محمد ملا رشيد – الناس نيوز ::
من يتابع المشهد السوري خلال السنوات الأخيرة، يدرك بلا عناء أننا أمام واقع مائع لا يمكن ضبطه بقواعد ثابتة؛ فالتحالفات تتبدّل بسرعة غريبة، والخصومات التي ظنناها أبدية تتحول إلى مصالح مشتركة بين ليلة وضحاها، حتى صار ما كان يُلعن بالأمس “ضرورة” اليوم، وما كان صنماً مقدساً أضحى مجرد “تفصيل سياسي” عابر.
وهذا الاضطراب ليس مجرد تقلب سياسي اعتيادي، بل هو علامة فارقة تدل على عمق أزمة التفكير السياسي عند الجميع، بدءاً من الأحزاب والفصائل وصولاً إلى القواعد الشعبية، حيث الكلام المعلن شيء، وما يدور خلف الأبواب المغلقة شيء آخر تماماً.

في مشهد اليوم، وبعد سقوط النظام، بدأت تطفو على السطح ترتيبات أمنية جديدة، من أبرز ملامحها النقاش الدائر حول ضم “قسد” إلى الجيش الوطني؛ وهي فكرة -مهما حاول البعض تجميلها- ستجمع في نهاية المطاف بين شخصيات كانت تعتبر بعضها “عدواً وجودياً لا يمكن التعايش معه”. نحن نتحدث هنا عن مظلوم عبدي من جهة، وعن قادة فصائل في الشمال مثل أبي عمشة وأبي حاتم شقرا من جهة أخرى. ورغم أن هذا النوع من الدمج قد يبدو طبيعياً أو إجرائياً من زاوية نظر نظريات “حل النزاعات”، إلا أن الموضوع عند الناس ليس بهذه البساطة؛ فالجماهير التي تعوّدت لسنوات طويلة على خطاب الكراهية والتخوين، كيف لها أن تتقبل فجأة أن “العدو” صار “شريكاً”؟ وهل نحن أمام مصالحة وطنية حقيقية تضمد الجراح، أم مجرد صفقة بين كبار اللاعبين بينما يُترك الجمهور وحيداً لخيباته ، أو هكذا نعتقد؟.
الغريب في الأمر أن المشكلة لا تكمن في تغيّر مواقف الفصائل، فهذا جزء من طبيعة السياسة، بل تكمن في “سيكولوجيا التبرير” والطريقة التي تتعامل فيها القواعد الشعبية مع هذه التغيرات. إذ تجد “المطبل” الذي كان يصرخ بالأمس ضد الطرف الآخر، أصبح اليوم يبرّر التقارب معه وكأنه كان مخططاً استراتيجياً منذ البداية. هذا السلوك ليس ذكاءً سياسياً، بل هو تناقض نفسي يحاول الناس التعايش معه؛ فبدلاً من مواجهة الحقيقة، يتم اختراع مبررات جاهزة تُستهلك حسب الطلب، فتصبح الخيانة “تكتيكاً”، ويتحول التنازل إلى “واقعية سياسية”، ويصبح الذهاب إلى أبعد النهايات المتناقضة “ضرورة ثورية”.

حين تصبح المصلحة الفورية أهم من أي مبدأ، تتحول القيم إلى سلعة موسمية؛ تأتي في موسم الحرب لتأجيجها، وتختفي في موسم التسوية لتمريرها. وهنا تبدأ الأخطار الحقيقية بالظهور، من التباس المعايير وفقدان الثقة، إلى شعور الناس القاتل بأن كل ما ضحّوا به كان بلا معنى، وهو شعور أخطر في تداعياته من أي صراع مسلح.
يجب التأكيد على أنه ليس كل تحالف بين الأضداد خطأً بالمطلق، وهناك تجارب ناجحة في دول أخرى، لكن الفارق الكبير يكمن في الأساس الذي يُبنى عليه هذا التحالف؛ فإذا كان مبنياً على العدالة واحترام الناس فهو خطوة إلى الأمام، أما إذا كان الهدف منه تدوير النفوذ أو إرضاء أمراء الحرب، فهو مجرد تأجيل لصدام جديد، فالقيم ليست شيئاً يمكن دمجه مع نقيضه، والعدالة لا تتعايش مع الظلم حتى لو وضعت الأيدي فوق بعضها.
المشهد السوري اليوم يقف أمام اختبار نوايا صعب ومكشوف؛ فليس مهماً كم بيان سيصدر، ولا كم صورة تذكارية سيُلتقط، بل الأهم هو الإجابة عن سؤال: هل تخدم هذه التحالفات الإنسان السوري فعلاً؟ أم أنها مجرد إعادة ترتيب للكراسي؟ إذا ترافق دمج الفصائل مع مراجعة فكرية واجتماعية حقيقية، فربما يكون هناك أمل، أما إذا كان الدمج مجرد “مظهر” يخفي تحته المحاصصة، فلن يتغير شيء.
في النهاية، ليست القضية فيمن يتحالف مع من، بل القضية هي أي نوع من البشر نريد أن نصبح؟ إذا بقيت الجماهير تتبع انفعالات اليوم وتبريرات الغد، فلن نخرج من هذه الدوامة، أما إذا قُدّمت القيمة فوق الولاء، والإنسان فوق التنظيم، فقد نبدأ أخيراً بتضميد الجراح؛ فاللقاء بين الأضداد قد يكون بداية شفاء، أو قد يكون -للأسف- مجرد خطوة نحو حرب قادمة.





