دمشق – الناس نيوز ::
جنوبية – في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها سوريا، وبعدالإعلان عن تشكيل أول حكومة في البلاد بعد سقوط نظام الأسد بقيادة أحمد الشرع مساء أمس، السبت، برز اسم بشكل لافت في التشكيلة الوزارية: هند قبوات، التي أُسندت إليها حقيبة الشؤون الاجتماعية والعمل، لتكون بذلك المرأة الوحيدة في هذه الحكومة الوليدة.
هذا التعيين يحمل دلالات عميقة، فهند قبوات ليست مجرد اسم جديد على الساحة السياسية، بل هي شخصية تحمل في جعبتها عقوداً من الخبرة المتراكمة في ميادين شائكة ومعقدة كبناء السلام، والحوار بين الأديان، وتمكين المرأة، والدبلوماسية الدولية، والعمل الأكاديمي المتخصص. وأصبحت اليوم الوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة الجديدة.
النشأة والجذور: هوية متعددة الأبعاد ومنفتحة على الحوار .

تتميز سيرة هند قبوات بتنوع فريد في جذورها ونشأتها. فلقد وُلدت في الهند لعائلة مسيحية الديانة، لكنها شربت من معين الثقافة السورية حيث نشأت وترعرعت، مما منحها فهماً عميقاً لتركيبة المجتمع السوري وتنوعه الديني والاجتماعي.
ويبدو أن هذه الخلفية المسيحية لم تكن مجرد هوية شخصية، بل شكلت رافداً أساسياً لعملها الدؤوب لاحقاً في مجال الحوار بين الأديان، الذي اعتبرته ركيزة أساسية لتحقيق الوئام والسلام في بلد متنوع مثل سوريا.
يتجلى هذا بوضوح في تركيزها الأكاديمي والعملي على «بناء السلام بين الأديان»، وفي عضويتها الفاعلة بمنظمات مثل «مسيحيون سوريون من أجل السلام».
إنها خلفية لم تدفعها للانغلاق، بل على العكس، منحتها رؤية أوسع لأهمية بناء الجسور والتفاهم المتبادل بين مختلف المكونات. ومع حملها للجنسية الكندية إلى جانب جذورها السورية، اكتسبت هويتها بعداً دولياً إضافياً، عزز من قدرتها على التنقل والتأثير في المحافل العالمية.
وأعلنت مرارا أن موقف المسيحيين في سوريا هو ضد المجازر التي ارتبكها نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد ضد شعبه منذ عام 2011.
مسار أكاديمي استثنائي: تسليح بالعلم والمعرفة في خدمة السلام
لم تكن مسيرة هند قبوات في خدمة السلام وليدة الحماس العابر، بل ارتكزت على أساس أكاديمي متين ومتنوع. فبعد حصولها على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة دمشق، واصلت تحصيلها العلمي بنيل شهادة في القانون من الجامعة العربية في بيروت.

ثم اتجهت غرباً لتنال درجة الماجستير المرموقة في القانون والدبلوماسية من كلية فليتشر الشهيرة بجامعة تافتس في الولايات المتحدة. لم تتوقف عند هذا الحد، بل صقلت خبراتها بشهادات متخصصة في مجالات حيوية لعملها، كحل النزاعات والقيادة الاستراتيجية من جامعة تورونتو الكندية، وتقنيات التفاوض من كلية الحقوق بجامعة هارفارد، حيث أمضت فترة كباحثة زائرة في برنامج التفاوض المرموق.
هذا التراكم المعرفي توّجته بأدوار أكاديمية فاعلة، أبرزها منصبها كأستاذة مساعدة (أو مشاركة) ومديرة لبرنامج «بناء السلام بين الأديان» في مركز الأديان العالمية والدبلوماسية وحل النزاعات (CRDC) التابع لكلية كارتر لدراسات السلام وحل النزاعات بجامعة جورج ميسون الأميركية. وهو منصب شغلته وأدارت من خلاله البرامج المتعلقة بالشأن السوري منذ عام 2004، مما وفر لها منصة بحثية وتدريبية هامة، وأكد على مكانتها كخبيرة تجمع بين العمق النظري والتطبيق العملي في مجال دراسات السلام.
عقود في ميدان السلام: بناء الجسور وتضميد الجراح على الأرض.

