ميديا – الناس نيوز ::
ضفة ثالثة – نبيل سليمان – للشاعر العراقي عدنان الصائغ ديوان “تأبّط منفى” (2001). وفي هذا الديوان قصيدته التي لا أنساها “أوراق من سيرة تأبط منفى”. ولعل عنوان القصيدة هذا يصلح عنوانًا لما اشتُهر بكتابات المنفى: سيرةً أو مذكرات أو روايةً أو شعرًا. ولكن ماذا عن كتابات العائد من المنفى؟ ماذا عن رواية غسان كنفاني “عائد إلى حيفا” أو سيرة مريد البرغوثي “رأيت رام الله” مثلًا؟
أسرعَ إليّ كل ذلك وأنا أقرأ “سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع” للشاعر والكاتب بشير البكر، الذي ترك الكتاب، هو والناشر، بلا تجنيس “سيرة أم رواية أم…”.
والكتاب – باختصار جائر – سردية سيرية عن عودة صاحبها إلى سورية بعد خمسة وأربعين عامًا قضاها في المنفى – المنافي. وقد افتتحت الكتاب، واختتمته، عتبةٌ من شعر البكر. وكذلك افتتحت كل فقرة من فقرات الكتاب عتبةٌ أخرى، فكان للشعر بذلك حضوره في بناء الكتاب، كما كانت له أحيانًا توشيته للغة السرد.
توزع بناء الكتاب في كتلتين غالبًا ما تندمجان، وتعود الصغرى منهما إلى ما قبل المنفى، من نشأة الكاتب وشبابه في الحسكة وحلب ودمشق حتى عام 1980. ويحضر المنفى لمامًا في هذه الكتلة، بينما أُوقِفَتْ الكتلة الثانية على ما بعد عودة الكاتب من المنفى في 19/2/2025 عقب سقوط النظام الأسدي. وتلفح النوستالجيا الحارّة الكتلتين، بينما تفجرها الكتلة الصغرى، فنرى – مثلًا – عزم الكاتب على ألاّ يترك ركنًا عرفه في دمشق، حينما عاش فيها بين عامي 1980 – 1987، إلا وسيزوره.
فقد وشمت دمشق ذلك الشاب القادم من الشرق السوري البدوي، والذي كانت حلب من قبل قد وشمته. لكن التولّه بدمشق هو الغالب، لكأن لبشير البكر قبسًا من روح نزار قباني أو غادة السمان أو خيري الذهبي وأقرانهم من المبدعين الذين أنجبتهم دمشق وسكنتهم، كما سكنت مبدعين آخرين قدموا إليها من أرياف شتى، مثل بدوي الجبل وهاني الراهب ومحمد الماغوط ورياض الصالح الحسين وسواهم، ممن حرّم “الشام” عليهم آخرون أنجبتهم دمشق، فطوبوها بالطابو الأدبي أو الفني، والسياسي دومًا “إلى يوم القيامة”.
عاد بشير البكر، قل عاد الغريب، ولم يجد أحدًا من أصدقائه القدامى، أصدقاء ما قبل 1980، حتى إذا صادف أحدهم: الفنان جليدان الجاسم، وجده لا يستطيع الكلام. وعاد الغريب، عاد بشير البكر ليطوف حول فرع الخطيب، فرع الأمن الشهير والأبشع – أيها الأبشع؟ – في دمشق، حيث اعتُقل مع جميل حتمل، الذي ستتبدد آلاف الكتب من مكتبته، فينزفها وينزفه العائد الذي جعلتني كلماته في “سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع” وفي كتابه “بلاد لا تشبه الأحلام”، أنزف، وألهج من جديد بما لهجتُ به من قصيدتي بدوي الجبل الشهيرتين “عاد الغريب” و”حنين الغريب”، كلما عانقت أو تنسّمت عبق صديق أو صديقة، عائد أو عائدة: ياسين الحاج صالح أو أحمد برقاوي أو صبحي حديدي أو أمل حويجة أو جمال باروت أو فارس الحلو أو إبراهيم الجبين أو إسلام أبو شكير أو فاروق مردم أو… أو بشير البكر.
