ميديا – الناس نيوز ::
درج – وائل السوّاح – لا يمكن التعامل مع ما يحصل في كاليفورنيا كحوادث عرضية، بل هي عناصر مدروسة ضمن مخطط سلطوي أشمل. فعلى مدار العام الماضي، عمد دونالد ترامب إلى تفكيك الرقابة المدنية على وزارة الدفاع بشكل منهجي، وطرح فكرة اعتقال خصومه السياسيين، وأعرب صراحة عن إعجابه بالسلطة المطلقة التي يتمتع بها مستبدون مثل شي جين بينغ. هذا النمط لا يكشف عن رئيس يسهر على حماية الجمهورية، بل عن طاغية يقترب بسرعة من النموذج الاستبدادي الذي يبجّله من دون مواربة.
في مسلسل Designated Survivor (الناجي المعيَّن)، يواجه الرئيس توم كيركمان، الذي تولى منصبه حديثاً بعد كارثة تفجير هائل في الكونغرس أودى بحياة الرئيس ونائبه وكل أعضاء الحكومة الأميركية، تحدياً كبيراً من حاكم ولاية ميشيغان، جيمس رويس. بعد الهجوم المدمر على مبنى الكابيتول، يبدأ رويس في تحدي إدارة كيركمان الناشئة علناً، ويتخذ إجراءات متطرفة تنتهك الحريات المدنية داخل ولايته، مستهدفاً بشكل خاص السكان المسلمين من خلال فرض حظر التجول والاعتقالات.

وراح يشكك رويس صراحة في شرعية كيركمان كرئيس ويرفض الامتثال للتوجيهات الفيدرالية، بما في ذلك أمر كيركمان بوضع الحرس الوطني في ميشيغان تحت السيطرة الفيدرالية. في مواجهة هذا التحدي المباشر لسلطته وسلامة المواطنين، يتصدى كيركمان لرويس، ويأمر في النهاية بالقبض عليه بتهمة الخيانة العظمى فور وصوله إلى واشنطن العاصمة، ما يشكل تأكيدًا دراميًا للسلطة الفيدرالية في وقت الأزمات الوطنية.
غالبية من تابع هذا العمل السياسي المشوّق فعلوا ذلك على الأرائك، يحتسون مشروباتهم، غير مصدقين أن حدثاً كهذا قد يقترب يوماً من أرض الواقع. حتى وقت قريب، لم يحدث. لكنه الآن بات قاب قوسين، وإن بصورة معكوسة.
الرئيس الحالي لأميركا هو رجل يسعى بكل طاقته إلى فرض حكم ديكتاتوري، والحاكم المهدد بالاعتقال ليس إلا حاكم أكبر ولاية ديمقراطية في البلاد: كاليفورنيا.
على مدى سنوات، أعرب دونالد ترامب عن إعجابه الشديد بالقادة الاستبداديين والديكتاتوريين، وهو ما يثير قلق الكثير من الأميركيين حول التزامه بالقيم الديمقراطية. هو مغرم بديكتاتور المجر فيكتور أوربان، وصديق مخلص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وشدّما أبدى تقديره للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بل وحتى بخصمه الرئيس الصيني شي جين بينغ والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وغالباً ما يبرر انبهاره بهم بـ “قوتهم” وقدرتهم على “إنجاز الأمور،” من دون أن يكترث لسجلاتهم الرهيبة في قمع المعارضة وانتهاك حقوق الإنسان. ويتساءل هذا القسم من الأميركيين حول ما إذا كان ترامب لا يفضل حقاً نموذج الحكم الذي يركز السلطة في يد شخص واحد، على حساب المؤسسات الديمقراطية ومبدأ الفصل بين السلطات.

