آراء

Me too … لنقرع جدران الخزّان

ريما بالي – الناس نيوز ::

ذات صباح من صباحات الأسبوع الماضي استيقظ الحلبيون (الباقون منهم في المدينة العجيبة، والمنتشرون منهم في أصقاع الأرض) على وقع سابقة كانت الأولى من نوعها بالنسبة للشعب المنفتح المحافظ، المتحضّر المتخلّف، السبّاق المتأخر، الطيّب اللئيم والمتألم الطروب.

حلا مغامس صبية حلبية تعيش في كندا منذ بضعة أعوام، تنشر فيديو عبر الفيسبوك تشكف فيه تعرضها للتحرش الجنسي من قبل أستاذها قبل سبع سنوات عندما كانت ما تزال تعيش في حلب.

قد يبدو الحدث عادياً ويتكرر بكثرة في زماننا هذا في كل أرجاء العالم، نعم كل أرجاء العالم، ما عدا حلب، كأن هذه البقعة من الأرض لا تنتمي لهذا العالم، وهناك في تلك البقعة، بدا هذا الحدث: غير عادي.

المزلزل في الإعلان الذي أطلقته حلا أن المتهم بالتحرش هو أستاذ مرموق خرجت من تحت عباءته أجيال عديدة من شباب المجتمع الحلبي، فهو مدرّس في واحدة من أعرق المدراس الحلبية، تلك التي يرتادها أبناء النخبة منذ ما يناهز الخمسين عاماً.

بسرعة البرق، تداول الناس الفيديو الذي نزل عليهم نزول الصاعقة، عبر وسائل اتصال خاصة، ولم يتورط بمشاركته على صفحات التواصل المعروفة إلا القليلون، من المؤمنين بوجوب كسر حاجز الخوف والصمت، وقد قوبلت منشوارتهم تلك ببعض الترحيب والدعم الخجول، مع استهجان واستنكار من الأكثرية.

وبالرغم من أنه بعد ساعات قليلة، بدأت تظهر منشورات لصبايا وشبان آخرين تعرضوا بدورهم للتحرش من قبل نفس المدرّس، ومنشورات من غيرهم تنوّه بطريقته في التعامل وممارساته الغريبة مع الطلاب، إلا أن الداعمين له وهم كثر، لم يأخذوا القضية على محمل الشك وظلوا على موقفهم الرافض كلياً للاتهام والمطالب بالتوقف عن الحديث والنشر ووجوب إغلاق القضية على الفور، متهمين الفتاة بالكذب والتمثيل.

الحق يقال، تحركت إدارة المدرسة بعد اللغط الهائل الذي زعزع المجتمع وباشرت بالتحقيق مع الطلاب المتواجدين، وأصدرت بياناً بإيقاف المدرس احترازياً عن التدريس في الفترة الراهنة، وكانت خطوة صحيحة وجيدة نسبيّا، إلا أن الممارسات السامة التي قام بها الكثير من الأفراد جاءت صادمة، فقد أخذ الموضوع منحى مختلف تماماً، إذ أهملت قضية التحرش وسلامة الأولاد، وانصب الاهتمام على الدفاع عن سمعة المدّرس والمدرسة والأجهزة الإدارية التي اعتبر اتهامها بالتستر على الواقعة مؤامرة خبيثة لتقويض تاريخها المشرق المشرّف.

وأُعلنت الحرب بشن هجوم على الفتاة المذكورة وزميلاتها ممن قدمن شهادات داعمة لقصتها، نبشوا في ماضيهن، وأتهموهن بأنهن غير سويات، وطعنوا في سلوكياتهن وأخلاقهن، من دون أن يميزوا، أن كل ذلك (حتى إن كان صحيحاً!) لا يشكل منطقياً وقانونياً وأدبيَا أي دفاع عن المتحرش، ولا يعفيه من جرمه مدى انحدار أخلاق الضحية، وأن القانون يحاسب المتحرش براهبة فاضلة معتكفة في ديرها بنفس الميزان الذي يحاسب به المتحرش بعاهرة خارجة من ملهى ليلي.

قالت ح. في الفيديو: “أعرف مدى صعوبة ما أنا مقبلة عليه، وأعرف أنني سأواجه الكثير من المتاعب، لكنني مع ذلك اخترت ألا أبقى صامتة، لعل كلامي ينقذ غيري من الطالبات والطلاب الذين مازال ذلك المدرّس يقوم بتدريسهم حتى اللحظة”.

وردوا عليها مشككين: لماذا تكلمت الآن؟ لماذا انتظرت سبع سنوات؟
على الرغم من أنها كانت قد قالت في الفيديو بكل وضوح: “لم يكن من السهل أن أبوح، وحاولت إسقاط الموضوع وتجاهله، لكن بعد أن استقر بي المقام في كندا، أحسست بحاجتي إلى معالجة نفسية، وخضعت لها، وكانت نتيجتها أنني قررت أن أتكلم، تقدمت بشكوى للكنيسة منذ سنة ونصف، لكنها لم تؤخذ على محمل الجد، لذلك، فكرت اليوم أن أنشر هذا الفيديو”.

“لماذا تكلمت يا ح. الآن؟ ولماذا لم تتكلمي حين تمت الواقعة؟ ولماذا لا تتكلم أية فتاة من الأخريات اللواتي يتعرضن للتحرش، لماذا؟”

“كأنني أسمع في أصواتهم صوت غسان كنفاني في رائعته (رجال في الشمس) عندما قال: لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟”… قال لي ذلك أحد أصدقائي عندما كنا نناقش القصة قبل أيام، وكم أصاب كبد الحقيقة.

