[jnews_post_author ]
كأنه لم يبق من الاستقلال ما يستحق إلا وضع الأكاليل على أضرحة المؤسسين! ففي سنة مئوية لبنان الكبير أُلغي رسمياً الاحتفال بالاستقلال، فهل من مؤشر أكثر دلالة وسطوعاً من هذا القرار على المدى الذي بلغه الانهيار العام على كل المستويات؟ في المنطقة والعالم نقاش سياسي حول أبعاد التحولات الآتية بعد التغيير الذي حملته الانتخابات الأميركية، ودخول جو بايدن إلى البيت الأبيض في العشرين من يناير المقبل. كذلك يتقدم بسرعة نقاش مآلات اليوم التالي على تداعيات الجائحة، التي يمكن التكهن برؤية زمن أفولها، مع الانفجارات الطبية الكبيرة في إيجاد اللقاحات الفعالة لمحاصرة “كوفيد-19”. فقط في لبنان جمود وشلل يسود العلاقات بين أطراف المنظومة المافياوية المتحكمة مع أن السباق كبير بين احتمال الانفجار الشعبي والتفجير الأمني!
الجمود السائد لا يعني أن المراوحة عامة. لقد عطلت صراعات المحاصصة الطائفية، تأليف حكومة جديدة، اتفق بشأنها مع الرئيس الفرنسي أن تكون “حكومة مهمة”، لإنجاز الإصلاحات الضرورية، وتراجع التفاؤل بتشكيلها، إثر صدور العقوبات الأميركية على النائب جبران باسيل، بعدما انتقل الرئيس عون إلى التشدد في مطالبه لتكون الحكومة مكافأة لصهره. لكن الانهيارات استمرت تتسارع، والبطالة طالت نصف اللبنانيين، ويتسع حجم الفقر والعوز، مع تراجع شديد بقيمة صرف الليرة وتآكل المداخيل. والمحصلة ارتفاع نسبة من هم تحت خط الفقر إلى أكثر من 55% من المواطنين، فضلاً عن وجود نحو مليون ونصف المليون لاجىء في عوز شديد.
لذلك ليس بالأمر المستغرب أن يشهد لبنان أشكالاً متنوعة من الانفجارات الشعبية الرافضة هذه المنهبة ونهج انتهاك الكرامات,غير أن المقلق جداً والأكثر خطورة يكمن في التحديات الأمنية المتسارعة. ومعروف جيداً أن “تروما” باتت مقيمة، لأن كل ما جرى بعد جريمة الحرب تلك ضاعف من المخاوف من أن تكون مستودعات موت موجودة تحت وسادة اللبنانيين في غير منطقة!
بعض الخبراء من الأمنيين المشهود لهم، يتمسكون بالرأي القائل إن إسرائيل كانت وراء الجريمة ضد الإنسانية التي دمرت مرفأ بيروت وأحدثت إبادة جماعية ودمرت أجزاءً واسعة من العاصمة! ويضيفون أن العدو استهدف في المرفأ ما يشبه قاعدة تخزين أسلحة لـ”حزب الله”، وللتأكيد يدلون بالأصابع على حفرة هناك بلغ عمقها عشرات الأمتار، ما كانت لتحدث لولا وجود مخازن نوعية من الأسلحة والذخائر.
وواقع الحال عندما تكون النتيجة إبادة جماعية في جريمة تتوفر فيها كل عناصر العملية الإرهابية، يصبح من المستغرب المسارعة من جانب الثنائي، عون ونصراالله، إلى رفض الاستعانة بمساعدة في التحقيق لا يمكن توفرها إلا من خلال لجنة دولية مختصة. كانت ذريعة حزب الله رفض فتح الشؤون اللبنانية أمام المداخلات الدولية، فيما أن ذريعة رئيس الجمهورية أن في الأمر “إضاعة للوقت”، وها قد مرّ على التفجير نحو 107 أيام، من أصل الأيام الخمسة، التي وعدت السلطات أنها كافية لتبيان الحقيقة وإحالة المرتكبين إلى القضاء، ولا شيء ظهر أو تسرب، مع السقف المنخفض للتحقيق، الذي يبحث عن كبش فداء، أهمل ولم ينفذ التعليمات، للتغطية على مسؤولية السياسيين الذين كانوا يعرفون الكثير عن محتويات العنبر”رقم 12”!
