دهب صباغ – الناس نيوز :
“تجرأنا على الحلم…”
لم تكن مجرد جملة نُقشت على فستان جال سجادة الأوسكار الحمراء..، هي لسان حال عدد كبير من السوريين الذين وجدوا فيها وصفاً لثورتهم، لحقهم الإنساني المشروع في الحلم، الحرية، العيش الكريم، المساواة والديمقراطية… ورغم واقعية اختلاف الآراء حول مسألة الندم، يبقى الحلم أو بالأحرى استمراره ، هو دافع رئيس لحرق السفن خلفه ، أو من ركب البحر بحثاً عن بدايات حياة جديدة، وعن أمان يجعل من الحلم واقعاً استحق المجازفة.
أصوات اللاجئين وداعميهم والمطالبة بمساحات الأمان وحقوق الإنسان لم تتعدَّ الملف الإنساني الذي تعمل عليه منظمات المجتمع المدني في الدنمارك بإطلاق حملات مناصرة، استبيانات رأي، جمع أكبر عدد من التواقيع لحشد الرأي العام والضغط باتجاه تغيير القانون، وهي عملية معقدة سأشرحها لاحقاً، وللأسف تظهر الأرقام حتى الآن أقلية داعمة للاجئين.
لكن ماذا عن الملف السياسي وإدارته؟ وماهي القوانين والمعايير التي يعتمدها القضاء في حكمه وآلية تغييرها؟
ما مدى فعالية تكثيف الجهود على الملف الإنساني واعتماده كحجة لتغيير القانون وإعادة النظر في توجه الحكومة السياسي؟ وهل في ترحيل اللاجئين خرق للاتفاقيات الدولية يستدعي اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان؟
عام 2020 تم رفض تجديد 170 إقامة، واعتمدت الحكومة تقرير DRC
الذي جاء بعد زيارة وفدها إلى دمشق وتقييمهم للوضع الأمني وتحسنه بسبب توقف العمليات العسكرية في دمشق وريفها. تجاهلت الحكومة إشارة البيان لوجود مرافق أمني دائم من طرف النظام في سوريا في جميع جولاتهم الميدانية .. لتحميل التقرير اضغط هنا
وعليه تم رفض تجديد طلبات الإقامة لحاملي حق الحماية المؤقتة واللجوء الإنساني وذلك لسقوط سبب اللجوء، سبقها توجيه إنذارات لم يعتقد أصحابها بجدية تنفيذها بسبب عدم تحسن الوضع الأمني في سوريا وهذا ما أكدته تصريحات الأمم المتحدة وتقارير المنظمات مثل Amnesty والشبكة السورية لحقوق الانسان وغيرها. للإطلاع على التفاصيل اضغط عى الرابط هــنا
تقدم 24 شخصا إلى مجلس تظلم اللاجئين، ليتم الحكم بإعادة 9 قضايا لدائرة الهجرة ودراستها مجددا، وتغيير حكم الرفض لثلاث قضايا أخرى، في حين رفضت 12 قضية وحكم بترحيل أصحابها نهائياً، حيث ثبت على 6 منهم زيارتهم لسوريا، وما تبقى بسبب تضارب الأقوال كما جاء في بيانات الأحكام الصادرة، في حين وصل رقم رفض تجديد الإقامات منذ بداية 2021 إلى84 .
حُكم القطيع
رسالة من دائرة الهجرة على البريد الإلكتروني (e-Boks) تبلغ صاحبها برفض تجديد إقامته أو قرار محكمة تظلم اللاجئين بالحكم. لم يحتمل قلب أكرم بطحيش قرار الترحيل فمات منذ أيام إثر أزمة قلبية، تُعزيها عائلته إلى الضغط النفسي الذي تعرض له في الأشهر الأخيرة باعتباره مريض قلب، أما فايزة وآية فقد اختارت دائرة الهجرة توقيتها الحالي لإرسال قرار ترحيلهما في مدة أقصاها شهر من تاريخ التبليغ، هي ذات المدة التي كانت تفصلهما عن امتحان الثانوية والتخرج أملاً في رسم ملامح مستقبل مهني، استلمتا قبعة التخرج التي تحمل اسميهما لتحتفلا بعد شهر من الآن بانتهاء مرحلة وبداية أخرى، إلا أن الحكم لم يمهلهما هذا الوقت. تطول القائمة لتشمل أمهات مع أطفالهن، وعائلات ستفترق بسبب اختلاف طبيعة لجوء أفرادها.
