ميديا – الناس نيوز ::
واشنطن بوست – ديفيد اغناشيوس –
عند التفكير في الانتقال السياسي الذي تحتاجه إيران بشدة، يكون من المفيد إجراء تجربة فكرية: متى نجحت المحاولات الخارجية في تشجيع التغيير السياسي، ومتى جعلت الوضع أسوأ؟
إن قائمة الأمثلة السلبية طويلة، ويُعدّ العراق وأفغانستان أكثرها مرارة في العصر الحديث، لكن يمكن القول إن إساءة استخدام القوة تشكّل اللحن المتكرر في السياسة الخارجية الأميركية الحديثة، وسلسلة من الإخفاقات تطوّق العالم من كوبا إلى الصومال، ومن نيكاراغوا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.
لسنا وحدنا في عجزنا عن استخدام القوة العسكرية لفرض تغيير سياسي، فقد حاولت إسرائيل، التي يُفترض أنها سيدة العمليات السرية، من دون نجاح، إرغام الفلسطينيين على تعايش خاضع على مدى نصف قرن.
كما لم تحقق الصين نتائج أفضل في محاولتها كبح الديمقراطية التايوانية، ولا نجحت روسيا في حملتها لخنق السيادة الأوكرانية، إذ تميل الضغوط الخارجية إلى زيادة عزيمة الشعوب صلابة بدل كسرها، لذلك، ينبغي التفكير بعناية في الكيفية التي يجب أن تساعد بها الولايات المتحدة على إسقاط النظام الديني الاستبدادي في إيران، الذي قتل آلافًا من أبناء شعبه خلال الأسبوع الماضي، بحسب منظمة “إيران لحقوق الإنسان”.
إن قصف القوات العسكرية والأمنية قد يبعث برسالة أخلاقية صارمة، لكنه هل يساعد فعلًا على فتح مسار نحو إيران حديثة وديمقراطية؟
يبدو أن الشكوك تتنامى لدى إدارة ترامب، شأنها شأن حلفائها في الخليج مثل السعودية وقطر، وهم محقون في التساؤل بهذا الشأن، وقال مسؤول أميركي رفيع سابق: “قاعدة متجر بوتري بارن خاطئة. إذا كسرتَ الشيء، فلن تملكه. لا يوجد ما يُمتلك”.
تشترك التدخلات الخارجية الناجحة في سمة واحدة: فهي تخلق شقوقًا داخل النخب الحاكمة أو تستغلها، ولا سيما داخل الأجهزة الأمنية، إذ يشجّع الدعم الخارجي الأفراد على القفز من السفينة بدل التمسك بهيكلٍ متداعٍ، ويجتذب النخب الساخطة عبر منحها فرصة للبقاء، بل وربما للازدهار، في ظل نظامٍ مستقبلي.
وللاستدلال على ذلك، يمكن البدء بالثورة الأميركية قبل 250 عامًا: فلم تهزم المساعدة الفرنسية البريطانيين، لكنها مكّنت قوات جورج واشنطن الرثّة من الصمود أمام هزائم متكررة، ثم الانتصار في نهاية المطاف، ولم يُسقَط الاتحاد السوفييتي بالقوة، بل تعفّن من الداخل، وقررت “كي جي بي” أن الخيار هو الإصلاح أو الفناء، ولم تتم الاطاحة بسلوبودان ميلوشيفيتش في صربيا بالقوة، بل انهار نظامه من تحته في انقلابٍ انتخابي شبه سلمي، ونجح “الطيبون” في كل هذه الحالات لأن الضغط الخارجي كان ثابتًا ومنهجيًا، لا نوبةً من العنف، فقد ضغطت وكالة الاستخبارات المركزية على الاتحاد السوفييتي من الأطراف، عبر شحن مصاحف إلى أوزبكستان ومخطوطات “ساميزدات” إلى موسكو، وليس من خلال المواجهةً مباشرة، وعندما بدأت نخب مثل بوريس يلتسين بالانشقاق، كانت واشنطن حاضرة لاحتضانهم، وتمكنت الولايات المتحدة من حلّ أجهزة أمنية ضخمة في دول أوروبا الشرقية مثل بولندا وألمانيا الشرقية عبر انتقالٍ متقن، لا عبر تصفية “الأشرار”.
أما المشكلة في إيران، فهي أن التهديدات الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب والحكومة الإسرائيلية، بدل أن تشقّ صفوف النظام، يبدو أنها عززت تماسكه، فقد قال لي فرزين نديمي، الخبير في الشأن الإيراني لدى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، يوم الأربعاء، إنه لا يرى “أي مؤشرات على تفكك أو تطهير أو رفض لتنفيذ الأوامر”، وواصل الموظفون الحكوميون وعمال النفط عملهم في الغالب على خلاف بعض الأزمات السابقة، أما الجيش النظامي، فيقول نديمي: “إنهم يكرهون النظام، لكنهم ظلوا صامتين”.