ولعل لي إذن – إذ يعجزني التعبير – أن أناديكم إلى نعماء متنبي زماننا، أي – لمن لا يعرف – بدوي الجبل، حيث يقول: “عاد الغريب ولم تظمأ سريرته/ فقد حملت بها في غربتي بردى/ ألملم الجمرات الخضر من كبدي/ وأسترد الصبا والحب والكبدا/ وأرشف الكأس من عطرٍ ومن غيدٍ/ فأسكرُ المترفَيْن العطر والغيدا/ وإن كبرتُ فلي كنزًا هوى وصبا/ نهدان من نعمات الله قد نهدا”. وفي غرّة هذه النعماء هي دمشق/ الشام التي برّحت عائدًا”ة” من المنفى: “حلفت بالشام هذا القلب ما همدا/ عندي بقايا من الجمر الذي اتقدا/ يسومنا الصنم الطاغي عبادته/ لن تعبد الشام إلا الواحد الأحدا/ وجه الشآم الذي رفّت بشاشته/ من النعيم لغير الله ما سجدا/ أفدي الشآم لنعماها وعزتها/ من أربعين أقاسي الهول والنكدا/ ضمتني الشام بعد النأي حانيةً/ كالأم تحضن بعد الفرقة الولدا”.
بالنسبة لي، أبدأ بشعر بدوي الجبل وبمثل شعره من لوثة الشعر العمودي التي تفشو فُشُوًّا بعد سقوط النظام الأسدي، منذ جلجل محمد صالح ياسين “وزير الثقافة” معلنًا: “دمشق لنا إلى يوم القيامة”. وبعد البرء أعود إلى كتاب “سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع”، فإذا للشام منه فقرات “مطر الشام” و”خبز الشام” و”رمضان الشام” و”عيد الشام” و”سيدة دمشق” و”دمشق في غيابهم” و”دمشق في حضورهم”. وإذا ببشير البكر ينزل فيما يشبه بيتًا ريفيًا، أي في مطار دمشق. وسرعان ما يرتمي في الشام التي تبدو “مقفرة من الأنوثة”، وبلدًا متفحمًا، كل شيء فيها مهترئ وباهت، حتى الأشجار تبدو حزينة، والشام: “لون واحد، لغة ذات اتجاه وحيد، زمن مقلوب، رطانة عالية اللهجة/ تزمجر بغضب”. وتبدو الشام للعائد/ للغريب كأنها تلقت طعنة مميتة، فيكتب عن زمن لولبي، ليل طويل، فجر بعيد، كتب من بياض، نار مطفأة. ويكتب: “كل ما أراه وأبصره نائم، أو مستيقظ على هوى ثقيل، لا خفة في الكلام والأجساد”.
هكذا تتدفق سردية البكر السيرية، ويتوالى التناوب بين كتلتيها، بين الماضي والحاضر. لكن الحاضر هو القصد كما هو السبيل. ومنه أن الكاتب يرى البعد الطائفي والمناطقي حاضرًا في كل مكان.
ويملأ الكاتب الشعورُ بأن هويته السورية امّحت، ويُنكر ما تفتق عنه بعض السوريين من “هوية أموية”، فيقول: “معضلة سورية اليوم ليست في القدرة على نحت هوية أموية جديدة، وحتى إن نجحت في ذلك، فلن يستقر الكيان السوري على حال راسخة، بل تكمن المشكلة في الحد من تضخم الهويات الراهنة”.
ويرسل بشير البكر دعوته إلى أن تأخذ “الوطنية السورية” أفضل ما في الهويات الطائفية والعرقية والقبلية والمناطقية وصهرها في مشروع دولة لكل أبنائها. وفي الحد من “تضخم الهويات الراهنة”، يرسل بشير البكر دعوته إلى أن تأخذ “الوطنية السورية” أفضل ما في الهويات الطائفية والعرفية والقبلية والمناطقية وصهرها في مشروع دولة لكل أبنائها.
فلندعْ هذه الدعوة إلى طوباويتها وتعقيداتها في بلد واقف فوق كثبان من رمال متحركة، كما يكتب صاحب الدعوة، ولنمضِ إلى ما ينص عليه من أن “ليس من هوية نهائية جامدة أو أحادية. تتكون الهوية وفق لحظتها وشرطها الإنساني والتاريخي، تنمو مثل كائن حي (…) الهوية الناجزة حكر على أصحاب الأيديولوجيات المحاربة، لا الذين من أمثالنا”.
من مرارات الأمس يتجرع العائد في زيارة “القنيطرة المنسية” هزيمة 1967، حين يرى وجهه في المرآة الأمامية للسيارة: “كانت لي ملامح جندي مهزوم عائد من الجبهة. شعرت لأول مرة بالهزيمة الفعلية”. ويتجرع العائد مرارة “انتكاس الثورة” بعد 2011 بسبب القتال ودهاء الأسدية والإيرانيين والروس، فيكتب: “في اللحظات الحرجة التي أحسست فيها بأن الثورة اغتيلت أو سُرقت… راودني الشعور بأني فقدت بلدي”.