الترحيل بدأ منذ العام الماضي، سبقتها إنذارات وتبليغات، فما هو سبب تكثيف العمل وتحرك المنظمات؟ هل هو تصعيد الحكومة ورفضها عدداً كبيراً من اللاجئين تجاوز في الأشهر الماضية كل قضايا 2020؟ أم أن خصوصية القضايا أثبتت تعامل الدنمارك مع اللاجئين ككتلة واحدة، دون دراسة لفردية الحالات والمعطيات الخاصة بها؟ كيف لفتاة مثل آية أو فايزة العودة؟ وما هي معايير الحكم بالإبعاد؟ كلاهما يمثلان نموذجاً إيجابياً للاندماج في تعلم اللغة، الدراسة، الأصدقاء… ورغم ذلك تمت معاملتهما كأي عاطل عن العمل ينتظر معونة الدولة المالية، لم يتعلم اللغة ولم يفلح في إكمال دراسة أو الحصول على أصدقاء. وإن كان هذا ما ستؤول الأمور إليه، فلم إصرار الحكومة على برامج الاندماج؟ أم أن اللاجئ ليس إلا “شماعة” تصلح لتعليق أزمات الدولة الاقتصادية، وقصور خططها في استخدام الموارد البشرية للمهاجرين/اللاجئين في سوق العمل… أم هو ورقة سياسية تتلاعب بها الدول، لضمان مصالحها وبقاء سلطة أحزابها الحاكمة؟
لم تسمح حكومات الدنمارك المتوالية منذ بدء توافد اللاجئين إليها في السنوات العشر الأخيرة تزامناً مع ثورات الربيع العربي، إلا بأمان مؤقت، مشروط ومتغير في قوانينه وتجاذباته السياسية، مع الإعلان المستمر لسياسة عدم دعم ملف اللاجئين الذي بدأ بالتغير منذ 14نوفمبر تشرين الثاني 2014، حيث حرمت النساء اللواتي دخلن الدنمارك بعد هذا التاريخ من حق اللجوء السياسي، كذلك الرجال الذين تجاوزت أعمارهم الخامسة والأربعين، ليتم استبدالها بالحماية المؤقتة أو اللجوء الإنساني، مع وجود حالات استثنائية باستطاعتها تقديم وثائق تثبت حق لجوئها السياسي، بناءً على اعتقال سابق، أو إمكانية الاعتقال في حال العودة… وغيرها من المخاطر السياسية غير المرتبطة بالعمليات العسكرية وهو أمر يصعب إثباته في أغلب الحالات. نقطة التحول هذه التي أقرها البرلمان عام 2019 ترافقت مع وجوب توقيع اللاجئين على موافقة العودة في حال تحسن الأوضاع في بلد المنشأ (ضمن مجموعة أوراق وبيانات يقوم اللاجئ بتوقيعها)، تلاها تشديد قوانين الحصول على الإقامة الدائمة، وخفض الحكومة السابقة 50% من قيمة المساعدة المالية الشهرية، باعتبارها خطوة تدفع اللاجئين للاندماج في سوق العمل وفقاً لرأي الحكومة، في الوقت ذاته على اللاجئ الانتساب إلى مدارس اللغة وتسجيل الحضور، وبالطبع التشديد على ضرورة العمل التطوعي… كل ذلك لم يندرج تحت برامج اندماج تسمح بالاختيار، وإنما هي شروط للبقاء، وإن كان بقاءً مؤقتاً.
