محمد برو – الناس نيوز ::
لا شيء مما وراءه يشغله سوى الأماكن الفارغة التي تركها. يمضي كقطار مسافر لا يكترث بالعقبات ولا الحواجز. لا يعنيه من السفر إلا استمرار السفر فراراً من التوقف الذي سيغرقه في رمال النسيان، والنسيان تجلٍ من تجليات الموت.
يبدأ بشير البكر ،. الكاتب السوري ، رحلته في كتابه الجديد “بلاد لا تشبه الأحلام” متحدثا عن أساطير الجبال الأشقاء الثلاثة “عبد العزيز وكوكب وسنجار”، حيث ارتحل جبل سنجار إلى البعيد تجاه العراق فسكن الحدود بين سورية والعراق، وصنع لنفسه أساطيره الخاصة عن ساكنيه اليزيديين الذين تتحدث الخرافات عن عبادتهم للشيطان.
في الصفحات الأولى يأخذك الكتاب في رحلة صوفية وعوالم من التهويمات والذكريات، حتى إن القارئ سيختلط عليه الحد الفاصل بين الذكريات والأحلام وإعادة الخلق الشعري لهذين المتوازيين.
في هامشه الأول “الذئاب” يأخذنا إلى المدن التي تحكمها قطعان الذئاب، التي لا تتردد في أن توقف أي حافلة فتفتش ركابها وتهينهم على نحو استفزازي وتدمي وجوههم بل وتكسر أوصالهم؛ مدن مستباحة وخوف يجثم على الصدور، ورعب يخيم كالسحاب الأسود على الأفق. فروع أمنٍ تلاحق الكتاب والمثقفين هناك، يتم اعتقال جميل حتمل مراتٍ ثم ينجو بنفسه ليعالج قلبه في فرنسا وليقضي آخر أيامه مسكوناً بالحنين.

حين يقرر أخيراً أن يغادر وطناً لم يعد وطناً، يجد نفسه في كل منعرج واقفاً منتظراً رجل الأمن ليتثبت من قضية لم يدرك المسافر كنهها. أن تكون سورياً في عهد البعث الأسدي يعني أن تكون مسكوناً بالعديد من احتمالات الإدانة الجرمية التي لا تستطيع التأكد من نفيها أو إثباتها. هم وحدهم أولئك الذئاب الرمادية من يملكون حق تقرير مصيرك، ليعود رجل الأمن هامساً: “لن ترى هذه البلاد ثانية”؛ خيبة من خيبات كثيرة طالما سيألفها أي إنسان سوري يفكر بالخروج عن حالة الحلزون الملتصق بساق نبات هش. ذلك الإحساس بالانعتاق والقدرة على ملء الرئتين بالهواء النقي ثانية وعودة ضربات القلب إلى انتظامها الطبيعي لا يعرفه إلا من جرب الخوف بحدوده القصوى.
جميعنا في سجون الأسد المغلقة والمفتوحة نعرف هذا الشعور بشكل عميق؛ مضى على خروجي من المعتقل زهاء ثلاث وثلاثين سنة، وما إن أمر عبر أي معبر حدودي أو كوة جوازات سفر حتى يرتفع نبضي ليتجاوز الـ 150 نبضة في الدقيقة، وما إن يختم الجواز إيذاناً بانتهاء إجراءات السفر حتى يهمي على قلبي إحساس عارم بالطمأنينة والنجاة.
كتاب “بلاد لا تشبه الأحلام” (ربما هي أشبه بالكوابيس)، من الصعب تصنيفه كرواية أو مذكرات شخصية، أو مراجعة سياسية أو محاكمة لماضٍ مرهق ومسروق. هو تهويمات في فضاءات متنوعة تقدم شهادة مثقف وشاعر سوري عاش تلك العوالم المتناقضة، وشهد نجاحات وانكسارات وخيبات وأبطالاً منسيين، ومدناً متنوعة تعج بكل غريب وطريف ومألوف، كأنها جردة حساب شعرية لخمسين عاماً من المغامرات المستمرة. إنه نص شعري يغزل الذكريات المؤلمة بخيوط الزهو الذي يعيشه الناجون بعد مغامرة خطيرة تسير بهم على الحد الفاصل بين الحرية والتحطم في المعتقلات؛ رحلة الفرار الحذر من مدن تخنقها قبضات رجال الأمن وعيونهم، هناك في براغ، المدينة الفسيحة التي تحتضنه بتحفها الأثرية المنثورة في كل ساحة ومنعطف.
