من خيانة إحدى الحبيبات الأول، وبالتالي أصبح وضع الروج في تلك الفترة نوعاً من مقاومة النازية ولاحقاً مقاومة السلطة الأبوية، فالبعض يقاوم الطغيان بأن يكون أكثر جمالاً فحسب، وبسبب من غلاء المواد المصنعة له في فترة الحرب العالمية الثانية، بدأت النساء باستخدام الشوندر الأحمر. ومنذ عام 1941، أصبح أحمر الشفاه إلزاميًا للنساء اللواتي انضممن إلى الجيش الأميركي. قررت لجنة الإنتاج الصناعي العسكري في البداية وقف إنتاج مستحضرات التجميل. لكنها سرعان ما عدلت عن قرارها وأعلنت أن مستحضرات التجميل “ليست ضرورية فحسب، بل حيوية أيضاً”. ثم جاء العصر الذهبي لإليزابيث أردن، التي وزعت قبل 30 عاماً، على مسؤوليتها الشخصية، أحمر الشفاه الأحمر على المناصرات لحق المرأة في التصويت.
وفي بريطانيا، شجّع رئيس الوزراء ونستون تشرشل على استخدام أحمر الشفاه ورأى أنه يرفع المعنويات بشكلٍ ممتاز. وفي نهاية المطاف، الانتصار على النازية. وقد ساهم هتلر نفسه في ذلك. فعندما تولى منصب المستشار عام 1933، قرر حزبه النازي أن المرأة الألمانية المثالية لا ينبغي لها استخدام مستحضرات التجميل على الإطلاق، زاعمين أن جمالها الطبيعي “الآري” كافٍ. وبالمثل، لم يُنصح النساء الألمانيات بارتداء المجوهرات والعطور والفراء والسراويل. وكان حليف الفوهرر، زعيم الفاشيين الإيطاليين، موسوليني، لديه أيضًا موقف سلبي تجاه المكياج. وفي حربهم على النازية أطلق المسؤولون البريطانيون حملة دعائية واسعة النطاق تحت شعارات مثل “الجمال واجبكِ” و”أحمر الشفاه سلاحكِ وأنتِ جنديات في المؤخرة”. في ذلك الوقت حققت نجاحًا باهرًا لدرجة أن أحمر الشفاه أصبح رمزًا للعصيان حتى في الأراضي الأوروبية التي احتلتها النازية.
وظل أحمر الشفاه سلاحاً خفياً بعد الحرب العالمية الثانية. وخلال الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي، استُخدم كرمز لحقيقة أن الشيوعية متأخرة كثيراً في إنتاج وتوفير السلع الاستهلاكية.
مارلين مونرو واخواتها
في الخمسينيات، أصبح أحمر الشفاه رمزاً أنثوياً صارخاً وجذاباً، أعاد للمرأة الثقة بجمالها وارتبط بنجمات هوليوود مثل مارلين مونرو وإليزابيث تايلور وغرايس كيلي وأودري هيبورن وغيرهن…. والأخيرة قالت ذات مرة “إن كل امرأة يجب أن يكون لها أحمر شفاه بلون خاص بها”. وتايلور عشقت أحمر الشفاه إلى درجة طلبت أن لا يضع أي شخص آخر من طاقم أفلامها اللون الأحمر على الشفاه، كانت معروفة بقولها: “اسكبي لنفسك كأسا، ضعي أحمر شفاه. واستعيدي معنوياتك”.
وعبّرت كوكو شانيل عن اهتمامها بجمال شفتيّ المرأة اللّتين تترجمان ما في قلبها من دون الحاجة إلى الكلام، فقالت: “إذا كنّا نوافق على أنّ العينين هما مرآة الروح، فلِم لا نعترف أيضاً بأنّ الشفتين ناطقتان باسم القلب؟”، صنعت لها أحمر شفاهٍ ثوريّاً خضّ عالم الجمال في الخمسينيّات، انضمّ إلى رموز دار CHANEL وأصبح يُعرف باسم Rouge Coco. عشق كوكو شانيل لأحمر الشفاه دفعها للتفكير في ابتكارٍ يسهّل حياة النساء.
العام 1951، أطلقت رائدة الأعمال كارمن مورفي خطها الخاص من مستحضرات التجميل، “كارمن كوزمتكس”، نظرًا لقلّة المنتجات المتاحة للنساء ذوات البشرة الداكنة. ويعتقد المؤرخون أن مورفي ابتكرت أحد أوائل خطوط التجميل المملوكة لأميركيات من أصل أفريقي والتي تُناسب جميع ألوان البشرة.