قد تكون قوات الأمن الإيرانية تربح معارك الشوارع هذا الأسبوع، لكن كثيرًا من المحللين ما زالوا مقتنعين بأنها خسرت الحرب، فالنظام لا يحافظ على سلطته إلا عند فوهة البندقية، وقد يقتل عددًا كافيًا من المعارضين ليصمد لأشهر، وربما لسنوات (وإن كنت أشك في الاحتمال الأخير)، لكنه لا يستطيع أن يحكم بفاعلية وهو قائم فوق كومة من الجثث.
وفيما يلي بعض السبل لتعزيز الانتقال في أعقاب مجزرة هذا الشهر.
ينبغي تشديد العقوبات وغيرها من أشكال الضغط على الأجهزة الأمنية، كما يجب إضافة حوافز لرجال الأعمال والقادة السياسيين لإظهار الاستقلالية، ويتعيّن إرغام إيران على فتح الإنترنت أو خسارة وصولها إلى المعاملات المالية الدولية، أما المحافظون الإقليميون في إيران، فهم غير مرتبطين بالحرس الثوري الإسلامي ويكنّ معظمهم العداء للنظام؛ وحيثما أمكن، ينبغي العمل معهم ومساعدتهم على الازدهار.
ويحذّر فالي نصر، الخبير البارز في الشأن الإيراني وعميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز سابقًا، من أن “نفقًا مظلمًا للغاية” ينتظر البلاد، ويقول: “لا توجد حاليًا في إيران حركة سياسية منظمة قادرة على قيادة الاحتجاجات وفرض السلطة في اليوم التالي، وتولّي الأمن والحكم”.
وإذا كان نصر محقًا، فيجب تغيير هذه المعادلات: على أصدقاء إيران أن يعملوا على أساس أن تغيير النظام حتمي، وأن يواصلوا التخطيط للمرحلة الانتقالية، وقد يكون رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، أسيرًا للماضي أكثر من اللازم لقيادة إيران جديدة، لكن مشروعه “ازدهار إيران” نشر في يوليو يعد مخططًا انتقاليًا ممتازًا، أكثر ذكاءً من أي شيء أنتجته الحكومة الأميركية أو المنفيون العراقيون قبل غزو عام 2003.
ينبغي دراسة هذه الخطة، أيًّا كان الموقف من بهلوي، فهي تفصّل، وكالةً بعد وكالة، كيفية إعادة بناء إيران متماسكة، وتعدّد 34 منظمة عسكرية واستخبارية وشرطية، وتشرح النهج الواجب اتباعه تجاه كل منها — بحلّ بعضها، والإبقاء على الأخرى بعد إخضاعها للتدقيق.
لا يشكّل “المعتدلون” الإيرانيون واجهة لإيران جديدة، لكن معظمهم يدرك أن النظام قد فشل، وهم ينتظرون وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي وفترة التحوّل الحتمية التي ستعقب ذلك.
ينبغي للولايات المتحدة أن تختبر شخصيات مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ووزير الدفاع السابق علي شمخاني، وحتى الرئيس مسعود بزشكيان.
ستنشأ لديهم حوافز لإنقاذ أنفسهم وعائلاتهم مع تراجع قوة النظام، ويقول مسؤول أميركي رفيع سابق: “إن القول إننا سنعمل مع أشخاص لديهم سياسات معقولة هو بحد ذاته سياسة جيدة”، أما الجزء الأهم في استراتيجية طويلة الأمد لتغيير النظام، فهو العمل مع الجالية الإيرانية المذهلة في الخارج، التي تمثّل إعلانًا حيًا عمّا يمكن أن تكون عليه إيران المستقبل المزدهرة.
ويقول دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبر”، لي هذا الأسبوع إنه يتحدث بانتظام مع مجموعة تضم أكثر من عشرين رئيسًا تنفيذيًا من الأميركيين الإيرانيين بشأن كيفية تشجيع الانتقال: “نحن مستعدون للمساعدة، ونحن مستعدون لتلطيخ أيدينا”، على حد تعبيره.
وكان خسروشاهي قد قال العام الماضي، عبر الفيديو، لمجموعة من أنصار المعارضة، إن “السماء هي الحد” لدور إيران المستقبلي بوصفها مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا، فلنرحّب بذلك! فالمعركة في الشرق الأوسط التي أودّ أن أراها هي معركة بين إيران وإسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة على التفوق التكنولوجي.
إن حملة الانتقال السياسي في إيران بدأت لتوّها على الرغم من القمع الدموي الذي جرى هذا الأسبوع، ويمكن لسياسة أميركية قوية وثابتة أن تساعد في نهاية المطاف على إغراق هذا النظام.
قد يبدو نظام خامنئي قويًا، لكنه وقّع هذا الأسبوع وبالدم، على شهادة وفاته.

الأكثر شعبية

هل تحتاج الأزمة بين السعودية والإمارات إلى زمن لحلها ؟


” الناتو” يعمل لتجاوز أزمة جرينلاند

