آراء

الربيع العربي بين انقلابات الجنرالات وانقلابات العمائم خطان متوازيان … يلتقيان !

(الجزء الأول)

ما حدث في تونس مؤخراً أسال وسيسيل الكثير من الحبر، وما حدث قبله في مصر فعل مثل ذلك وربما أكثر، و تداعيات الربيع العربي في أغلب ساحاته والتي جعلت منه خريفاً طويلاً ومريراً، تدفعنا للتساؤل إذا كان هذا الربيع بالفعل حراكاً جماهيرياً حقيقياً يهدف إلى تغييرٍ كامل لمفهوم السلطة، بهدف تحويلها عن طابعها التسلطي المقترن بالفساد والفشل إلى الغاية التي تنشدها الناس منها في تحقيق ما تصبو إليه من نمو ورفاه وتطوير، وخلق واقع جديد يضمن العدالة الاجتماعية ويؤمِّن حريات الناس الفكرية والعقيدية والسياسية، وقبل ذلك يرسخ قيم تكافؤ الفرص وتداول السلطة الذي تضمنه دساتير حقيقية، يتم التوافق عليها بوسائل ديمقراطية، أم أنه كان مجرد تحرك جماهيري يهدف للإطاحة بحاكم أو بحزب أو منظومة حكم، أي أنه مجرد فعل “انقلابي، ولكن بأيدي الجماهير التي نزلت إلى الشوارع ولم يكن لديها أي تصور لشكل ما بعد سقوط المنظومة الحاكمة التي انتفضت عليها؟

لعل تَغَوُّل منظومات الحكم التي قام الربيع العربي عليها وحالة الانسداد السياسي المستفحلة، قد دفعا بنسبة لا بأس بها من الجماهير للنزول لميدان التحرير في مصر، وقبلها ميادين المظاهرات في تونس ولا شيء في ذهنها سوى اقتلاع نظامي مبارك وبن علي دون أدنى تفكير بشكل اليوم التالي لسقوطهم؟ بمعنى “فليرحلوا وليكن من بعدها الطوفان؟

طرفان اثنان استثنيهما من هذا التعميم، فقد كانا يراقبان بحذر وعمق شديدين مجرى الأحداث وتفاعلاتها ليقرروا بناء مواقفهم عليها ضمن حساباتهم المعقدة والمركبة. الإسلام السياسي ممثلاً بالإخوان المسلمين “ولو تعددت المسميات، والعسكر ممثلين بالقوات المسلحة، واللذين سيكونان اللاعبان الأبرز، وربما الوحيدان الفاعلان، في مرحلة ما بعد سقوط بن علي وتنحي مبارك.

لعلها العلاقة الجدلية بين هذين الطرفين هي التي لعبت دوراً مهماً ومفصلياً في أنهما دون غيرهما سيقودان المشهد في مرحلة ما بعد “انتصار” الربيع؟ وأنهما بالتكافل والتضامن سيقومان بتهميش كل الأطراف الأخرى التي ساهمت في هذا “الانتصار”؟

علاقة الإخوان المسلمين بعسكر مصر بدأت ملتبسة، فعبدالناصر انفتح في تحضيراته لـ 23 يوليو/تموز على أغلب التيارات السياسية الفاعلة المعادية للملك والإنجليز، ومن ضمنها الإخوان، “الذين سيتضح لاحقاً أن علاقتهم بالقصر ولدرجة أكبر بالإنجليز هي الأكثر التباساً وغموضاً”.

لم يكن مفاجِئا أبداً أن “البكباشي” المنتصر لن يساير حذلقات وتذاكيات المرشد العام “حسن الهضيبي”، الذي انحصرت مطالبه في جلسة عميقة وطويله مع عبد الناصر عام 53 في أن يطبق الأخير الشريعة الإسلامية ويفرض الحجاب بالقانون، في الوقت الذي كانت للهضيبي ابنة طالبة في كلية الطب لم يستطع فرض الحجاب عليها..!

أمر لافت جداً لا يمكن تجاوزه في يوليو 1952 كما في يناير/كانون الثاني 2011، وهو أن الإخوان قفزوا إلى عربة الفريق المنتصر فقط في اللحظة التي أيقنوا فيها أن قطار التغيير ماضٍ ولا عودة للوراء، كذلك تماماً فعل الجيش الذي وقف على الحياد في 2011 ولم يتدخل لتثبيت حكم مبارك الآيل للسقوط.