اتبعت الحكومة الحالية النهج ذاته، بل زادت عليه رفع قيمة التعويض المالي للراغبين في العودة الطوعية إلى سورية، وإعادة فتح جميع الملفات ودراسة أسباب اللجوء لكل قضية.
حقوق الإنسان لم تعد حُجّة
تصعيد الحكومة وإصرارها على الاستمرار في سحب إقامة 900 لاجئ حتى نهاية العام الحالي، وتصريح وزير الهجرة ماتياس تيسفاي بعدم جدوى ظهور اللاجئين ومناصريهم على وسائل الإعلام، وأن التذرع بقوانين حقوق الانسان لن يغير سياسة الحكومة أو قراراتها حرك الرأي العام وبدأت المنظمات المدنية ومجموعة حقوقيين ومحامين بالتنسيق فيما بينها، صرح عضو إدارة منظمة فنجان عاصم سويد لجريدة الناس نيوز الأسترالية الإلكترونية ” نقوم بتنظيم عدد من حملات المناصرة، نتعاون مع كل المنظمات، الجمعيات والأفراد الداعمة لقضايا اللاجئين، ونحاول من خلال تضافر الجهود تقديم خدمات مدروسة لأصحاب القضايا، من خلال وصلهم بمحامين مختصين في شؤون الهجرة واللجوء، إضافة إلى فيديوهات توضح عددا من النقاط القانونية التي يحتاج اللاجئ معرفتها في حال استدعائه، لذا عملنا كمنظمة يركز في خطابه على السوريين، ونتعاون مع الأطراف الدنماركية التي قسمت عملها وخطابها في عدة اتجاهات، مثل مخاطبة الأحزاب السياسية، إجراء استبيانات رأي، التركيز على الإعلام والسوشيال ميديا للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الدنماركيين“
ومن خلال متابعة عمل المنظمات المدنية الدنماركية نلحظ تركيزها على مستويين، الأول يتوجه في خطابه إلى المواطن الدنماركي، من خلال الإعلام، وسائل التواصل الاجتماعي، رسائل فردية وجماعية للأحزاب السياسية وطلب الدعم لصالح حق اللاجئ في حياة آمنة، مع تضمين الرسائل بوثائق، بيانات، شروحات حول حقيقة الوضع الأمني السوري، إضافة إلى ربط كل ما يحدث بقيم المجتمع الدنماركي، وأهمها التكافل كقانون وليس كحالة اجتماعية فقط، مما يجعل القيمة الإنسانية للفرد هي الأهم. وهذا ما أكد عليه الإعلامي نيلس إيفار “أعتقد أن وسائل الإعلام، وخاصة قناتي DR- TV، تتحمل مسؤولية كبيرة لعدم عرضها كل القصص المفجعة التي نسمع عنها هنا يوميًا على Facebook. لدي أصدقاء كثر ليسوا على الفيس بوك، ولا يعرفون على الإطلاق عدد الأشخاص ولا طبيعة الحالات ومدى قسوة عمليات الإعادة غير المعقولة إلى الوطن. لابد أن يستجيب الدنماركيون إن كانوا على دراية بما يجري، ولا أستطيع التصديق بأنهم غير مبالين بقيم الانسانية، أو لا يَرون إساءة استخدام السلطة”.
قد لا يؤثر هذا الخطاب على السياسيين، إلا أن أثره على الدنماركيين “القدامى” كبير، فقد قضوا أعمارهم في تحقيقه، إضافة إلى عدد لا بأس به ممن يرون في قرارات هذه الحكومة ما يخل بقواعد الديمقراطية واستخدام السلطة في تغيير القانون. مستوى الخطاب الثاني يتوجه إلى القضاء، حيث يتم جمع كافة القضايا، وتوجيه أصحابها للجهات المختصة، ودراسة الحالات، وزيادة الوعي كما في الدليل التوضيحي الذي نشره مركز مساعدة اللاجئين الدنماركي DRCوتضمّن كل المعلومات الأساسية عبر الرابط والاستناد في محاججة الأحكام إلى القوانين الدولية تحديدا البند الثامن من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان اضغط هنا
إلا أن الحكومة صرحت بعدم خرقها للقانون أو الاتفاقيات الدولية، في حين تسعى منظمات حقوقية وأفراد إلى رفع دعاوى قضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. (عدم ذكر اسم المنظمات التي تقوم برفع الدعوى، وكذلك أسماء أصحاب القضايا بطلب من الطرفين ..)
