ميديا – الناس نيوز ::
المدن – زياد الصائغ – الأزمة في لبنانُ لم تعُد في أنَّهُ يواجهُ مجرَّدَ أزمةِ حُكمٍ أو تعثُّرِ سياساتٍ عامَّةٍ، بل في أنَّهُ أصبحَ اليومَ في قلبِ اختبارٍ جيو- سياسيٍّ شاملٍ يطالُ موقعَه ووظيفتَه ودورَه في محيطٍ يتغيَّرُ بسرعةٍ غيرِ معهودةٍ. في زمنِ التحوُّلاتِ الكبرى، لا تبقى الكياناتُ على حالِها، بل تُعادُ صياغةُ أدوارِها.
إمّا فاعلةً في إنتاجِ الاستقرارِ، أو مُلحقةً بمساراتِ الفوضى، مع أرجحيَّة لمٌقايضة في صفقات.
من هنا، تبرزُ الفرصةُ الذهبيَّةُ أمامَ لبنانَ، لا بوصفِها مكسبًا ظرفيًّا، بل كخيارٍ وجوديٍّ يتعلَّقُ بالانتقالِ من منطقِ الاستخدامِ إلى منطقِ السيادةِ.
تشهدُ البيئةُ الدوليَّةُ إعادةَ تنظيمٍ لأولويَّاتِها الاستراتيجيَّةِ، حيثُ تتقدَّمُ اعتباراتُ الأمنِ المُستدامِ، وضبطِ النزاعاتِ، وتأمينِ سلاسلِ المصالحِ، على منطقِ الصِّداماتِ المفتوحةِ.
على أنَّ روحيَّة القوَّة ما فوق القانون الدَّولي تطرح تحدّيات استثنائيَّة في ما يُعنى بمبدأ الانتِظام العامّ. في هذا الإطارِ، تتراجعُ قيمةُ السَّاحاتِ المفتوحةِ التي تُدارُ بالوكالةِ، وتزدادُ الحاجةُ إلى دولٍ قادرةٍ على ضبطِ مجالِها السِّياديِّ، وإدارةِ تنوُّعِها، والتصرُّفِ كوحداتٍ سياسيَّةٍ مكتملةِ الأركانِ. هذهِ القاعدةُ الجديدةُ تضعُ لبنانَ أمامَ معادلةٍ حاسمةٍ. إمّا الالتحاقُ بمنطقِ الدَّولةِ، وإمّا التهميشُ الجيو-سياسيُّ المتدرِّجُ.
غيرَ أنّ الإشكاليَّةَ اللبنانيَّةَ لا تكمنُ في غيابِ الفرصِ، بل في تعطيلِ القدرةِ على تحويلِها إلى خياراتٍ وطنيَّةٍ. فقد جرى، على مدى سنواتٍ طويلةٍ، التعاملُ مع لبنانَ بوصفِه ساحةَ توازناتٍ لا دولةَ قرارٍ، ما أدَّى إلى إضعافِ المؤسَّساتِ، وتآكلِ المرجعيَّاتِ الدُّستوريَّةِ، واستباحةِ مفهومِ السِّيادةِ تحتَ ذرائعَ متعدِّدةٍ. هذا النمطُ من الحُكمِ لم يعُدْ متوائمًا مع التحوُّلاتِ الجيو-سياسيَّةِ الراهنةِ، بل باتَ عبئًا على لبنانَ نفسِه وعلى محيطِه.
إنّ الانتقالَ من حالةِ التكيُّفِ السلبيِّ الثَّابت إلى موقعِ الفعلِ السِّياديِّ يتطلَّبُ تغييرًا جذريًّا في مقاربةِ السياساتِ العامَّةِ. الدَّولةُ، في معناها الجيو – سياسيِّ، ليست مجرَّدَ إدارةٍ للخدماتِ، بل إطارٌ ناظمٌ للقرارِ السِّياديِّ، ومرجعيَّةٌ حصريَّةٌ للأمنِ، وضامنٌ للمواطَنةِ المتساويةِ. من هنا، يصبحُ تثبيتُ مرجعيَّةِ الدُّستورِ، وحصرُ أدواتِ القوَّةِ بيدِ الشَّرعيَّةِ، واستعادةُ انتظامِ المؤسَّساتِ، شروطًا تأسيسيَّةً غير قابلةَ للتأجيلِ أو المساومةِ.
في المقابلِ، يمتلكُ لبنانُ رصيدًا نوعيًّا يمكنُ، إذا ما أُحسِنَ توظيفُه، أن يُشكِّلَ قاعدةً لإعادةِ التموضعِ. فالتعدُّديَّةُ اللبنانيَّةُ ليست قدرًا انقساميًّا، بل قابليَّةٌ بنيويَّةٌ لبناءِ نموذجِ مواطَنةٍ دستوريَّةٍ متقدِّمةٍ. والموقعُ الجغرافيُّ ليس حتميَّةَ صراعٍ، بل فرصةُ تلاقيٍ إذا ما أُخرِجَ من معادلاتِ الاشتباكِ. أمّا الانتشارُ اللُّبنانيُّ في العالمِ، فيبقى عنصرَ قوَّةٍ استراتيجيَّةٍ متى جرى إدماجُه في رؤيةِ دولةٍ لا في اقتصادِ الانهيارِ.
في هذا السِّياقِ، تبرزُ حتمًا أهمِّيَّةُ اعتمادِ سياسةِ حيادٍ إيجابيٍّ واعٍ، لا بوصفِها انسحابًا من الإقليمِ، بل كإعادةِ تعريفٍ للدورِ الوطنيِّ ضمنَ منطقِ المصالحِ المشروعةِ. فالحيادُ، حينَ يكونُ مؤسَّسيًّا ومدعومًا بدولةٍ قويَّةٍ، يُشكِّلُ أداةَ استقرارٍ داخليٍّ، ويمنحُ لبنانَ موقعًا تفاوضيًّا أفضلَ في بيئتِه الإقليميَّةِ والدوليَّةِ.
خلاصةُ المسارِ أنّ الفُرصةَ الذهبيَّةَ المطروحةَ أمامَ لبنانَ ليست نتيجةَ تبدُّلِ موازينِ القُوى فحسبُ، بل ثمرةُ قرارٍ داخليٍّ بالانتقالِ من منطقِ السَّاحةِ إلى منطقِ الدَّولةِ.
اتّفاقُ الطّائف يحتاجُ تطبيقًا من دون تأجيل، إلّا إذا في ذهنيَّة حلف الأقليَّات الموبوءَة ثمَّة من لا يزال في مُربَّع رهاناتٍ ديماغوجيَّة تافِهة. إمّا أن يختارَ لبنانُ أن يكونَ كيانًا سياديًّا فاعلًا في زمنِ التحوُّلاتِ، وإمّا أن يبقى عالقًا في دورٍ لم يعُدْ له مكانٌ في الخريطةِ الجيو-سياسيَّةِ الجديدةِ. هنا، بالضبطِ، تُختَبَرُ الإرادةُ الوطنيَّةُ، وتُقاسُ أهليَّةُ الدَّولةِ.
*باحث في الشؤون الجيو – سياسية والسياسات العامة.
الأكثر شعبية


لبنان والتحولات الجيو- سياسية: الفرصة الذهبية

بريشة الفنان السوري العالمي علي فرزات