لكن مرارات الحاضر أكبر وجعًا وسُمّية: “لا دمشق هنا”، بل هو عالم بهوية مشوهة، ركيك وسطحي. والفضاء العام يتراجع في مدينة الجمال: دمشق، فعدد النساء قليل بالقياس إلى الجمهرة الذكرية، لكأنه قرار بانسحاب النساء إلى الداخل. وثمة من هو متخصص في تسطيح الجمال، بدعوى حمايته، ليس بإهمال الزينة، بل من خلال تغيير المعايير في الفضاء العام. إنه “وَغَفٌ يطفو على السطح”، بعبارة بشير البكر، والوغف قاموسيًا هو قطعة جلدية أو قماشية تُشد على بطن التيس لمنعه من النزو. إنها نماذج نسوية جديدة، وقيم جمالية تحصن نفسها في وجه الخراب الزاحف، لذا هلّل من هلّل لقرارات لباس البحر في اللاذقية، ولقرارات لباس الرجال والنساء عمومًا في بلدة “منين” من ريف دمشق، ومثل ذلك وفير من القرارات التي تعتدي على الحريات الشخصية. وللكاتب إذن أن يكتب أنْ ثمة مؤشرات على أن الوضع لن يتغير نحو الأفضل، بل ربما ازداد سوءًا. وللكاتب أن ينعى في عودته الثانية، بعد شهور من الأولى، ذلك الفرح العفوي الذي تفجر في دخيلته بعد سقوط النظام. وقد حل محل الفرح قلق أخذ يتعاظم وينمو مع الوقت، لذلك أجّل زيارة درعا والسويداء والحسكة التي يصفها بالمستحيلة، فإيقاع التداعيات السلبية سريع جدًا، ونقرأ: “وما بين الزيارتين الأولى والثانية ارتفع منسوب القلق عندي”.
في الزيارة الأولى أحسّ العائد أنه، ومن غادروا، يتحملون مسؤولية عما وصل إليه البلد من خراب، لأنهم تركوه وصاروا يعملون على التغيير من الخارج. وفي الزيارة الثانية وجد العائد أن حماسة البعض تراجعت، وها هم: بدو ورعاة وفلاحون، رآهم في القنيطرة طوابير أمام دائرة الهجرة والجوازات، زحفوا من الشرق، من الجزيرة، ليحصلوا على جوازات السفر حالمين بالعمل في الخليج. ومنها هذا الشاب الذي يحدّث الكاتب عن الدولة التي لا تكترث بهم: “حتى إن أردنا التطوع في الجيش الحالي فلن يقبلونا”. إنه الجيل الذي ضاع بأكمله بين جيش الأسد وجيش قسد: يكتب العائد.
لمقهى الروضة الدمشقي التاريخي الشهير نصيبه من هذه السردية السيرية، فهو بحسبان العائد من المنفى “باروميتر سياسي”. وقد تحول فجأة إلى ملتقى للعائدين، ومنهم “النجوم” الذين يسخر منهم البكر، فهم يترددون بانتظام على المكان بانتظار أن ينتبه إليهم “أحد المشرفين على تنظيم مؤتمر الحوار الوطني، فيرسل وراءهم لالتقاط صورة تذكارية مع أحمد الشرع الذي بدأ ممارسة مهنة رئيس الدولة قبل أن تسميه الفصائل في هذا المنصب”. ولنلاحظ هنا المنظور الديمقراطي للدولة الحديثة، والمتمثل باعتبار رئاسة الدولة مهنة.
لقد عاد إلى مقهى الروضة – يكتب البكر – كلام السياسة، كما كان في سبعينيات
القرن الماضي، أي في أول العهد بالديكتاتور الأب، غير أن حال المقهى تبدلت خلال ثلاثة أشهر بين الزيارتين، فبدا في الثانية هادئًا، وتراجعت حالة العفوية، وصار الناس يتحدثون همسًا عن الوضع الجديد بين متشائم ومتريث وخائف في ظل وجود مؤشرات إلى أن هناك “سمّيعة”. والسمّيعة المخبرون هم الظاهرة الجديدة التي تنادي من الماضي الأسدي اللغة السابقة لتتويه المخبرين، ويكتب البكر: “وأخذت بدوري أصمت من دون أن يغمزني أحد الحضور”. ويكتب أيضًا أنه كثيرًا ما سُئل عن رأيه في الرئيس ووزير الداخلية ووزير الثقافة، وها هو المخبر المحترف يدس نفسه بمهارة في الجلسات.
