ميديا – الناس نيوز ::
القدس – علي حسن الفواز – إذا كان محمد عابد الجابري قد تحدث عن «نقد العقل العربي»، وعن أزمة أسئلته النقدية، فإن ما يجري اليوم في واقعنا العربي يضعنا إزاء أفق رمادي، تخص هوية النقد وإشكالاته، مثلما تخص الأسئلة التي نخشى الإفصاح عن محتواها، لكن هذا الذي يجري، دخل في اللامعقول، ولم يعد أمامنا سوى إعادة صياغة أخرى للسؤال النقدي، نتجاوز فيه إيهامات التوصيف النمطي لما هو عرفاني وبياني وبرهاني، وأحسب أن هذا التوصيف فقد «سحريته» النقدية، وأضحى هو الأقرب إلى الأنموذج التبريري لـ»العقل المهزوم» الهارب.
من أي مواجهة، والعاطل عن أي إرادة، ليس لأنه فقد فاعليته في تمثيل ما هو نقدي، بل بسبب تورطه بـ»استقالة أخرى» لا تخص ما هو غنوصي وباطني، كما ذهب إلى ذلك الجابري وقتها، بقدر ما تخص ما هو سياسي وأمني وأيديولوجي، حيث تحول هذا الأقنوم الثلاثي إلى مؤسسات ومركزيات، جعلت من مفهوم العقل أقرب للتجريد، وأكثر خضوعا للدرس الأكاديمي/ التعليمي/ المؤسسي..
الحفر في التاريخ لا يؤسس سببا منطقيا للحديث عن «فكرة الهزيمة» بمعناها العسكري، كما حدث بعد عام 1967، لكنه سيكون دافعا للبحث عن الأثر، وعن التحولات «البنيوية»، التي ارتبطت بهذا الأثر، وبمدى فاعليته في التأثير على صياغة الأفكار، وعلى غثارة الأسئلة التي يفترضها العقل النقدي، على مستوى التعاطي مع نقد المشكلات الكبرى، أو على مستوى معرفة علاقة ذلك بمسؤولية العقل النقدي، في سياقه الفلسفي، أو السياسي، فبقدر ما بدت الهزيمة وكأنها حدث ضاغط، ترك أثره على تمثيل الأفكار والعلاقات، وعلى علاقة ذلك بتمثيل الاجتماع بالسلطة والتاريخ، فإنها بدت وكأنها فرصة للمراجعة، وهو ما حدث فعلا، من خلال مظاهر تلك الهزيمة على الواقع العربي، وعلى الصراعات التي انخرط بها كثير من القوى السياسية، ومنها «أحزاب اليسار» التي بدأت تبحث ـ بعد الهزيمة- عن براغماتيات سياسية وعن مراجعات أيديولوجية، عبر إقامة تحالفات طارئة وحذرة مع أحزاب اليمين، أو مع أحزاب السلطة، التي انتهت بكوارث كبيرة كما حدث في العراق واليمن والسودان..
قد تكون كوارث اليسار العربي مؤشرا على صعود الديكتاتوريات العسكرية، وعلى بروز مدّ السلفية الدينية بنسختها الإخوانية، التي أسهمت بالتمهيد لبروز المد الجماعوي الإرهابي في مرحلة لاحقة، ولعل ما جرى في مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر عام 1970 كشف عن طبيعة أثر التغيّر السياسي المركزي على النظام والاجتماع، وعلى علاقة ذلك بتغيير مسارات التحول السياسي، فعمل النظام الجديد على توظيف مؤسسة الحكم لدعم السلفية – الإخوانية- كخطاب وكقوة عنفية، أو كضد نوعي، لمواجهة المدّ اليساري، أو لتحجيم ما تبقى من الأثر الناصري. وحتى أحداث 1973 في حرب أكتوبر/تشرين الأول بدت الأمور أكثر طهرانية، من خلال إبراز فكرة «النصر العسكري»، وكأنها محاولة لتجاوز عقدة الهزيمة، وللتخلص الرمزي من معطف «الجنرال المهزوم»، والذهاب إلى صياغة عقد سياسي، أو إلى بطولة سياسية لم تجلب للعرب والمصريين سوى «الاطمئنان المغشوش»، مع بقاء اللاوعي المجهض، وهو يحتفظ بالإحساس العميق بالهزيمة، التي توالت صور أخر لها، أكثر رعبا وبشاعة، لاسيما بعد الحرب الاهلية اللبنانية، والحرب العراقية الإيرانية وحرب بيروت عام 1982..
