دمشق – الناس نيوز ::
من كان يتخيّل أنني سأفتتح مطعماً يابانياً في دمشق؟ ومع ذلك، ها نحن هنا. اول مطعم ياباني من قبل ياباني اصلي.
هكذا يبدأ الحديث عن نفسه ومطعمه الشيڤ الياباني ايشيكو يامادا الذي افتتح مطعمه ” كومي مارو ” ( Kome Maru ) الجديد في العاصمة السورية دمشق مؤخراً .
ولشدة اعجابه بالحكم الجديد في دمشق ، وفق ما يكتب على وسائل التواصل الاجتماعي ، بدأ البعض من السوريين يسميه ” الشيڤ المجاهد الياباني “، أو الياباني ” الشاطر ” الذي وجد لنفسه سوقاً لا منافس له فيه .
ويقول يامادا أقدّم لكم كومي مارو (こめ丸)، مطعماً يابانياً وُلد من الذاكرة، ومن الحب، ومن رحلة طويلة بين وطنين.
ويضيف في بيان له بمناسبة افتتاح مطعمه ” على مدى أكثر من عقدٍ، لم يكن لدي متّسعٌ لطموح شخصي. بينما كان نظام الأسد يشن هجماته الوحشية على هذا البلد، لم يكن في ذهني سوى فكرة واحدة: تحرير سوريا. كان كل عملي مكرساً للثورة، وللسوريين المظلومين. كانت دراساتي متمحورة حول المعتقلين والمختفين قسراً. ولم يتغيّر هذا إلى اليوم”.
ويقول عدد من السوريين ان السيد يامادا يعشق سوريا والسوريين وهو تعلم جزء من الثقافة السورية وواظب على دراستها. ويقول “عندما انتقلت إلى دمشق، بدأ حلم صغير ينمو بهدوء ، وفكرة بسيطة أن أربط بين وطنيَّ العزيزين، بين جذوري وحاضري، من خلال الطعام” .
ينتمي جدّاي كلاهما إلى عالم الضيافة. كان جدّي مديراً عاماً لأحد الفنادق، أمّا جدّتي فقد بدأت العمل في نزل ياباني تقليدي. لاحقاً، افتتحا معاً مطعم صغير يقدم أطباق يابانية تقليدية مصنوعة باليد وبكل ما في القلب من إخلاص. أصبح ذلك المطعم مكاناً محبوباً، وقلباً نابضاً في مدينته. وكان نجاحه كبيراً.
لكن الحياة لم تكن رحيمة. بعد سلسلةٍ من التحدّيات القاسية وغير المتوقّعة، اضطرّا إلى إغلاق المطعم. وبعد فترة قصيرة فارق جدي الحياة.
منذ أقدم ذكرياتي، جدتي تعلّمني الطهي. بالنسبة لي، لم يكن الطعام مجرّد طعام. كان حبّاً، وانتماءً، وأماناً، وفرحاً.
ومن بين جميع الأطباق التي علّمتني إيّاها، بقي طبقان الأقرب إلى قلبي: لفائف السوشي (ماكي سوشي) وكرات الأرز المثلّثة (أونيغيري). صنعناهما معاً مراتٍ لا تُحصى، وتحمل كلّ واحدةٍ منهما ذكرياتٍ لا تُنسى. وهذان الطبقان سيكونان في صميم كومي مارو في دمشق.
عندما كنت مراهقاً، تائهاً ومثقلاً بالصعوبات، فكّرت كثيراً في الاستسلام. في كل عطلة نهاية أسبوع، كنت أهرع إلى منزل جدّتي، كملاذٍ صغير من الواقع. كانت تطهو لي الماكي سوشي والأونيغيري، لأنها تعلم أنهما المفضّلان لديّ.
طعامها منحني القوّة. منحني الدفء، والضحك، والقدرة على الصمود، والحب غير المشروط. لقد أنقذني، حرفياً.
اليوم، تخوض جدّتي معركةً مع مرض ألزهايمر. ذاكرتها تتلاشى يوماً بعد يوم. لكنّها ما زالت تتذكّر الأوقات التي قضيناها معاً في المطبخ، وكانت أيضاً من أوائل من فرحوا بتحرير سوريا العام الماضي.
بفضلها، تعلّمت الطهي بإتقان. عملت في عدّة مطاعم. لكن بالنسبة لي، لم يكن الطهي يوماً مجرد تقنية. الطهي هو لغتي في التعبير عن الحب. أطهو لأُظهر الاهتمام، ولأواسي، ولأشجّع، ولأعبّر عن الامتنان.
السوريون هم الناس الذين أحبّهم أكثر، وأحترمهم أكثر، وأشعر بأنني مدينٌ لهم أكثر. وأريد أن أطهو لكم.
بعد سنوات من القمع، يستحق السوريون الفرح، ويستحقّون أيضاً تذوّق الطعام الياباني الأصيل. بذلت جهدي لتقليل التكاليف قدر الإمكان أثناء استيراد المكوّنات من اليابان، حتى يتمكن أكبر عددٍ ممكن من السوريين من تذوق المطبخ الياباني الحقيقي.
في كوميمارو، أريدكم أن تشعروا بهذا الترابط. كلّ لقمة تحضر بعناية، خصيصاً لكم. إنها تربط بيني وبينكم، وبين إرثي وإرثكم.
وبينما لا تزال التحضيرات جارية لافتتاح المطعم، سيظهر كوميمارو لأول مرة من خلال مطعم مؤقّتٍ ضمن معرض دمشق الدولي للكتاب، من 5 إلى 16 شباط.
إن عملي لكومي مارو لا يعني انسحابي من عملي في منظمة اليابان تقف مع سوريا (SSJ) أو من مساري الأكاديمي. فهذا هو عمل حياتي، وسأظل مكرساً لهذا البلد ما حييت. لكني لا أرغب في تقاضي راتبٍ من منظمة وجدت لخدمة السوريين المحتاجين. وهذا المشروع هو منفصل عن SSJ وكل الدعم المالي من مستثمري ومن خلال هذا المشروع الصغير، أحاول فقط أن أؤمّن استمراريتي.
كومي مارو هو رسالة حبٍّ إلى سوريا، وطني الثاني.
وتكريمٌ لكرامة السوريين.
وإحياءٌ لإرث جدّيّ، إرث الصمود، والحب، والقوّة الهادئة.
أشكر جدّتي على الذكريات التي لا تنسى، والدتي لكونها اكثر داعم لي، وإخوتي. وأشكر فريقي على عملهم الدؤوب وتفانيهم، ولا سيما بلال. كما أتقدّم بجزيل الامتنان إلى معالي الوزير محمد صالح ووزارة الثقافة على دعمهم ومساندتهم، وإتاحة الفرصة لكومي مارو للظهور في معرض الكتاب.
وإلى جدّي: لتَرقد روحك بسلامٍ أبديّ. حياتك مُكرَّمة، وأرجو أن تكون فخوراً بهذا الفصل الجديد.
الأكثر شعبية


اتفاق “شامل” بين دمشق وقسد.. وواشنطن تعتبره “محطة تاريخية”


