[jnews_post_author ]
قرأت مقالاً في موقعكم الموقر بتاريخ 12 أيلول 2020، للسيد أمير سعادة، عن الطائفية والحكم في سوريا قبل وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963. الكاتب أشار إلى أمثلة صحيحة في مرحلة الحكم الفرنسي، عن صالح العلي ومنير العباس وعبد اللطيف يونس، ولكنه تجاهل، إما عن قصد أو عدم معرفة، أربعة اغتيالات سياسية، حصلت جميعها على خلفيات طائفية، وكانت مؤشرا صارخا بأن كل شيء لم يكن على ما يرام في الجمهورية السورية.
ففي فجر الاستقلال، ظهر أربعة ضباط في الجيش العربي السوري الوليد، كانوا من خيرة العسكريين خبرة وسمعة وكفاءة، وكان بإمكانهم نقل المؤسسة العسكرية … والوطن الصغير… إلى مرتبة أرقى وأفضل، ولكن جميعهم اغتيلوا لأسباب طائفية، وفي قصتهم دليل على أن الطائفية موجودة منذ الأزل في هذا البلد، ولو كانت مبطنة أو مخفية.
الاغتيال الأول: محمد ناصر، ضابط علوي اغتيل بتاريخ 31 تموز 1950
كان العقيد محمد ناصر أحد أبرز الضباط العلويين في الجيش السوري، وقد وصل إلى مرتبة مدير مكتب العمليات ثم آمراً لسلاح الطيران. كان معارضاً شرساً لأديب الشيشكلي، مهندس الانقلاب الثالث في سوريا، ومؤيداً لفكرة سورية الكبرى التي نادى بها ملك الأردن عبد الله بن الحسين.
طالب العقيد ناصر بإبعاد العسكر عن السياسة، وبتقليم أظافر الشيشكلي، أُطلق النار عليه على مفرق كيوان في دمشق ونقل إلى المشفى حيث فارق الحياة بعد ساعات قليلة. ولكنه وقبل موته، كتب بدمه أسماء القتلة، وهما مدير المكتب الثاني المقدم إبراهيم الحسيني ونائبه الملازم عبد الغني قنوت. تم اعتقالهما فوراً ولكن الشيشكلي استخدم نفوذه الواسع في الجيش للحصول على براءة لهما، صدرت بتاريخ 7 تشرين الأول 1950.
يُعتقد أن أمر الاغتيال صدر عن الشيشكلي مباشرة، وكان أحد أسبابه خلفية محمد العقيد ناصر العلوية، فالشيشكلي كان لا يثق بالأقليات ويسعى لإبعادهم عن الجيش، كما كان ينظر لمحمد ناصر على أنه منافس له على زعامة الضباط السوريين الشباب.
الشيشكلي هو صاحب المقولة الشهيرة “احذروا الجبلين” (العلوي والدرزي) وخلال فترة حكمه (1951-1954) حصلت مجزرة في جبل الدروز، قتل فيها حوالي 500 شخص. ويذكر أن عبد الغني قنوت عاش طويلاً من بعدها وأصبح زعيماً لحركة الاشتراكيين العرب، كما شارك بتأسيس الجبهة الوطنية التقدمية مع الرئيس حافظ الأسد التي ظل عضواً فيها حتى وفاته سنة 2001.
الاغتيال الثاني: عدنان المالكي، ضابط سنّي اغتيل بتاريخ 22 نيسان 1955
العقيد المالكي كان من أشهر الضباط الدمشقيين السنّة في الجيش، وصل إلى منصب نائب رئيس أركان عام 1954، وهو في السادسة والثلاثين من عمره. مثله مثل أديب الشيشكلي، كان لا يثق بالأقليات ويحاول منعهم من الانتساب إلى المؤسسة العسكرية. تمت تصفيته خلال لعبة كرة قدم في الملعب البلدي بدمشق (مكان معرض دمشق الدولي لاحقاً) وأدين بجريمة القتل ثلاثة ضباط علويين، هم يونس عبد الرحيم وبديع مخلوف وعبد المنعم الدبوسي، جميعهم أعضاء فاعلون بالحزب السوري القومي الاجتماعي.