الإخوان الذين لم يستطيعوا أن “يبلفوا” البكباشي في 52-53 عادوا في 2011 محاولين تصدر المشهد الثوري بإصرارِ أكبر وحظوظٍ أفضل، أمَّنَتْها التغيرات الكبيرة التي طرأت على نهجهم “ولعلها لم تلامس فكرهم”، خلال ستة عقود بين يوليو/تموز 1952 ويناير/كانون الثاني 2011.

الهضيبي في طلباته اللاواقعية من عبد الناصر عام 53 أعطاه مبررات أتاحت “للبكباشي” “غير المنفتح على أي مشاركة في الحكم أصلاً” أن يقصي الإخوان ويطوي صفحة أي تعاون معهم، ليردوا بدورهم بتنشيط تنظيمهم السري الذي سيجابه عبد الناصر ونظامه الجديد بلا تردد، لتكتمل الدائرة في رد العسكر العنيف على التنظيم ككل.

لم يعلم عبد الناصر أنه في حملته العنيفة ضد الإخوان سيعطيهم ما هو أهم وأثمن بكثير من المشاركة بالسلطة، إنها “المظلومية” … هذه الكلمة السحرية التي سيبني الإخوان عليها إرثهم السياسي بمنتهى الدهاء والميكافيللية لعقود طويلة.

أعنف مظاهر التنكيل الناصري بالإخوان تجلت في خطيئة عبد الناصر الكبرى بإعدام سيد قطب المنظر الإخواني الأهم، الذي لم تشفع له قيمته الفكرية والعلمية كأهم مفسر معاصر للكتاب الكريم، في أن تعفيه من تورطه الجنائي الثابت في مخططات “التنظيم السري” ضد مصر وعبد الناصر، الذي بدوره لم يحاول أن يسمو لمرتبة الحاكم الراشد الذي يعرف متى يصفح وكيف يعفو… في المحصلة كان للإخوان إمام “شهيد” واحد هو المؤسس حسن البنا، أعطاهم عبد الناصر “شهيداً” آخر من مرتبة فكرية رفيعة هو سيد قطب، ليدَّعِموا أساس مظلوميتهم التي كانوا دوماً يتطلعون إليها، تماماً كما فعل عسكر البعث السوري لاحقاً، عندما قاموا بتصفية “مروان حديد” في معتقله عام 1976 وأعطوا الأجنحة الإخوانية الراديكالية إرثاً من المظلومية يتلبّس باقتدار دور الضحية.

 

صحيح أن “مروان حديد” لا يمكن مقارنته فكرياً أو سياسياً بمفكر فذ من وزن سيد قطب، ولكن ذلك لن يكون عائقاً أمام إخوان سورية ليبنوا على “مأساة” تصفيته إرث “الطليعة المقاتلة”، الصنو السوري لـ “التنظيم السري” لإخوان مصر، والذي سيدير المجابهة مع نظام الأسد في ثمانينيات القرن المنصرم.

برحيل عبد الناصر يتفتق دهاء السادات عن حالة “زواج متعة” لم تدم طويلاً مع الزعيم الإخواني “عمر التلمساني”، تدعم صورة “الرئيس المؤمن” بما يتيح له تصفية بقايا الإرث الناصري وتغطي تحرك “بطل الحرب والسلام”، باتجاه كامب ديفيد.

“زواج المتعة” هذا مع الإخوان كلف السادات حياته في حادثة المنصة، ليعيد نظام مبارك حالة مساكنة أخرى مع الإخوان أكثر حذراً وأقل اندفاعاً. لعب فيها الطرفان أوراقهما بكل وصولية وميكافيللية، من خلال مشاركات إخوانية متقطعة في بعض برلمانات مبارك، مباشرةً، أو من خلال واجهات مقبولة للطرفين، تتحكم بها مصالحهما الضيقة وعلى حساب كافة القوى السياسية المصرية الأخرى.

عبد الناصر والبعث في قبضتهما الأمنية الضاربة بشدة وبورقيبة في “شطحاته” العلمانية المبالغ بها أحياناً، راكموا في “مظلومية” الإخوان وتقمصهم لدور “الضحية”، وبدفعهم للعمل باتجاهين متوازيين تماماً يرفد أحدهما الآخر، تحت الأرض، من خلال التنظيم السري والطليعة المقاتلة وكافة التيارات الجهادية التي تفرعت عن التنظيم، وفوق الأرض، بأدوار مختلفة تماماً وعلى أراضٍ جديدة تماماً.. وبعيدة تماماً..