لكن هل الاستناد على البند الثامن الخاص بالأسرة سيكون كافياً للضغط على الحكومة بالتراجع؟ ربما سينحصر هذا التراجع إن تم على قضايا فردية، لكم ماذا عن تغيير قانون ما في الدنمارك وما هي الآلية المتبعة؟
تتألف الحكومة في الدنمارك من عدة أحزاب، إلا أن (S) Socialdemokratiet
(الحزب الاجتماعي الديمقراطي) على غير العادة يحكم بمفرده حالياً، وبالتالي فهم يعتمدون على أصوات دعم كلا الجانبين من الطيف السياسي (اليمين واليسار) في سَن القوانين.
وجدير بالذكر أنه تم انتخاب الحكومة الحالية (S) بناءً على تفويض من الأحزاب الأخرى، بعد أن وعدوا باستمرار اتباع نهج القسوة في قضايا الهجرة / الاندماج واللاجئين.
فإن بدأ Socialdemokratiet في التساهل مع ملف الهجرة/اللجوء، سيفقد ثقة اليمين به، وسيتحرك الأخير ضده، لذا يحتاج S للبقاء في المنتصف ما لم يتم الضغط الشعبي عليه (اليمين واليسار) لتغيير القوانين.
ورغم كل الحشد الشعبي ، حتى اليوم ، لم يصل عدد الأصوات إلى 50 ألفاً وهو ما يحتاجه أي قانون، طرح، أو تعديل، للتداول في البرلمان والتصويت من قبل الحكومة.
وهنا يأتي دور الأحزاب الداعمة للاجئين وعدد أصواتها وحجتها السياسية، منها ما أشار إليه حزب Socialistisk Folkeparti (SF) عن سحب الحكومة لطاقم سفارتها في دمشق بسبب عدم استقرار البلاد هناك، فكيف أمكنهم إعادة المدنيين رغم امتلاكهم أسباباً تستدعي الخوف على الحياة. ولأي حد يتناقض قرار الحكومة بالترحيل بعدم قدرتهم على تنفيذه لعدم وجود علاقات دبلوماسية أو اتفاق مع النظام في سوريا بما يخص إعادة اللاجئين، لذا إن تجاوز اللاجئ مهلة المغادرة سيتم نقله إلى كامبات الترحيل إلى أجل غير مسمى، تحت رقابة وقوانين مشددة باعتبار وجوده لم يعد قانونياً في البلاد.
حتى الآن ووفقاً للقانون الدنماركي ما تقوم به الحكومة مدروس ويستند على وثائق تحمي قراراته، هو ليس بجديد، لكن الملفت هذه المرة ترافقه مع تصريحات بعض الدول الأوروبية بإعادة اللاجئين إلى سوريا وتشديد شروط الحصول على جنسية أو إقامة دائمة… وكلٌّ يستند إلى أسباب وذرائع تتناسب مع سياسة دولته، وقد بدأ ذلك منذ سنوات بإعلانات طرقية في ألمانيا مثلاً تحث اللاجئين على العودة إلى أوطانهم التي تحتاجهم، وتقديم عروض مادية مغرية للعودة الطوعية في الدنمارك. يبدو التحليل الأولي مرتبطاً بسياسة الأحزاب اليمينية، (رغم أن الحزب الحاكم في الدنمارك هو يمين وسط)، إلا أن رصد الأحداث، وربط تراتبيتها يشير إلى ماهو أبعد من ذلك سياسياً، وما زالت القضية مفتوحة على أمل تغير المعطيات.