لم يعد سرّاً أن ترامب يتوق إلى أن يصبح ديكتاتوراً. وما إرساله الجنود الاحتياطيين قبل أيام – ومشاة البحرية الأميركية اخيراً – إلى لوس أنجلوس على الضدّ من رغبة حاكم الولاية، غافن نيوسوم، ومحاولاته السابقة لاستخدام الجيش ضد متظاهري حركة جورج فلويد، سوى دليل يكشف استعداده لتجاوز الأعراف الراسخة وربما اختراق الحدود القانونية من لمكاسب سياسية. وفوق ذلك، فإن رغبته في “كسر رؤوس” المتظاهرين وتساؤله عن إمكان إطلاق النار عليهم، كما يروي وزير دفاعه السابق مارك إسبر في مذكراته، يثيران قلقاً خاصاً، إذ تُظهر استعداداً للنظر في استخدام القوة المفرطة ضد مواطنين أميركيين يمارسون حقوقهم المكفولة في التعديل الأول للدستور.
يتناقض هذا الأمر بشكل صارخ مع المبادئ الديمقراطية الأميركية، التي يقتصر دور الجيش فيها على حماية السكان ودعم الدستور، وليس العمل كأداة لقمع المظالم السياسية. ويؤيد هذا الزعم تعيينه اللاحق مسؤولين مثل بيت هيغسيث وزيراً للدفاع. وأكد هيغسيث، الذي كان مذيعاً في قناة فوكس نيوز، أنه لن يعترض من حيث المبدأ على استخدام القوة ضد المتظاهرين.
وقبل أيام، أمام عدسات الكاميرات وصمْتِ الحكومة المتخاذلة، فعل الرئيس دونالد ترامب ما لم يفعله أي رئيس أميركي حديث، إذ أرسل قوات عسكرية إلى مدينة أميركية كبرى ليس للدفاع عنها من الأعداء الأجانب أو الكوارث الطبيعية، بل لإسكات شعبها.

ومن دون أن يولي أي اعتبار لاعتراضات حاكم كاليفورنيا وعمدة لوس أنجلوس، قام ترامب بفدرلة الحرس الوطني للولاية، ثم نشر 700 من مشاة البحرية لمواجهة ما أسماه “تمرداً داخلياً”.
لم يكن التمرد في واقع الأمر سوى سلسلة من الاحتجاجات، كان معظمها سلمياً، اندلعت بسبب الغارات العنيفة لقوات الهجرة والجمارك (ICE) التي اجتاحت مجتمعات لوس أنجلوس بمركبات مدرعة وقنابل صوتية.
رد المحتجون في المدينة على الأساليب الهمجية للقوات الفيدرالية باحتجاجات كانت – وإن اتسم بعضها بالعنف – في معظمها معارضة سلمية. بيد أن المعارضة، في رؤية ترامب للسلطة التنفيذية، تساوي التمرد، وهي بالتالي غير مقبولة.
كان مشهد القوافل العسكرية وهي تجتاح شوارع لوس أنجلوس، المدينة الجارة لمدينتي – سان دييغو – والمعروفة بتنوعها وغناها الثقافي وقدرتها المدهشة على التأقلم والصمود، مخيفاً. بالنسبة إلي، لم تكن المشاهد خارجة عن المألوف، فقد رأيتها من قبل، ليس في أميركا، ولكن في وطني الأم، سوريا. وشاهدت صورها على التلفزيون، وقرأت عنها في فلسفات القادة المستبدين الذين ينبهر ترامب بهم علناً: فيكتور أوربان، فلاديمير بوتين، رجب طيب أردوغان، وعبد الفتاح السيسي، وأخيراً أحمد الشرع.
قادة يصنعون الأزمات لتبرير عمليات القمع، ويهدمون الرقابة المدنية باسم “الأمن القومي،” ويعاملون الاحتجاجات كتمرّد.
لا يسير دونالد ترامب نحو السلطوية الهوينى، بل يعدو صوبها عدواً. وليس هذا بالمبالغة، لأن أفعال الرجل تسابق أقواله. وسبق ذلك مؤشرات سابقة عليه.

ففي وقت مبكر من عام 2020، خلال احتجاجات جورج فلويد، سأل ترامب مستشاريه العسكريين عما إذا كان بإمكانهم إطلاق النار على المتظاهرين في الأرجل. وشجع العنف ضد المتظاهرين وحلم بهيمنة عسكرية تأتمر بأمره وتلبي رغباته.
