ريما بالي – الناس نيوز ::
في أثناء عرض مسلسل “النار بالنار”، نشر أحد أصدقائي الفيسبوكيين على صفحته، كثيراً من المنشورات التي تتغزل بمريم بطلة المسلسل التي جسدت شخصيتها الرائعة كاريس بشار، وتروي قصة لاجئة سورية في لبنان. بعد فترة قصيرة لا تتجاوز الأسبوعين، وتعليقاً على حملة الترحيل القسري للاجئين السوريين من لبنان التي نشطت مؤخراً، نشر نفس الصديق (وهو سوري) منشوراً ينتقد فيه بقاء اللاجئين هناك ويستغرب رفضهم العودة إلى بلدهم، مشبهاً إياهم أثناء تجمّعهم بقطيع الغنم.
وددت أن أعلق على منشوره بجملة: رفقاً يا صديقي، قد تكون مريم التي سحرتك طيلة شهر رمضان إحدى غنمات ذلك القطيع.
استغربت هذا الانفصال الكامل عن الواقع الذي يعيشه بعض الناس، وطريقة تلقيهم الأعمال الفنية والدرامية والأدبية، كأنها أساطير أغريقية أو حكايا ألف ليلة وليلة، من دون أن يقوموا بأي إسقاط للمحتوى على حياتهم الحالية، من دون أن يترك العمل أي سؤال في داخلهم، يدفعهم إلى قليل من التفكير، وقليل من الإنزياح عن مفاهيم وقناعات تحجرت في أذهانهم واستقرت كأصنام محرم عليهم تحطيمها… بوجود بشر كهؤلاء، لا يسعني إلا أن أقول: ياحيف… خسارة تعب الكاتب والمخرج والممثلين والفنيين والتقنيين أجمعين.
الكاتبة الصديقة نسرين خوري، كانت قد كتبت منشوراً (انتشر كثيراً على أغلب المواقع وذُيّل أحياناً بأسماء فلاسفة وأدباء وشعراء وعظماء كجبران ودويستوفسكي ومحمود درويش وسقراط وغيرهم)، قالت فيه: “العودة إلى البيت، رغم أنها أكثر الأفعال اعتيادية، تبقى أجمل ما يمكن أن يفعله المرء على الإطلاق”.
إن كان كلام نسرين صحيحاً (بدليل الانتشار الكبير للجملة، وإعجاب عشرات الآلاف بمضمونها) فلماذا لا يعود السوري إلى بيته؟ لماذا لم تعد مريم إلى بيتها ووطنها؟ لماذا لا يمارس السوري أكثر الأفعال اعتيادية؟ ما الذي يمنعه عن فعل أجمل ما يمكن أن يفعله المرء على الإطلاق؟ هل هي المئة دولار التي يتلقاها من الأمم المتحدة (إن توفرت للجميع)؟ أم الخيمة الممزقة التي لا تحميه من عواصف الشتاء ولا من لهيب الصيف؟ أم تراها المعاملة الدافئة التي يغدقها عليه جيرانه اللبنانيون؟
أسئلة كهذه قد تدفعنا الأعمال الفنية المحترمة إلى طرحها والتفكير بها والبحث عن إجاباتها، أعمال يفترض مثلاً أن تجعلنا نرى فيما كنا نراه قطيع غنم، شخصيات بشرية وقصص حياة ومعاناة وأحلام… ومريمات وحنانات.
فإلى جانب مريم /”النار بالنار”، لمعت حنان/ “تحت الوصاية”، بل توهجت من خلال المذهلة منى زكي التي جسدت الشخصية.
“تحت الوصاية”، مسلسل مصري عرض في رمضان، عالج قضايا مؤلمة ومؤثرة وفي غاية الأهمية، من وصاية أهل الزوج المتوفي على الأطفال وتجاهل دور الأم، إلى احتقار المجتمع العربي للمرأة في ميادين العمل، إلى ما وجدته الموضوع الأعمق والأهم: تحميل الأطفال مسؤوليات أكبر من سنهم وحرمانهم من حقهم في ممارسة طفولة حرة.
حنان الأرملة، أيضاً هربت بطفليها من مدينتها وبيتها، ولم تشأ العودة، فرّت من سيطرة أهل زوجها وتسلطهم عليها وعلى ولديها وسرقتهم لحقوقها، لجأت إلى مدينة أخرى لتبدأ حياة جديدة، لكن الأمور لم تكن سهلة كما توقعت.
حنان لم تكن أيضاً إلا لاجئة تركت بيتها ومدينتها واستوطنت بيتاً جديداً ومدينة أخرى، واستخرجت بطاقة شخصية جديدة باسم مختلف. حنان كانت مريم أخرى، لكن مع ولدين، ووجه خال من المكياج الأنيق المتقن.
كثيرون سبقوني إلى الكتابة عن كلا المسلسلين، لذلك لن أخوض في التفاصيل الدقيقة والفنية، إلا في تلك التي لفتتني بما أنني تابعت العملين في وقت واحد تقريباً ففرضت المقارنة نفسها.