كان يمكن للاستعانة بلجنة دولية أن يشيع بعض الأجواء المريحة، والثقة أن هناك جدية ستظهر الحقيقة، خصوصاً لجهة وجود مستودعات موتٍ أخرى من عدمها، لكن والحال أن هذه الجريمة ليست بين أولويات مافيا نظام المحاصصة الطائفي، كذلك ليس بين الأولويات كل ما يشاع ويتم تداوله على أوسع نطاق ويضع البلد وأهله في عين العاصفة.
معروف للقاصي والداني أن “تفاهم” مارمخايل بين حزب الله والتيار العوني والذي بموجبه تم إيصال عون إلى كرسي الرئاسة، يتضمن غطاء عونياً(مسيحياً) لسلاح حزب الله بحجة أنه مقاومة! لكن هذه الحجة انتفت بعد العام 2000 مع الانسحاب الإسرائيلي وتحديد الخط الأزرق، فلم تعد هناك مقاومة ولم يعد من داعٍ لوجودها، فاستخدم السلاح في 7 أيار لاحتلال بيروت وقضم السلطة، واستند التيار العوني على السلاح للاستئثار بالمواقع الرئيسية في الإدارة، وتولت الدويلة الدفاع عن النظام الطائفي المولد للفساد والذي يحمي الفاسدين بعدما صدّعته ثورة 17 تشرين، وبالمقابل ذهب التيار العوني بعيداً في تغطية دور حزب الله في الحرب على الشعبين السوري والعراقي والتدخل في اليمن والبحرين وصولاً إلى تحويل لبنان منصة عدوان ضد العرب!
بهذا السياق يتضح أن التعاطي مع جريمة المرفأ كأنه يتقصد تقييدها ضد مجهول، ويتضح الموقف الرسمي “المحايد” من تفجير “عين قانا”، حيث لم يطرح الأمر مطلقاً على أي مستوى رسمي.. لكن لا يمكن السكوت في هذه الأوقات الدقيقة جداً، والتي يمكن أن تشهد في أي لحظة انزلاقٍ مدمر، فقد دفن كل أطراف مافيا الحكم الرؤوس بالرمال وتجاهلوا ما يعلن عن معطيات أمنية قد تترك نتائج كارثية.
هنا نشير إلى أنه بالتزامن مع قيام تل أبيب، بإبلاغ مجلس الأمن الدولي أن حزب الله يعيق عمل اليونيفيل في الجنوب، ويحتفظ بمواقع عسكرية بين المدنيين الذين حولهم إلى دروع لمخططاته، نشر موقع “الحرة” تقريراً خطيراً عن تحضيرات حزب الله العسكرية واستند فيه إلى معطيات وفّرها أحد المنشقين عن حزب الله والمقيم في أوروبا. قال التقرير إن حزب الله “قسّم لبنان إلى بقع عسكرية”، وأنه يعتمد خطة توفر له “اكتفاءً ذاتياً من الأسلحة والذخائر لكل بقعة عسكرية” وقد أقيمت مخازن أسلحة في كل البقع العسكرية وإذا ضرب مخزن هناك البديل عنه..والمحصلة واضحة ومفادها أن مستودعات الموت منتشرة وما من جهة رسمية تحرك ساكناً لدرء الخطر! وبغية رؤية الجوانب المختلفة لهذا الخطر الداهم، من المفيد التوقف أمام إعلان قائد الحرس الثوري الايراني في 19 الجاري أن بلاده”لن تتقيد بمنطقة جغرافية محددة للدفاع عن مصالحها الحيوية”!
إنه زمن “تفاهم” مارمخايل، ومن كان يعتقد أن التيار العوني الذي فاز لرئيسه بالرئاسة الأولى جائزة ترضية مقابل تغطيته للدويلة، ستحكم المصلحة الوطنية العامة سلوكه يبدو واهما فممارسة الحكم تتم وفق “التفاهم” إياه والدستور معلق، ويتسلط على لبنان ومعه منظومة فاسدة فقدت صلاحيتها وأهليتها الوطنية، ومقابل كرسي حكم هزيل لا تتورع عن جعل لبنان أرضاً محروقة، ويكون أفضل بدون شعب، حتى يسهل لدعاة الهيمنة والتوسع إحكام سيطرتهم على البلد!
————————————————-
حنا صالح