صحيحٌ أن دول الخليج التي تخوض بعضها اليوم حملات ضارية ضد كل ما هو إخواني، كانت أول من أمن للعديد منهم ملاذات آمنة، هرباً من القبضة الأمنية الضاربة لعبد الناصر والبعث، ولكن ذلك كان فقط من ضمن سياسة خليجية لا تضمر عموماً كثير ود للنظامين، ولعل هجرات العوائل الإخوانية الأهم كانت باتجاه الغرب، أوروبا والولايات المتحدة، التي وجد الإخوان في أجواءها السياسية “والمالية” المنفتحة وسطاً مثالياً، يؤمن لهم حالة تمكين طالما سعوا من أجلها وافتقدوها في بلادهم الأصلية.

كان أمراً يدعو للدهشة حقاً أن الإخوان المسلمين الذين رفضوا “جاهلية القرن العشرين” التي تعيشها مجتمعاتهم، كما صورها محمد قطب شقيق سيد قطب في كتابه المهم، و بدلاً من أن “يفرُّوا” منها “إلى الله”، فقد فرُّوا إلى بلاد من هم في تقييمهم “أعداء الله” من “المشركين و الصليبيين”..!

لا أريد أن أستند إلى نظرية المؤامرة في أن استيعاب قامات إخوانية مهمة في دول غربية عديدة كان يحظى بتيسير أجهزة استخباراتها، ولكن الثابت هو أن عوائل إخوانية كاملة استطاعت أن تستفيد للحد الأقصى من أجواء الحرية والانفتاح السياسي والمالي، التي تؤمنها هذه الدول للجميع طالما أنها تحت سقف القانون ولا تمس مصالحها وأمنها القومي.

يستطيع الإخوان بكل تأكيد أن يبرروا هجراتهم إلى الغرب بأنها ضرورة حياتية، فرضها عليهم عسف حكم العسكر، ليأتي ذلك في سياق “مظلوميتهم الكبرى” التي قدمها العسكر لهم عن دراية أو من دونها، ولكن إصرارهم ودأبهم هم وجمهورهم على الانخراط الكامل والمنظم في مسارات السياسة في ملاذاتهم الغربية “وإن كان هذا حقاً كاملاً ومصاناً لهم”، إلا أنه يحمل في طياته مفارقةً كبرى تحتاج لقدرٍ كبيرٍ من البراغماتية وربما الازدواجية لفهمها، فالفكر الإخواني المستند بشدة إلى مفهومي “الحاكمية” و”الولاء والبراء” اللذين ذهب سيد قطب في تفسيراته لهما لأبعد مما ذهب إليه أبو الأعلى المودودي، واللذان رفض الإخوان من خلالهما شرعية حكام بلدانهم الأصلية، كونهم “لا يحكمون بما شرعه الله”، و” تبرؤوا” منهم وممن والاهم، وبالمقابل “والوا” هم من يلتقي معهم في هذا الفكر من خارج حدود أوطانهم، فإنهم لم يجدوا ضيراً في العمل السياسي والمجتمعي في الغرب، ومن خلال منظومات تقوم بالمطلق على أسس علمانية بحتة، بإصرار وتصميم شديدين لضمان حالة “التمكين” التي استفادوا منها لأبعد الحدود في مجتمعاتهم الجديدة..!!!

في مهاجرهم الغربية “التي يصفها الإخوان في أدبياتهم بالمنافي تدعيماً لمظلوميتهم”، راقب الإخوان آلية اتخاذ القرار السياسي ومدى تأثير العمل المجتمعي والمجالس المنتخبة على مستوياتها المختلفة فيه، وأهم من ذلك مدى القدرة على التأثير في الرأي العام، من خلال أجهزة الإعلام والصحافة ومن ثم وسائل التواصل الاجتماعي.

كان طريفاً وعجيباً أنَّ جمهور الإخوان الذي يبرأ من “أهل الذمة” من أبناء جلدتهم ويرفض من لا يقيم “شرع الله” من حكام بلاده الأصلية، صار مستغرقاً للأذقان في حملات انتخابات مدنهم وولاياتهم على المستويات المحلية والوطنية، ويقيم في منازله دعوات وولائم جمع التبرعات لمرشحي مجالس النواب والشيوخ، للحد الذي صار من جمهورهم من يدير لوبيات ضاغطة لصالح مرشحين دون غيرهم، يشتري صحفيين وكتاب ومعلقين في أكثر أجهزة الإعلام الغربية تأثيراً، ويدفع بسخاء لحملات انتخابات مرشحي مناطقهم للمجالس النيابية المحلية والوطنية، ويتعاطى مع كل التيارات السياسية والمؤثرين فيها من أقصى اليسار الليبرالي الداعم لحقوق المثليين إلى أقصى اليمين المحافظ المعادي للإجهاض، وما بينهما، مع إخلاص والتزام شديدين للفكر الإخواني الذي يتيح لهم تغيير أهوائهم وألوانهم السياسية بما ينسجم مع حالة التمكين التي يسعون إليها، فاليميني منهم يصبح يسارياً، والمعتدل متشدداً، والجمهوري ديمقراطياً، بين ليلة وضحاها، بعزيمة وإصرار يعجز ميكافيللي نفسه عن مجاراتها.

