[jnews_post_author ]
يحتفل النظام في سوريا في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام بذكرى انقلاب حافظ أسد العسكري الذي دعاه “الحركة التصحيحية”، والذي أدى إلى سيطرة آل الأسد على السلطة وعلى سوريا وتحويلها إرثا في العائلة التي تفتقد أي إرث حقيقي، إذ إنه وبغض النظر عن رواية باتريك عن الوحش الذي انتصر على المصارع التركي غير المسنودة إلى شيء، تبقى هذه العائلة وذلك الأسد بدون أي وزن اجتماعي أو اقتصادي أو حتى ديني يؤهله لحكم سوريا، باستثناء العصبية العسكرية التي نجح بتوظيفها لصالحه.
لذلك يبدو من الصعوبة بمكان أن يفهم المرء تاريخ سوريا الحديث بعيدا عن تاريخ المؤسسة العسكرية، التي احتفلت لأول مرة بتأسيس الجيش السوري في الأول من آب عام 1945، قبل أن يأتي الاستقلال عن فرنسا في 17 نيسان 1946.
إذ إنّ سوريا عرفت تحت الانتداب الفرنسي حياة سياسية وحزبية متطورة نسبيا، حيث أقرت النظام الرئاسي البرلماني للحكم، كما شهدت ثلاثة انتخابات برلمانية قبل الاستقلال، مع تنافس حزبي بين الكتلة الوطنية وحزب الشعب، ومع المستقلين من زعماء الإقطاع والعشائر من جهة، ووجود أحزاب أيديولوجية صاعدة لم تستطع أن تحقق اختراقات تذكر لا في الحياة السياسية ولا في الانتخابات البرلمانية، كتنظيم الإخوان السلمين أو الحزب الشيوعي السوري، حتى أن هذه الحياة الديمقراطية هي التي أتاحت عقد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي في 4 نيسان 1947، أي قبل أيام من الاستقلال.
استمرت بعد الاستقلال الحياة السياسية والانتخابات البرلمانية على فترات متقطعة، كفواصل بين الانقلابات العسكرية، التي افتتحها حسني الزعيم في 30 آذار من عام 1949، مستغلا حالة الاضطراب التي أعقبت نكبة فلسطين عام 1948، واستمرار حالة الطوارئ، إضافة لتوقيع حكومة خالد العظم في شهر شباط/ فبراير أي قبل الانقلاب بأيام معدودة اتفاقا كانت تطالب به فرنسا، وآخر بشأن مرور خطّ أنابيب “شركة التابلاين” الأمريكية من السعودية عبر سوريا إلى ميناء الزهراني قرب صيدا في لبنان، فجاء الانقلاب قبيل تصديق الاتفاقيتين من البرلمان السوري.
هذا الانقلاب الذي اعتبر الأول في سوريا والمنطقة العربية، ورغم أنه لم يستمر إلا 104 أيام فقطـ، إذ انتهى بانقلاب سامي الحناوي الذي أعدم الزعيم ورئيس وزرائه محسن برازي، إلا أنّ أيام الزعيم في السلطة كانت كافية لإدخال العسكر إلى الحياة السياسية في سوريا، إذ فتحت شهية جنرالات الجيش إلى السيطرة على الحكم، ومنحتهم القدرة على تشكيل الحكومات أو حلها وتعيين المسؤولين أو إقالتهم، بحيث شهدت سوريا بين آذار 1949 وآذار 1963 سبعة انقلابات عسكرية، أي بمعدل انقلاب واحد كل سنتين، مما يُشير إلى تقلص الحياة الديمقراطية وهامش الحريات في سوريا، مع التأكيد أنّ تلك الانقلابات العسكرية لم تتمتع بحامل حزبي، ولم تتبنَّ رؤية أيديولوجية، ولم تحظَ بدعم شعبي أو جماهيري كبير، مع أن بعضها طرح برامج إصلاحية أو تنموية، وبعض قادة هذه الانقلابات أضمروا ميلا إلى هذا الحزب أو ذاك من الأحزاب التقليدية لتلك الفترة، باستثناء انقلاب 1963.
فهذا الانقلاب الأخير هو الوحيد الذي جاء بتحالف سلطة العسكر مع حزب البعث والأيديولوجيا القومية الشمولية، إذ نجح البعثيون بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز من العام ذاته بإقصاء كل من هو خارج إطار البعث، عبر حركة تطهير واسعة داخل صفوف الجيش استبعدت كل الضباط ذوي الميول غير البعثية، بما يشبه تأميم الجيش، إذا صح التعبير، لصالح حزب البعث، كما بات شرطا ضروريا لأي متقدم إلى الكليات الحربية في سوريا أن يكون بعثيا، كذلك نُسّبَ عدد كبير من الضباط الاحتياط إلى الجيش العامل بناء على ولاءات حزبية أو شخصية، وألغيّ مفهوم الجيش المحترف الذي يهتم بالدفاع عن الوطن والحدود كما عرفه “هنتغنتون”، لصالح جيش عقائدي يهتم بالدفاع عن الحزب وتاليا عن سلطة الرئيس، وهو تعريف مستمد من العقيدة الشرقية للاتحاد السوفيتي السابق، والذي أنتج في النهاية ديكتاتورية الحزب الواحد.