إن السمة الأبرز في مسيرة هند قبوات هي ترجمة خبرتها الأكاديمية إلى عمل ملموس على أرض الواقع، حتى في أحلك الظروف التي مرت بها سوريا. فمنذ سنوات طويلة، انخرطت في جهود بناء السلام:
العمل المباشر في سوريا والمنطقة: لم تتردد، خاصة بعد اندلاع الثورة عام 2011، في قيادة وتنفيذ عشرات ورش العمل والبرامج التدريبية داخل سوريا (في مناطق حساسة كحلب وإدلب ومخيم أطمة للنازحين) وفي دول الجوار التي استقبلت اللاجئين (كإسطنبول وعمّان). ركزت هذه البرامج على تزويد السوريين بمهارات حيوية مثل حل النزاعات، التفاوض، تمكين المرأة، وتطوير المجتمع المدني.
تأسيس منصات للحوار: إيماناً منها بأهمية الحوار المنظم، أسست وأدارت “المركز السوري للحوار والسلام والمصالحة” في مدينة تورونتو الكندية، ليكون منصة للسوريين في الشتات للتلاقي والعمل من أجل مستقبل بلدهم.
التعاون الدولي: امتد نشاطها ليشمل العمل مع مؤسسات دولية مرموقة، حيث عملت كمستشارة وعضو في المجلس الاستشاري للبنك الدولي، كما تشغل عضوية مجلس إدارة منظمة «إنتربيس» (Interpeace) الدولية الرائدة في بناء السلام ومقرها جنيف، وهي أيضاً زميلة أولى غير مقيمة في المجلس الأطلسي، وعضو في مجلس إدارة «المنتدى الاقتصادي السوري».
تقدير دولي: لم تذهب جهودها سدى، فقد حظيت بالتقدير عبر جوائز هامة، أبرزها جائزة «صانعي السلام عملياً» من مركز تانينباوم للتفاهم بين الأديان في نيويورك عام 2007، وجائزة الدبلوماسية العامة من جامعة جورج ميسون عام 2009، مما يعكس الاعتراف الدولي بإسهاماتها القيمة.

صوت المرأة والمجتمع المدني: تمكين نحو مستقبل شامل
إلى جانب عملها العام في بناء السلام، أولت هند قبوات اهتماماً خاصاً بقضايا المرأة ودورها المحوري في تحقيق السلام المستدام والمساهمة في بناء المجتمع. يتجلى ذلك في ترؤسها لمنظمة «تستقل» (TASTAKEL)، وهي منظمة نسائية سورية تعمل على تمكين المرأة وتعزيز دورها في السلام والمصالحة من خلال برامج تعليمية وتوعوية. ومن أبرز مبادرات “تستقل” العملية، إدارتها لمركز محو الأمية للفتيات السوريات اللاجئات في جنوب تركيا، في تأكيد على أن التعليم هو بوابة التمكين والمستقبل. كما ترأست أيضاً «الجمعية النسائية السورية الكندية» في تورونتو.
يعكس هذا الجانب من نشاطها إيمانها العميق بأن أي سلام أو مستقبل لسوريا لن يكون مكتملاً ومستداماً دون مشاركة فاعلة وقيادية للمرأة في كافة المجالات.
على خطوط التفاوض السياسي: من المعارضة إلى محادثات جنيف
لم تقتصر مساهمات هند قبوات على العمل الأهلي والأكاديمي، بل انخرطت أيضاً في العمل السياسي المباشر ضمن صفوف المعارضة السورية، ساعية لترجمة رؤيتها للسلام إلى واقع سياسي.
شغلت مناصب هامة وحساسة، حيث كانت عضواً في الهيئة العليا للمفاوضات بين عامي 2015 و2017، ثم تولت منصب نائبة رئيس مكتب هيئة التفاوض السورية في جنيف بين عامي 2017 و2022.
هذه الأدوار وضعتها في قلب العملية التفاوضية الرسمية، حيث شاركت بفاعلية، كما تشير المصادر، في جميع جولات محادثات السلام الثماني التي جرت في جنيف برعاية الأمم المتحدة، ممثلةً للمعارضة ومساهمةً في صياغة مواقفها التفاوضية في مواجهة التحديات السياسية والدبلوماسية المعقدة للأزمة السورية.
كلمة الوزيرة قبوات أثناء تأدية القسم .
https://x.com/sanaajel/status/1906170274980004215?s=48
الوزارة الجديدة: آمال وتحديات في مرحلة مفصلية لسوريا
يأتي تعيين هند قبوات وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل ليتوج مسيرة حافلة بالعمل في مختلف مجالات بناء الدولة والمجتمع.
هذا التعيين، بصفته الوزيرة الوحيدة في الحكومة، يحمل رمزية كبيرة ويعكس إمكانية توجه جديد في سوريا ما بعد الأسد.
يُنظر إلى خبرتها الواسعة كأصل ثمين للوزارة الجديدة. ففي الشؤون الاجتماعية، يمكن لخبرتها في الحوار والمصالحة وتمكين المجتمع المدني والمرأة أن تساهم في رأب الصدع الاجتماعي، ومعالجة آثار الحرب النفسية والاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر هشاشة.
وفي مجال العمل، يمكن لخبرتها الدولية ورؤيتها الاجتماعية أن تساعد في وضع سياسات لمواجهة البطالة الهائلة، وإعادة دمج القوى العاملة، وتوفير شبكات أمان اجتماعي، وهي قضايا حيوية لتحقيق الاستقرار. كما أن شبكة علاقاتها الدولية قد تساعد في حشد الدعم والموارد لسوريا في هذه المرحلة الصعبة.
الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. فالتحديات هائلة أمام الوزيرة الجديدة والحكومة بأكملها. حجم الدمار الاجتماعي والاقتصادي يتطلب موارد وجهوداً جبارة. الانتقال من العمل في منظمات المجتمع المدني والبيئة الأكاديمية المرنة إلى جهاز الدولة ببيروقراطيته وتوازناته المعقدة يمثل تحدياً بحد ذاته. كما أن بناء الثقة مع شعب أنهكته سنوات الحرب والانقسام يتطلب وقتاً وجهداً وشفافية.