هذه المظاهر لم تسهم في تغيير موازين الصراع فحسب، بل أعادت فكرة البطل إلى التاريخ، وإلى اللغة، فكانت ظاهرة محمود درويش الثورية في تعالي لغتها المعاندة، والحالمة، والعالقة باستعارات ما هو غائر في المكان والهوية، مثلما كانت ظاهرة أدونيس، المجاهرة بنقد التاريخ والذات والهوية والأمة، والهروب منها ومن سلفياتها البلاغية والفقهية، حتى بدا خطاب نقد هذا التاريخ، مسكونا باستعادات رمزية، وبفحولة تعويضية، وبوعي صاخب يتمرد على ما حاول العقل المهزوم أن يصنعه، وعلى ما أثاره من أسئلة كانت هي الأقرب إلى أسئلة الفقيه الشرعي، الباحث عن أوهام الخلاص، وعن ميتافيزيقا «الفرقة الناجية».
النقد والهروب من عقل الهزيمة :
التعرّف على الآخر قد يكون مدخلا للتعرّف على علّة الهزيمة، فالتسميات التي حفلت بها الذاكرة ظلت متوارية وخجولة باستعاراتها، ما بين النكسة والمحنة، حيث تُخفي أزمتها الحقيقية، وإشكالية علاقتها برهابات «العقل المهزوم» وتغولات الذات النرجسية، وبالآخر الماكر الذي وضع التاريخ على طاولات الاستشراق والاستعمار والاحتلال، وتركنا نبحث في الزوايا عن صناديق أسرار التاريخ والهوية والمعنى، فكانت الأحداث مهولة، وضاغطة، وباعثة على المرارة، وعلى الدفع باتجاه مراجعة قلقة لكلّ مشاريع «العقل النقدي» ومؤسساته، وحتى لمفهوم السلطة، وإلى تحفيز بعض الجماعات العسكرية والأيديولوجية ذات العقل الانقلابي على التمرد، وهو ما حدث في انقلاب العسكر في ليبيا، أو في انقلاب جماعة الأدلجة القومية اليمينية في العراق 1968، فكلا الانقلابين أسهما في تقديم أنموذج مشوه لفكرة الخلاص، ولصورة البطل، ولمشروع التطهير القومي، فالديكتاتور المُستبد ليس منقذا، وليس حلا أخلاقيا لمواجهة الهزيمة، بقدر ما كان تعبيرا عن تضخم أزمات داخلية، وعن أوهام تاريخية للأيديولوجيا القومية، ورؤيتها الضيقة لاستعادة الفكرة المتخيلة للأمة، ولمفهوم البطل التاريخي، الذي جعل من عداوة اليسار نظيرا لعداوة الاستعمار، وهذا الخلط المفهومي والثقافي أسهم في نشوب الكثير من الحروب الأهلية والعنف السياسي، كما حدث في العراق وفي اليمن، وحتى اغتيال بعض رموز اليسار في لبنان مثل، مهدي عامل وحسين مروة..