لا يأبه الشاعر في “بلاد لا تشبه الأحلام” لقوانين سيولة الزمن المستمرة للأمام، فهو ينعطف عبر أزمنة متباعدة أحياناً ومتسلسلة أحياناً أخرى، حيث تعود به الذكريات مرة إثر مرة إلى الحسكة، منارة جغرافيا المكان في ضمير صاحبنا، لينتقل فجأة إلى روائح البحر والورود والنساء العابرات في بيروت. إنه أقرب للتداعي الحر حيث يخرج القطار عن سكته ليتجول في الحقول والمدن والمراكب البحرية كيفما اتفق، لكن لا تتوقف تلك الأماكن عن إشعال مصابيح الذاكرة الحية وكأنها تكلمنا من داخلنا عن الأمس البعيد وكيف عشناه وكيف نعاود زيارته اليوم وكأننا نحاول استعادته. من الحسكة إلى حلب ودمشق وبيروت وبراغ، وصولاً إلى مدينة لا تشبهها أي مدينة، إنها إسطنبول؛ أزقة متعرجة وأخرى مستقيمة، هضاب وتلال لا تنتهي وبحر يطالعك أينما اتجهت. هذه الذكريات التي نسميها اليوم ذكريات الزمن الجميل بالرغم من كل مراراتها، فهي تختزل عالماً يضج بالحركة والسفر وصراع الأفكار، والمصادفات الجميلة، والحكايات البسيطة عن أناس عاديين وغير عاديين. كل هذا شكل زوايا كثيرة من حياتنا وتصوراتنا عنها وأضفى جمالاً غنياً صبغ هذه الحياة التي لا تتوقف كنهر غزير الجريان تحل مياهه كل يوم بعالم جديد.

عن هذا الزمن تكلم محمود درويش: “كان اكتشاف الذات في العربات، أو في المشهد البحري في ليل الزنازين الشقيقة، في العلاقات السريعة والسؤال عن الحقيقة”. هكذا التقى محدثنا بالكردية العراقية الشيوعية في مطار براغ “شيلان”، وبالشاب السعودي “منصور” الذي يزور بيروت كل فصل ليتنفس بعضاً من نسغ الحرية التي كانت تمنحها المدينة لكل زائر أو هارب.
في حضرة الذاكرة والمنفى. عند انتهائك من الإبحار في منعرجات الطرقات والأماكن وحكايات الأشخاص العابرين والمقيمين، ستكتشف أنك لا تطالع كتاباً لسيرة شخصية أو شهادة على زمن مضى، ستكتشف أنك تتحسس جراحنا الجماعية والفردية عبر خارطة من المنافي والتيه الذي لم ينتهِ بعد.
“بلاد لا تشبه الأحلام” في جوهره محاولة شجاعة لترميم جراحات الذات التي تناثرت وتبعثرت بين زنازين الوطن وأرصفة المنافي.
هو ذلك الشعور الموشوم على صفحات أرواحنا؛ نحن الهاربين من “بلاد الذئاب” وما زالت كوابيسها وعقابيلها تلهث خلفنا عند كل نافذة جوازات، وكأن “الخلاص” ليس فعلاً ناجزاً، بل هو القلق المستمر والتوجس الساكن فينا.
لقد برع الشاعر البكر في تحويل “الحنين” من محض عاطفة بكائية إلى بنية معرفية تفكك جذور الخراب والدمار.
إنه لا يبكي المدن الجميلة “الحسكة، بيروت، دمشق، حلب، براغ، قبرص”، بل يبكي الزمن الضائع الذي لم نعشه كما ينبغي كبشر نتمتع بالحرية بعيداً عن رهاب المنافي والمعتقلات.
هذا السرد القصصي المتقطع صرخة قوية في وجه الموت الثالث، وفعل مقاومة يتحدى النسيان والإمّحاء من الذاكرة.
هي حكايات تنصف المهمشين الذين يمرون بحياتنا كشهب عابرة. يكتب بشير البكر ليعلن أننا نكتب باستمرار كي لا نضيع في مطاوي النسيان، ولكي تبقى محطات القطارات حافلة بالمسافرين العابرين، والعائدين إلى بلاد تسعى أن تشبه الأحلام.
كتاب “بلاد لا تشبه الأحلام”
الكاتب الشاعر والصحفي السوري بشير البكر
من مطبوعات دار نوفل
يقع الكتاب في 250 صفحة