انشغل حزب البعث في ستينات القرن الماضي بتأكيد هويته القومية وتطبيق اشتراكيته اليسارية، التي أمنت له طريقاً سالكاً إلى الانضواء تحت مظلة المعسكر السوفيتي زمن الحرب الباردة، حيث استعان بزخم الحمولة الأيديولوجية المتعلقة بإغراءات اليسار الثوري ومبادئ الاشتراكية العلمية، والقدرة على تفسير التاريخ، وتحقيق حلم العدالة الاجتماعية، ليقوم بتعريب الاشتراكية، وبناء ديكتاتورية الحزب الواحد على نسق المنظومة السوفيتية، فحلّ كل الأحزاب الأخرى واحتكر الحياة السياسية الحزبية، وألغى حرية التعبير، وأمّم الصحف واستتبع كل النقابات والاتحادات المهنية بما فيها اتحادات الكتاب والرياضة والنساء والشبيبة، إلى مكتب المنظمات في قيادة البعث، وبالتزامن مع تأميم المؤسسة العسكرية وتأميم الحياة السياسة، أجرى حزب البعث تأميما لأراضي الاقطاع الزراعي، وقام بتوزيعها على الفلاحين ومحسوبيه منهم تحديدا، كما أمّم الشركات الكبرى والمعامل ونقل ملكيتها وإدارتها إلى البيروقراطية الحزبية، وكل هذا ساهم بتغيير البنية السكانية وتوزيع الثروة والطبقات في المجتمع.
وبعد أن ضمن حزب البعث ولاء المؤسسة العسكرية، بدأ بعسكرة المجتمع من تدريس مادة الفتوة إلى إنشاء منظمة الجيش الشعبي، مرورا بمنظمات اتحاد شبيبة الثورة ولاحقا طلائع البعث، وصولاً إلى التدريب العسكري الجامعي ودورات القفز المظلي، أسوة بالنموذج الكوري، حيث صنع في النهاية عهداً جديداً من الاستبداد عنوانه سيطرة قانون الطوارئ الذي استمر حتى الآن، رغم استبداله بعد عام 2011 بقانون مكافحة الإرهاب، لكن الهدف البعيد له كان تأسيس سلالة حاكمة بأدوات الاستبداد الشمولي.
لذلك نجد كل الانقلابات التالية لعام 1963، لم تعد في الحقل العام السوري، بل جاءت في إطار حزب البعث ومن خلال هيمنته على المؤسستين العسكرية والأمنية، فهي انقلابات أجنحة البعث على بعضها البعض من أجل السيطرة على سوريا والسوريين، وقد تميّزت كلها بعلامة فارقة شكلت القاسم المشترك بينها جميعاً، هي شخص حافظ أسد الذي انتقل من رائد ضمن مجموعة “اللجنة العسكرية” التي تشكلت زمن الوحدة في مصر، دون أن يكون الأعلى رتبة أو أهمية في اللجنة، لكنه الوحيد الذي استمر يصعد بقوة خطوة إثر خطوة، مع تنامي دوره اللاحق في الإشراف على ضبط إيقاع الانقلابات العسكرية منذ آذار 1963، حين أصبح قائدا لقاعدة “الضمير” الجوية، وفيما بعد قائدا للقوى الجوية ومن ثم وزيرا للدفاع، وصولاً إلى غايته في احتكار السلطة والحزب والجيش ومن ثم المجتمع والبلد لصالحه فقط، وهذا تطلب منه التخلص وعلى مراحل من رفاقه في اللجنة العسكرية وفي قيادة الحزب وداخل المؤسسة العسكرية، عبر سياسة الاغتيالات الشخصية، أو الانقلابات كما حصل في انقلاب شباط/ فبراير عام 1966، ولاحقا في انقلاب تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، الذي دعاه “الحركة التصحيحية”.
حتى أنه قبل وفاته كان حريصا على إقالة كل زملائه الذين ساعدوه في انقلابه التصحيحي الأخير، فجردوا جميعا من رتبهم العسكرية وأحيلوا إلى التقاعد، باستثناء وزير الدفاع مصطفى طلاس، إذ كان يُدرك ضعفه ومحدودية طموحه للسلطة، فاحتفظ به لإتمام مهمة توريث سوريا بطريقة غير شرعية لنجله بشار، وقد أدى الوزير المهمة بنجاح يسجل له.
كما حصّن الأسد سلطته السياسية ضد أي انقلاب جديد، حين نصّ في المادة 8 من دستور عام 1973 على اعتبار حزب البعث “القائد للدولة والمجتمع”، كما نصت المادة 11 منه بأن: “القوات المسلحة ومنظمات الدفاع الأخرى، مسؤولة عن سلامة أرض الوطن وحماية أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية”، فالمؤسسات العسكرية والأمنية أصبحت تدين بولائها للحزب وأهدافه، وليس للوطن فقط، وبعدما تخلص الأسد من كل قيادات الصف الأول في حزب البعث، وتاليا في المؤسستين العسكرية والأمنية، لتأمين ولاء نخب جديدة لمشروع التوريث الذي مازلنا نعيش في مستنقعه حتى الآن، مما يُفسر الشعار الأكثر تداولاً “سوريا الأسد”، لدرجة أنّ أي معارضة لسلطة الحزب العقائدي أو للرئيس أصبحت خيانة وطنية عظمى يحاكم عليها القانون.
حماية الجيش عبر وزير الدفاع ومعه الأجهزة الأمنية لعملية التوريث، هي التي دفعت بتلك المؤسسات لتقف لاحقا ضد المتظاهرين السلميين، وأن تطلق النار على المدنيين العزل، بقصد دفعهم إلى حمل السلاح وإثبات نظرية المؤامرة التي تستهدف نظام المقاومة والممانعة في المنطقة، عملا بالمادة 11 من الدستور التي تلزم القوات المسلحة بالدفاع عن أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية، والتي أدت في النهاية إلى تدمير سوريا باعتبارها رقعة الشطرنج التي حاول الأسد أن يبقيها إرثا عائليا لذريته.
———————————————————————–
أنور بدر