رجال كنفاني (الهاربون عبر الحدود داخل خزان شاحنة) فضلوا أن يموتوا اختناقاً في الخزان على أن يقرعوه ويخرجوا لمواجهة الذل والتنكيل، وهكذا هم ضحايا التحرش الذين يعيشون في مجمتع لا يحب الضجيج، ويصم أذنيه عن النشاز ولو كان حقيقة، ويعمي عينيه عن أي مشهد مختلف ولو كان واقعاً، ليس هذا فحسب، بل ويقتصّ من الضحية لأنها ألقت حجراً في بحيرته الراكدة فتحركت الصورة المنعكسة على سطحها وتشوهت، ينتقم من الضحية التي أزعجت سكينته إذ صرخت: الملك عار، الملك لا يرتدي ثوباً.

وكما أن التحرش آفة عالمية، فإن التستر عليه وتجاهله، هو أيضاً (وكان كذلك لوقت قريب) آفة عالمية: أن تختار الضحية بأن تقبع في خزان الصمت.
اعترفت جارتي: “منذ أكثر من عشرة سنوات، دعتني صديقتي التي تعيش في مدينة أخرى لزفاف ابنتها وعرضت عليّ الإقامة في بيتها، قبل الحفل بعدة أيام، أصابتني وعكة صحية، فتركتني صديقتي لأرتاح في البيت وخرجت مع ابنتها العروس لتأدية التزامات ما قبل العرس، عاد زوجها مبكراً في ذلك اليوم، وتحرش بي بشكل سافر ووقح، دفعته عني بعنف وحبست نفسي مصدومة في غرفتي، فهو الرجل المرموق الشهم المحترم، الناجح في عمله والمثقف وذو الكاريزما العالية! من يصدق؟ حتى أنا لم أصدق! والتزمت الصمت حتى انتهى الاحتفال وعدت إلى مدينتي كأن شيئاً لم يكن، لقد تجاهلت تلك الواقعة وتناسيتها، لكنها سممت علاقتي بصديقة عمري، وبقيت في العمق تؤلمني وتقلق سلامي، وهذه هي المرة الأولى التي أفصح بها لإنسان عنها”.

ثمة الكثيرات مثل حلا وزميلاتها وجارتي، على امتداد وجه البسيطة، فالتحرش مرض قد يصيب أي إنسان (حسب ظروف نفسية معينة) مهما كان مثقفاً أو لطيفاً أو ظريفاً أو يتمتع بمكانة اجتماعية عالية، وضحايا هذا المرض كثر، أولهم الشخص المتَحَرّش به، وليس آخرهم عائلة المتحَرِّش وأصدقائه، والناس الذين يحبونه ويؤمنون به، وغالباً، ما يكون هؤلاء أول ما تفكر به الضحية، لتقرر إغلاق فمها، وتنزلق إلى خزان الصمت الخانق.

“هل أنت متأكدة؟ هل كان ما حدث تحرشاً جنسياً أم أنك تتخيلين أو تبالغين؟ “.
“هل أنت متأكد؟ كيف تنشر هذه القصة وتشهّر بسمعة إنسان قد يكون بريئاً؟”
نعم، هي معضلة صعبة، دائماً، ثمة هامش للمجهول، ونكذب إذ ندعي أننا نملك الحقيقة الكاملة، ولكن أيضاً، أنا أؤمن أننا يجب أن نقدم ذبائحاً على مذبح الحقيقة لتظهر لنا وجهها الناصع، وعلينا أن نختار الطريق المحفوف بأقل الخسائر، مثلاً أن نزن بميزان دقيق، الضرر الذي يمكن ان يحصل إذا اتضح إن المتهم بالتحرش بريء، والضرر الذي يمكن أن يحدث إن تسترنا عنه وأسكتنا الضحايا (المدعيين) وأخمدنا شكوكنا.

من وجهة نظري، أرى أن تكلفة التستر باهظة جداً وتفوق بمراحل تكلفة البوح، فالتستر قد يسفر عن عشرات الضحايا، في مقابل ضحية واحدة، إذا اتضح أن المتهم بريء.

في لمحة سريعة، أجد من الضروري أن أُذكّر بحركة “Me too” أو “أنا أيضاً”، وهو هاشتاج انتشر على نحو واسع حول العالم ابتداء من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، لإدانة الاعتداء والتحرش الجنسي على خلفية الفضيحة الجنسية التي كشفتها عشرات النساء عن منتج أفلام هوليوود البارز هارفي واينستين، وقد شجعت الحركة ضحايا التحرش الجنسي على التغريد عنه وفضحه “لجعل العالم يدرك حجم المشكلة”، وقد قوبلت هذه الدعوة بتغريدات آلاف النساء اللواتي كن قد صمتن طويلاً، وأبرزهن على سبيل المثال لا الحصر: غوينيث بالترو، آشلي جود، جينيفر لورنس، وأوما ثورمان. وكان من أبرز من أتهم بالتحرش وقدّم للقضاء: الممثل كيفن سبايسي، وفي واقعة أخرى مدير شبكة فوكس التلفزيونية روجر أيلز، ولا ننسى صدمة منصور لبكي، رجل الدين اللبناني الذي حوكم في فرنسا واعتبر مذنباً.
وأنتن أيضاً؟ متى ستقرعن جدران الخزّان؟
وأنتم… متى ستسمعون؟