تزامن الربيع العربي مع ظهور الجيل الثاني من جمهور الإسلام السياسي في مهاجره الغربية، والذين صار من أبنائهم وبناتهم من يخوض حملات السياسة في دول “الشرك” تلك التي لم تعاملهم “كأهل ذمة”، بل كمواطنين يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات.

كان جيل إخوان الستينيات والسبعينيات يعيش مفارقةً كبرى بين شقيه الذي توارى تحت الأرض، وعمل في الداخل من خلال التنظيم السري والطليعة المقاتلة، وذاك الذي نشط في مغتربات الإخوان المختلفة. ففي الوقت الذي كان فيه إخوان الداخل يلبسون الجلابيات والسراويل القصيرة، ويطيلون اللحى، ويحفُّون الشاربين، ويقاسون شظف العيش، فقد كان محركيهم من إخوان الخارج الذين يعيشون في روما ولندن وآخن وهامبورغ ونيويورك وواشنطن ولوس أنجلس في بحبوحة مالية ورفاه اجتماعي، يرتدون البزات الغربية، ويركبون السيارات الفارهة، ويعيشون نمط حياة غربي كامل، بل إنّ منهم من يحتفل بالفالانتاين، ويرسل أولاده لمدارس وجامعات غربية، مع المحافظة على تنشئة منزلية رديفة تزرع الفكر الإخواني وتنميه وتحافظ على ديمومة “المظلومية”، في وجدان الجيل الجديد الذي لم يعشها، ولا يعرف عنها إلا ما سمعه في روايات الآباء والأمهات.

مع اندثار التنظيم السري والطليعة المقاتلة وانكفاء التيارات الجهادية، شب في الداخل جيل إخواني جديد، نشأ على “المظلومية” الإخوانية التي لم يعشها، والتزم فكر الآباء، ولكنه بحكم كل الظروف المحيطة المختلفة كان مختلفاً تماماً عنهم فيما يتعلق بالمظهر، جيل يرتدي أزياء غربية ورياضية، ويستعمل “الأبل وتش والآي فون والآيباد”، جيل آمن بـ “مظلومية” الآباء، وحقهم في سعيهم للسلطة، ولكنه انكفأ عن شبكات التنظيم السري وخلاياه النائمة إلى شبكات “الواي فاي” وخلايا الجوال. كان صائباً وحصيفاً أن يدفع الإخوان بهذا الجيل الجديد ليكون حصانهم الرابح في ميدان التحرير.

صحيحٌ أن جيل الإخوان الذي نزل لميدان التحرير في توقيت “ربع الساعة الأخير” اللافت جداً، هو غير جيل إخوان الستينيات والسبعينيات الذي لم يتورع عن تفعيل التنظيم السري والطليعة المقاتلة، ومن عباءته أتت التنظيمات الجهادية العديدة، وأن جيل الإخوان الشبابي الذي التحق بميدان التحرير هو أكثر تأثراً بالتجربة الإخوانية في الغرب وأقدر على التماهي مع المحيط العام الذي قد لا يشبهه كثيراً، ولكن ظروف المرحلة تتطلب منه أن يجاريه، ولكن القرار بقي دوماً في أيدي الجيل الذي سبقهم، والذي لم يستطع أن يجاري تحولات الظاهر بتحولات أساسية تمس باطن فكرهم المستند إلى “مظلوميتهم” الكبرى، التي راكمت فيها سنين الاعتقاد بها عند جمهورهم، والتي أنتجت حالة شبق سلطوي لم يغادرهم منذ نشوء حركة الإخوان المسلمين وحتى يومنا هذا.