وقد صدر قرار التصفية من قبل الضابط العلوي والقومي غسان جديد، الذي كان ينازع المالكي على زعامة الجيش. وكان العقيد المالكي يهدد غسان جديد دوماً بتسليمه إلى السلطات اللبنانية، حيث كان هو وحزبه مطلوبين على خلفية اغتيال رئيس وزراء لبنان رياض الصلح في 16 تموز 1951.
يونس عبد الرحيم قتل نفسه بعد تنفيذ الجريمة مباشرة، وتم اعتقال كل من الدبوسي ومخلوف، ليتم إعدامهما لاحقاً في عهد شكري القوتلي الثالث والأخير. ومن المعروف أن الحزب ظلّ محظوراً في سوريا حتى عام 2005، حيث سمح له بممارسة العمل السياسي مجدداً، ليتم حجبه مجدداً نهاية عام 2019، على خلفية الصراع الدائر بين بشار الأسد ورامي مخلوف.
الاغتيال الثالث: غسان جديد، ضابط علوي اغتيل بتاريخ 19 شباط 1957
كان غسان جديد هو أشهر ضابط علوي في مرحلة الجلاء، لا يضاهيه إلا العقيد محمد ناصر. ولد في قرية اسمها دوير بعبدا قرب جبلة وشارك في حرب فلسطين الأولى وبمفاوضات الهدنة مع إسرائيل التي تمت في عهد حسني الزعيم العسكري عام 1949. تم تصفيته على مدخل مقر الحزب السوري القومي الاجتماعي في منطقة راس بيروت، بأمر من مدير المخابرات السورية عبد الحميد السراج.
وكان ذلك طبعاً على خلفية اغتيال المالكي والدور الذي لعبه غسان جديد في تجنيد أبناء جلدته من الطائفة العلوية في عملية الاغتيال: يونس عبد الرحيم والدبوسي ومخلوف. أساس الخلاف بينه وبين عدنان المالكي كان سياسياً وطائفياً. فقد كان جديد معارضاً للتقارب مع مصر ورئيسها جمال عبد الناصر، عكس المالكي العروبي القومي المحسوب على التيار الناصري في الجيش.
هذا مع العلم أن شقيق المالكي، رياض كان محامياً بعثياً مرموقا، وكذلك شقيق غسان جديد، الضابط البعثي صلاح جديد، مهندس انقلاب 23 شباط 1966. أما عن العنصر الطائفي، فقد لعب على وتيرته غسان جديد لتحريض القتلة ضد المالكي، قائلاً لرفاقه إن المالكي يجب أن يموت لأنه مناهض للعلويين والدروز وبقية الأقليات في الجيش.
الاغتيال الرابع: أديب الشيشكلي، ضابط سنّي اغتيل بتاريخ 27 أيلول 1964
وحده الشيشكلي بين هؤلاء الضباط كان قد وصل إلى سدة الحكم، بعد تنفيذ انقلابين ما بين 1949 و1951. حكم من الظل عبر صديقه المقرب فوزي سلو، وتولى رئاسة الجمهورية في صيف العام 1953، قبل الإطاحة به بانقلاب عسكري في شباط 1954.
كان مثله مثل عدنان المالكي معارضاً للأقليات وقد حاول إبعادهم عن المؤسسة العسكرية، بالرغم من تعيينه الضابط الدرزي شوكت شقير رئيساً للأركان في عهده. ولكن ذلك لم يكن بسبب أي لحمة وطنية بل لإضفاء شرعية على قصفه لجبل الدروز بالمدافع، لكيلا يُقال إن سنياً حموياً كان يفتك بأبناء الموحدين الدروز.
بعد خلعه عن الحكم، توجه الشيشكلي إلى لبنان ثم إلى السعودية وأخيراً إلى أوروبا فأميركا اللاتينية حيث أقام في البرازيل، حيث دخل إلى منزله شاب درزي يُدعى نواف غزالة عام 1964 وقام بقتله رمياً بالرصاص انتقاماً لما فعله الشيشكلي بجبل الدروز قبل عشر سنوات.
هل كانت الخلفية الطائفية لهؤلاء صدفة؟ الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قال يوماً: “في السياسة، لا توجد صدف، إن حدث أمر ما، فهناك من خطط له وقام بتنفيذه” .