ولكن طموحاته في ذلك الوقت كانت مقيدة بمعارضة كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين والمعايير القانونية. اليوم، اختفت جميع تلك الحواجز التي كانت تعيقه، فقد استبدل المعارضين بمتعاونين.
وعلى عكس جيم ماتيس ومارك إسبر، وزيري الدفاع في إدارة ترامب الأولى، لم يتوان وزير الدفاع الحالي بيت هيغسيث – الذي سحبه ترامب من استوديوهات فوكس نيوز – عن تلبية رغبات سيده، ولم يحاول تهدئة الأوضاع، بل ساهم في التصعيد العسكري. “حركوا الحرس الوطني فوراً…اجلبوا مشاة البحرية”.
وبالفعل في غضون 48 ساعة، تحركت وحدات المارينز، التي تستخدم عادة في الحروب الخارجية، لاحتلال مدينة أميركية، هذه المرة.
ولا يخطئنّ أحدٌ: لا يتعلق الأمر بإنفاذ قوانين الهجرة، بل يتعلق بجوهره، بإظهار القوة. فغارات قوات الهجرة والجمارك العنيفة التي أدت إلى الاضطرابات كانت مصمّمة خصيصاً لكي تستفز رد الفعل. وعندما جاء هذا الرد – أمهات تحمل لافتات، طلاب يهتفون، وسكان لوس أنجلوس يرفضون الصمت – اغتنم ترامب الفرصة لتأكيد الهيمنة الفيدرالية. نعم! لم تكن مهمة الجيش في لوس أنجلوس حماية الأرواح، بل إرسال رسالة للأميركيين: الرئيس، وليس الشعب، هو من يقرر ويحدد قواعد اللعبة.
هذا التكتيك ليس خطيراً فحسب، بل هو أيضاً غير دستوري، فقانون “بوسي كوميتاتوس” (Posse Comitatus) يحظر صراحة على القوات المسلحة الفيدرالية إنفاذ القانون المحلي من دون استدعاء قانون التمرد.

لم يكلف ترامب نفسه عناء ذلك. فقد اعتمد على الغموض والترهيب، تماماً كما فعل طوال مسيرته السياسية. من خلال وصف الاحتجاجات بأنها “تمرد” وتسمية لوس أنجلوس “منطقة فوضى،” منح نفسه صلاحيات استثنائية، لم تكن ضمن اختصاصه دستورياً قط.
يحدّ قانون بوسي كوميتاتوس الصادر عام 1878 بشكل أساسي من استخدام القوات المسلحة الفيدرالية في مهام إنفاذ القانون المدني داخل البلاد، ويهدف إلى الحفاظ على الفصل الواضح بين الأدوار العسكرية والمدنية، لضمان عدم تحول الجيش إلى قوة شرطة داخلية وحماية الحريات المدنية، مع وجود استثناءات محددة مثل قانون التمرد الذي لم يستدعه ترامب.
الهدف الحقيقي ليس مدينة، بل الجمهورية نفسها. المذكرة التنفيذية لترامب التي صدرت بالتزامن مع نشر القوات تفوّض التدخل الفيدرالي ليس فقط في أي منطقة قضائية تشهد احتجاجات، ولكن أيضاً في تلك التي “من المرجح أن تشهدها.” هذه اللغة الغامضة والمخيفة تفتح الباب أمام عسكرة استباقية للمعارضة في أي مكان بأميركا. إنها ليست استراتيجية، بل هي عقيدة: المعارضة تساوي التمرد؛ والتمرد يبرر استخدام القوة.
لا يمكن التعامل مع ما يحصل في كاليفورنيا كحوادث عرضية، بل هي عناصر مدروسة ضمن مخطط سلطوي أشمل. فعلى مدار العام الماضي، عمد دونالد ترامب إلى تفكيك الرقابة المدنية على وزارة الدفاع بشكل منهجي، وطرح فكرة اعتقال خصومه السياسيين، وأعرب صراحة عن إعجابه بالسلطة المطلقة التي يتمتع بها مستبدون مثل شي جين بينغ.
هذا النمط لا يكشف عن رئيس يسهر على حماية الجمهورية، بل عن طاغية يقترب بسرعة من النموذج الاستبدادي الذي يبجّله من دون مواربة.