لا أنساق أبداً وراء التخرصات القائلة بأن الغرب عموماً والأمريكان خصوصاً كانوا وراء تصدر الإسلام السياسي والإخوان المسلمين تحديداً للمشهد “الثوري” في ساحات الربيع العربي، ومن ثم لقطف ثمار انتصاره. الحقيقة التي لا يدركها البعض أو لا يريد الاعتراف بها هي أن التجربة الإخوانية الغنية في العمل السياسي التي اكتسبوها في ملاذاتهم الغربية والبحبوحة المالية التي راكموها هناك، إضافةً لقواعدهم التي استمرت بالعمل سراً في بلادهم الأصلية قد وضعتهم في موقع أفضل من كافة القوى الوطنية الأخرى التي كانت هي المحرك الحقيقي وصاحب المصلحة الأساسي في الربيع العربي.

يحاول الإخوان وجمهورهم أن يصوروا أنهم هم من وضعوا خاتمة حكم مبارك وهذا غير دقيق على الإطلاق، الدقيق هو أن الإخوان رغم توقيت وصولهم المتأخر لميدان التحرير، فقد كانوا القوة الأكثر تنظيماً هناك وجمهورهم هو الوحيد الذي تحركه مرجعية واحدة وضعت نصب أعينها هدفاً واحداً ومحدداً، وهو القفز إلى كرسي السلطة.

المجلس العسكري هو الذي وضع النهاية الرسمية لحكم مبارك، وقَبِلَ بالإخوان شريكاً في رسم صورة الحقبة المقبلة، وببراغماتية شديدة رحب الإخوان بهذه الشراكة وقبلوا بانتخابات يديرها ويرعاها العسكر الذين تحولوا بقدرة قادر من شياطين “بالعرف الإخواني” إلى ملائكة لا ضير من تناسي مظلوميتهم التاريخية معهم، فالضرورات تبيح المحظورات، وهل من ضرورة أكثر إلحاحاً من الوصول لحكم أكبر وأهم بلد عربي؟

بالتلميح وبالتصريح أعطى الإخوان إشارات عديدة، تؤكد عدم تطلعهم لموقع الرئاسة وأن أغلبية نيابية وازنه تضمن دورهم في الحياة السياسية هي جل ما يتطلعون إليه. ولا أستبعد أبداً أن هذا كان يشكل توجهاً حقيقياً لبعض تيارات الإخوان الأكثر واقعيةً وانفتاحاً، ولكن تسلسل الأحداث بعدها يشير إلى غلبة قرار “كرادلة مكتب الإرشاد”، الذين لعلهم استشعروا فرصة سانحه قد لا تتكرر للوثوب إلى موقع القرار الأول. تَغَلَّبَ الشبق السلطوي المزمن المدعوم بمظلومية تاريخية، ودخل الإخوان للمرة الأولى قفص السلطة الذهبي الذي سيكون وبالاً تاريخياً عليهم لم يستطيعوا مقاومة بريقه وإغرائه، فطمعوا.. ولم يعلموا بأنهم وقعوا.

لا أعلم إن كانت سقطة الإخوان في تغليب نزعتهم السلطوية وقوعاً في فخ رسمه لهم المجلس العسكري بعناية، وقد وقعوا فيه برؤوسهم أولاً، وليست لدي قراءة واضحة للأسباب الحقيقية لانفتاح المجلس العسكري على العمل مع الإخوان في تلك المرحلة دوناً عن كافة التيارات الوطنية الأخرى في ميدان التحرير..؟!

لعلها قراءة المجلس العسكري العميقة للمشهد الشعبي المصري في تلك المرحلة الدقيقة التي كان الإخوان فيها القوة الوحيدة المنظمة على الأرض، وتدين بولاء لمرجعية واحدة؟ الأمر الذي افتقدته كافة التيارات السياسية الأخرى في ميدان التحرير؟ هل كانت هذه قراءة الأمريكان أيضاً للموقف، ومن هنا انفتحوا على القبول بالإخوان ببراغماتية أمريكية تعودنا عليها؟ ليبالغ المجلس العسكري في قراءة هذا القبول الأمريكي فيتماهى معه؟ ليست لدي الإجابة لكل هذه التساؤلات ولكن الواضح تماماً أن هذا التعامل الإيجابي الواضح والمستجد بين العسكر والإخوان كان يرتكز لتفاهمات وتوافقات مهمة بين الطرفين، فما الذي حصل بعد ذلك وأدى إلى نهاية سريعة لأقصر وأغرب شهر عسل سياسي بين طرفين نقيضين؟ وما هي الظروف التي أدت لذلك؟ ومن هو المسؤول عنها؟ وماهي انعكاسات ما حصل على مستقبل الربيع العربي؟

هذا له حديث قادم …

 

نشمي عربي