في العديد من إعلانات مستحضرات التجميل في ستينيات القرن الماضي، تظهر النساء بأحمر شفاه أحمر. وشهدت المرحلة انخفاضًا كبيرًا في شعبية أحمر الشفاه، وذلك بسبب تفضيل ألوان الشفاه المحايدة في موضة “مود”، وروتين الجمال الطبيعي الذي شاع في ثقافة الهيبيز. عاد أحمر الشفاه مرة أخرى رمزاً للتمرد لكن بطريقة مُختلفة، فحركات الهيبيز والمساواة تظاهرت ضد المكياج والحمرة وتنميط إطلالة المرأة، لذا اختفى قليلاً وزاد الاعتماد على مُرطبات الشفاه الملونة، في الوقت نفسه، نددت بعض الجماعات النسوية بأحمر الشفاه، معتبرةً إياه وسيلةً لإمتاع الرجال فقط. (تغيرت هذه النظرة في أواخر تسعينيات القرن العشرين، عندما شجعت الموجة الثالثة من الحركة النسوية، أو ما يُعرف بـ”نسوية أحمر الشفاه”، النساء على الاستمتاع بأنوثتهن وجاذبيتهن في مواجهة القمع الأبوي).
مع ظهور سحر عصر الديسكو، عادت الشفاه الحمراء اللامعة إلى عالم الموضة الراقية. وشهدتْ ثقافات موسيقى الروك أيضاً ازدياداً في استخدام الرجال لأحمر الشفاه، مع أن هذا لم يكن جديداً: فقد كان الرجال المصريون يلونون شفاههم قبل آلاف السنين من استخدام ديفيد باوي له وجورج واشنطن أيضاً.
شهدت ثمانينيات القرن الماضي رواجاً كبيراً للشفاه الحمراء الفاقعة، ولعلّ أشهرها شفاه المغنية الأميركية مادونا في بداياتها. إلا أن نهاية العقد وبداية التسعينيات شهدت توجهاً قوياً نحو درجات أحمر الشفاه الهادئة، فضلاً عن وفرة من درجات اللون البني.
مع اقتراب نهاية الألفية، فضّلت معظم النساء أحمر الشفاه الذي يتناسب مع مزاجهن ومظهرهن على اتباع الموضة. كان غلوس الشفاه البرّاق والغليترز بألوانه الزاهية هو الصيحة الأهم للنجمات مثل بريتني سبيرز وكريستينا أغيليرا وغيرهن.
أصبح أحمر الشفاه الأحمر جزءًا لا يتجزأ من ثقافة البوب، حيث سجلت فنانات مثل ريهانا أغاني تحمل عنوان “أحمر شفاه”، وكتبت مؤلفات أغاني مثل تايلور سويفت كلمات أيقونية مثل: “لديّ ذلك اللون الأحمر للشفاه، إنه اللون الكلاسيكي الذي يعجبك”.
وذات مرة تحدّت الأميركية أوكاسيو كورتيز الثقافة النمطية وأعطت اللون الأحمر معنىً آخر، فبدلا من أن يكون معياراً لخضوع النساء، جعلته مقياساً لقوتهنّ؛ فتقول: “من الأسباب التي جعلتني أستخدم أحمر شفاه في الانتخابات التمهيدية للمرة الأولى، إدراكي أن أفضل طريقة لأبدو متماسكة هي استخدام لون حمرة قوي”.
لا يزال أحمر الشفاه رمزًاً للاحتجاج. العام 2018، قامت نساء، بل وحتى رجال، من نيكاراغوا بتلوين شفاههم بأحمر الشفاه ونشروا صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجًا على دكتاتورية الرئيس دانيال أورتيغا.
بدأ كل شيء بناشطة اعتُقلت في مظاهرة، حيث عرضت على زميلاتها في السكن في القبو وضع أحمر الشفاه، الذي لم يُصادر أثناء التفتيش. العام 2019، في تشيلي، خرجت نحو عشرة آلاف امرأة إلى الشوارع معصوبات الأعين بشفاه حمراء، احتجاجًا على العنف الجنسي.
ولاحقًا، تكررت تحركات مماثلة في دول أخرى. وفي كوريا الشمالية، أصبح أحمر الشفاه والمكياج وتسريحات الشعر غير التقليدية من رموز مقاومة الشباب للدولة.
(*) استلت معلومات هذه المقالة من مصادر مختلفة ومتعددة
الأكثر شعبية

أحمر الشفاه: السحر الاغواء الخداع الاحتجاج

الاقتصاد والركن الهش في أداء السلطة بسوريا

نهاية جغرافيا القلق… “الشيخ مقصود والأشرفية” في حلب السورية