لا نتحدث هنا عن سيادة ولاية كاليفورنيا فحسب، ولا عن حقوق المهاجرين غير النظاميين، بل عن المبدأ الجوهري الذي تقوم عليه الولايات المتحدة الأميركية: فكرة ألّا أحد فوق القانون، وأن الجيش يخدم الدستور لا نزوات رجل. وليست المأساة في ما يفعله ترامب فقط، بل أكثر في ما يحجم الآخرون عن فعله والرد عليه.
أين الكونغرس؟ أين أصوات حكّام الولايات؟ أين القادة العسكريون الذين أقسموا ذات يوم ألا يوجّهوا أسلحتهم نحو الشعب الأميركي؟ الصمت، في هذه اللحظة، تواطؤ.
وعود على بدء: لا تزال خطوات الرئيس ترامب في بداياتها، ولكنها خطوات متسارعة. وحتى الآن لا تزال تهديداته بخصوص اعتقال الحاكم نيوسوم جعجعة بلا طحن. من الناحية القانونية، لا يمتلك رئيس الولايات المتحدة صلاحية إصدار أمر مباشر باعتقال حاكم ولاية وهو لا يزال في منصبه لمجرد معارضته سياسات أو إجراءات فدرالية.
يمنح الدستور الأميركي الولايات قدرًا كبيرًا من الاستقلالية، ولا يُعدّ حكام الولايات تابعين للرئيس. وأي ملاحقة جنائية لمسؤول في ولاية ما يجب أن تمر عادة عبر وزارة العدل، وتتطلب فتح تحقيق وتوجيه اتهام وإجراء محاكمة وفقًا للقانون الفدرالي المعمول به.
في ما يتعلق بحاكم ولاية كاليفورنيا، غافن نيوسوم، لم تُقدّم إدارة ترامب تهماً رسمية أو شكاوى قانونية تبرر اعتقاله. صحيح أن المدير السابق لوكالة الهجرة والجمارك، توم هومان، لمّح إلى إمكانية ملاحقة مسؤولين “تجاوزوا الخط،” إلا أنه أوضح لاحقاً أنه لا توجد نية حالية لاعتقال نيوسوم، مشيراً إلى أن المسألة تقع ضمن صلاحيات وزارة العدل.
وأي خطوة غير مسبوقة من هذا النوع، يُقدم عليها رئيس من دون مسوغ قانوني واضح، من شأنها أن تُفجّر أزمة دستورية حادة وتواجه اعتراضًا فوريًا وقويًا في المحاكم، إذ لا يرد في التاريخ الأميركي أي سابقة لرئيس أمر باعتقال حاكم ولاية فقط لأنه عارض تنفيذ إجراءات فدرالية. ومع ذلك، من كان يعتقد في صباح الإثنين 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1922، عندما عين ملك إيطاليا إيمانويل الثالث زعيم الحزب الفاشي، بينيتو موسوليني، رئيساً للوزراء، أن الرجل سيصبح بعد سنوات الحاكم المطلق لإيطاليا عقدين ونيّفاًً من السنوات، وسيموت بعدها إعداماً، ولكن بعد أن يغيّر إلى الأبد وجه العالم؟
لا يبدأ الطريق إلى الحكم الاستبدادي بالدبابات، بل يبدأ باختلاق الأعذار، ويتكرّس بالتصفيق. وبحلول اللحظة التي تصبح فيها الأزمة حقيقية، تكون الجمهورية قد فُقدت بالفعل.
رأينا ذلك في إيطاليا الفاشية وفي تشيلي بينوشيه وفي فينزويلا تشافيز وفي سوريا الأسد. واليوم نراها في لوس أنجلوس. ولا يظنّن أحد أنني أهوّل الأمر. فما حصل في هذه المدينة مجرد اختبار – سؤال موجّه إلى الشعب الأميركي: هل ستسمحون بهذا؟ هل ستجعلونه أمراً طبيعياً؟
لقد أظهرت لنا دروس التاريخ كم يمكن أن تكون الإجابة بـ “نعم” خطراً.