“النار بالنار” للمؤلف رامي كوسا والمخرج محمد عبد العزيز، مسلسل ممتاز أجمع المشاهدون على الإشادة به، تميز بالأداء الباهر للممثلين، وإلى جانب العمالقة عابد فهد وكاريس بشار وجورج خباز، سحرني أداء الثنائي طارق تميم وساشا دحدوح (جميل وقمر)، والشاب تيم عزيز في دور بارود، تلك الشخصيات الثلاث الأخيرة كانت مكتوبة ومصممة بطريقة متقنة وجميلة، على عكس شخصية مريم التي تمثل أحد أهم مآخذي على العمل، فمن وجهة نظري، وجدت الشخصية غير متناسقة وغير منطقية، إذ تبدو أحياناً بسيطة وساذجة إلى حد البلاهة (مشهد المقابلة في الأمم المتحدة مثلاً) بينما في أحيان أخرى تظهر ذكية إلى حد الدهاء، ومحنكة إلى حد الحكمة.
لن أتوقف عند افتعالها ذلك الإلتواء في قدميها، على الرغم من أنني لم أحبه ولم أدرك الغاية منه، لكنني سأتوقف عند المكياج المتقن والمنمق والبالغ الأناقة الذي ظهرت به، وأستطيع أن أن أقول أن الماكيير في المسلسل كان جيداً إلى درجة أضرت بالعمل وبشخصية مريم على وجه الخصوص. فتاة بسيطة وكئيبة وترزح تحت معاناة ثقيلة، كان الأجدر بها أن تظهر بوجه خال من المساحيق، أو أن تظهر في أحيان معينة بماكياج رخيص سوقي نوعاً ما يتناسب مع شخصيتها الساذجة، ولن أستفيض لأقول إن خدعة الجمال الرباني لم تعد تنطلي على أحد! بربكم.
على عكس ذلك تماماً، قدم مسلسل “تحت الوصاية” شخصيته الرئيسة حنان. العمل الذي كتبه خالد دياب وشيرين دياب وأخرجه محمد شاكر خضير، أخرج بطلته بصورة ممتازة وحقيقية، إذ تنسى حين تراها أنك تتابع ممثلة من خلال شاشة وتظن أنك أمام عابرة سبيل في الشارع تطل عليها من خلال نافذة بيتك. بحاجبيها المهملين وبشرتها الممتعقة، أقنعتنا منى زكي بحنان، ولم يتوقف الإتقان في رسم الشخصية وتجسيدها على الشكل، بل تجاوزه إلى الروح والمضمون، صدّقنا هذه المرأة الساذجة بحدود والذكيّة بحدود، التي لا تمت إلى الجمال بصلة (ولا تحمل في الوقت نفسه عاهة أو تشوه)، لكنها ساحرة ومسكينة إلى أبعد الحدود، لغتها وأفكارها وتصرفاتها تتناسب مع كينونتها، ويأتي الإبهار من خلال ذلك الكيان البسيط والقوي في آن، إذ نتعلق بالشخصية ويتجلى لنا جمالها شيئاً فشيئاً، فننسى أننا وجدناها قبيحة في الحلقة الأولى، وتصبح في نظرنا أجمل نساء الأرض في الحلقة الأخيرة.
وكما طرح “النار بالنار” وبشكل ممتاز، قضية الأطفال الذين يتحملون مسؤوليات خطيرة تجعلهم ينضجون (بشكل مشوه) قبل الأوان: (بارود ورؤى)، قدم “تحت الوصاية” شخصية ياسين ابن حنان ذي العشر سنوات الذي تناط به مسؤولية رعاية أخته التي لها من العمر عامان في أثتاء خروج أمه إلى العمل لساعات طويلة. الطفل عمر شريف أدى الدور بأداء سلس ومدهش، لن أنسى المشهد الذي ثار فيه ياسين على أمه لما مزقت كرته حين نزل ليلعب مع رفاقه في الشارع مصطحباً اخته معه تاركاً إياها على قارعة الرصيف، كان رائعاً عندما قال: “اشمعنى أنا… ما هو كل العيال بتلعب كورة… زهقت…مابقتش عايز أأكل أختي ولا شربها ولا أوديها الحضانة”.
كثير من الآباء يفترضون أنه من الطبيعي أن يرعى الأخ الأكبر إخوته الأصغر منه، لكن هذا الإفتراض هو محض هراء، فما الطفل إلا طفلاً مهما كان ترتيبه في العائلة، ومن حقه كأي طفل أن يلهو وينمو في جو حر من مسؤوليات جسيمة كرعاية أطفال أخرين والاعتناء بهم.
يذكرنا هذا الأمر بموضوعنا الأصلي، اللاجئين… الذين لا تمنعهم ظروف الحياة الصعبة من الإنجاب بغزارة، بحجة أن الإخوة الكبار سيعتنون بالصغار، وبحجة أن الله لا يرسل طفلاً إلا ويرسل (رزقته) معه.
هو الجهل المعشش في تلك الخيام المنصوبة في مهب الريح، الجهل الذي جلبه بعض النازحين من بلادهم هناك، وهو الابن الشرعي للظلم والقمع والاستبداد والاهمال، والأب الشرعي للفقر والعنف والتخلف، وهو إحدى أهم القضايا المطروحة في المسلسل الثالث هنا، مسلسل “التغريبة السورية”… بمواسمه التي لا تنتهي، وشخصياته التي تبزّ شخصيات النار بالنار وتحت الوصاية في فرادتها وإبهارها.
ولن ينتهي مسلسل التغريبة السورية مادام الشعب يخشى العودة إلى الوطن… الكل يحب أن يعود إلى الوطن… وتلك العودة هي أجمل ما يفعله المرء في حياته، ولكن… أين الوطن؟ وما هو الوطن؟
أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ قال غسان كنفاني في رواية عائد إلى حيفا: الوطن هو ألا يحدث هذا كله.