كل شيء يجري بسرعة: يكتب العائد من المنفى، ويمضّه أن الأحاديث في مقهى الروضة صارت متشابهة وعابرة وسطحية. ويمضّه ما يرويه بعض الكتّاب المقيمين، أي الذين لم يغادروا البلاد بعد زلزال 2011، عن تعالي بعض الكتّاب العائدين للزيارة، حيث حاضر بعض هؤلاء على أولئك في الحرية الثقافية، وحاولوا إقناعهم باختلافهم عنهم لأن واحدهم يعيش خارج البلاد. وعلى النقيض من كاتب أو مثقف وآخر، ممن يرفلون في نعيم المنافي، ودأبوا على النيل ممن لم يغادروا البلاد، دون أن يمالئوا النظام يومًا، يكتب بشير البكر: “البقاء في البلد خلال تلك الأعوام كان محل سؤال بلا جواب. فكرت طويلًا في أحوال هؤلاء الناس، حتى الذين يعملون في المؤسسات الرسمية (…) أستطيع أن أقول من دون تردد: إن هؤلاء يستحقون كل تقدير”. وبالمقابل، لا ينسى البكر من “غادروا البلد، وركبوا موجة الثورة يزايدون على الذين ظلوا في الداخل صامتين، لأن ثمن الكلمة يعادل قطع الرأس”.
من هذه الفئة من نفث سمومه ومزاوداته، وبدرجات، على من لم يغادروا، ولم يصمتوا: خالد خليفة وخليل صويلح ورباب هلال ويعرب عيسى وجمال شحيد وعادل محمود ورفعت عطفة ونيروز مالك وفيصل خرتش وسواهم، فضلًا عمن ظلوا في البلد سنوات قبل أن يغادروا مثل ممدوح عزام وسوسن جميل حسن.
يشخص الكاتب ما هي عليه سورية الآن، فإذا بالإحباط قد هيمن على الجميع، وحيث “الولادة المستحيلة والشهيرة يداريها الجميع كيلا تُجهض”. ويخصّ الكاتب مدينة حلب وفلسطين بقولٍ خاص. فحلب بعافية وصحة، وهي المدينة المرشحة لأن تقود سورية إلى النهوض من جديد. لكنه التفاؤل الذي تنفحه الذكريات. وكان الكاتب قد وسم حلب بقلب سورية النابض، وقصدها في زيارته الثانية بعد سقوط النظام الأسدي بنصف سنة، فإذا بمركز المدينة قد صمت، وإذا بشانزلزيه حلب “شارع بارون” قد غابت عنه المقاهي الثقافية، وصمتت موسيقى ملاهيه. وأذكر من قديم شعر بشير البكر مما خصّ به حلب، مخاطبته لمدينة بوردو الفرنسية: “لست حلب/ كي أقف على بواباتك/ كما في ماضي السنوات/ منادمًا العابرين/ ضائعًا في “السبيل” على حواف موال تركي/ أنا المغني التائه/ متكئًا على أغنية/ جالسًا فوق خرائب الوقت/ فاتني الشعر/ وغادرني الكلام”. وأذكر لبشير البكر من قصيدة “أنت وأنا”: “يا حلب الأسرار/ التي لا يكفيها حب/ ولا يجرح صمتها شوق/ أنا الليل الصحراوي/ قرب بابك (…)/ أنا الهالك/ لا نجاة لي/ أتسكع في العالم/ أتمتم باسمك الأبيض/ حين تنساني الأسماء”.
أما فلسطين، فما من مكان في العالم أقرب إلى دمشق من فلسطين: يكتب بشير البكر. ويكتب أن لا لون لسورية من دون فلسطين، وهو من عاش “فلسطينيته” في مخيم اليرموك ثم في بيروت وقبرص أول عهده بالمنفى، وقد جاء في سرديته السيرية أنه مضى مع سائق تاكسي إلى الربوة في دمشق، فألقى عليه السائق الذي تبين أنه فلسطيني “محاضرة” عن فضل المقاتلين القادمين من إدلب على بقية السوريين، لأنهم أسقطوا نظام الأسد. ولم يعجب السائق قول بشير: السوريون جميعًا شركاء في هذا الإنجاز.
ختامًا، في زعمي أن كتاب “سوريا: رحلة إلى الزمن الضائع” بلغ مداه في نص “الغنيمة والرهينة”، والذي لا يكفي فيه القول إنه نص ملتبس، بل وخطير، كما هو الإبداع الاستثنائي، وأوله أننا “نحن غنيمة وهو رهينة”، وأنه دخل المدينة “من هو” بموكبه، وجلس على الكرسي العالي، ونظر إلينا من فوق الجبل. إنه رهينة من احتلوا الجبال، وطائراتهم تجوب سماء البلاد المنكوبة: “لا يفعل الحاكم شيئًا، ينحني أمام الفولاذ الطائر، يدرك أن الغنيمة بلا جناح”، وأخيرًا وليس آخرًا: “يا لها من بلاد تتشابه أيامها، باتت مثل بركة جافة”.
الأكثر شعبية

عودة السوري الذي تأبّط منفى…

كانبيرا: مسؤولون سوريون يجرون لقاءات مع مسؤولين أستراليين…