العقل المهزوم هو العقل الهارب من النقد، والباحث عن خلاصه الرمزي من خلال التفاوض، غير الواضح، والذي يعني في جوهره تكريسا للهزيمة، مقابل حيازة السلطة، والهروب من الواقع إلى التاريخ، فما حدث في كامب ديفيد جعل من واقعية التفاوض رهانا في الحصول على الأرض المفقودة، التي لم تكن إسرائيل قادرة على التموضع الكامل فيها، فكان التفاوض مع مصر فرصة للبحث عن جغرافيا سياسية أخرى، مقابل التخلص من العبء وتحييد الآخر القوي، وهو ما برز في أمكنة أخرى، ومن خلال الانخراط في تفاهمات سياسية وأمنية وجغرافية مضللة، كما حدث في «وادي عربة» وفي محادثات أوسلو..
البحث عن المنقذ :
ما كتبه صادق جلال العظم في «النقد الذاتي بعد الهزيمة» و»نقد الفكر الديني» و»ذهنية التحريم»، يؤكد أهمية الوعي بالفاعلية النقدية، بدءا من نقد الهزيمة إلى نقد التاريخ والسلطة والجمهور، وهي نقودات تقوم على أساس مواجهة فكرة «البحث عن المنقذ» نقديا، وعلميا، وليس أسطوريا، وبالاتجاه الذي يُسهم في نقد السلطة الحاكمة، بوصفها صاحبة المركز الاستبدادي، والحامل السياسي والأيديولوجي والمؤسسي، والمسؤولة عن صناعة العنف وممارسة «المراقبة والعقاب» عبر أجهزتها المتعددة، لاسيما الجهاز الأمني/ المخابراتي والجهاز الأيديولوجي، وصولا إلى الجهاز العسكري، الذي ارتبط تاريخيا بهوية السلطة، منذ عام 1952 أي بعد قيام العسكر بقيادة حركة «الضباط الأحرار» بثورة 1952، التي مهدت الطريق لسلسلة من الانقلابات العسكرية في مراحل لاحقة، فضلا عن جعل العناوين العسكرية جزءا قارا في سيميائية حاكمية في أغلب الدولة العربية..
فشل مؤسسة العسكر في صناعة الدولة الحديثة، جعلها أكثر اندفاعا نحو مركزة السلطة، وتغييب الهوية المدنية، وحماية التنوع الأنثروبولوجي، وإقامة التنميات المتوازنة والتعليم الناهض والاقتصاد الحر والعدالة الاجتماعية، وربط السلطة بالتاريخ والميثولوجيا، وكذلك بصورة البطل القومي، الذي تحوّل بعد نكسة يونيو/حزيران إلى بطل رث، أو إلى بطل مستبد، مقابل دفع المجتمع إلى ما يشبه «الأسلمة السلبية» التي برزت ظاهرتها من خلال الجماعات السلفية، وعصوبيات الإرهاب، وخطابات العنف وكراهية الآخر وصور الفقيه والداعية و»الخليفة»، وغيرها من براديغمات المركزية الإكراهية.. لم تستطع هذه المؤسسة مواجهة تحديات الحداثة، فكانت مركزيتها ونظامها الصارم يحدان من أي تعاطٍ عقلاني- نقدي في سياق تمثيل مشروع الدولة الحديثة، بوصفه خيارا للتقدم وأنسنة قيم العدالة الاجتماعية والحقوقية والتنمية البشرية، وهو ما تسبب في بروز صراعات داخلية، تمثلت مظاهرها عبر قمع الحريات، والحقوق المدنية، وتوسيع دائرة «الرقابة والعقاب» لأن هذه المؤسسة/ السلطة عمدت إلى احتكار الحكم، والحريات، وصولا إلى احتكار صناعة المعرفة والتعليم والخطاب، مع فشل واضح في السيطرة على «خيارات الحرب والسلام» وعلى تحقيق مظاهر واقعية لبناء الاجتماع السياسي، والتأطير الديمقراطي والعمران الثقافي.
العقل المهزوم والعقل المستقيل :
لا شك أن مرجعيات محمد عابد الجابري جعلته يؤطر نقده لمفهوم «العقل المستقيل»، من خلال عزله عن الوظائف البرهانية، وربطه بالانسحاب إلى مرجعيات غنوصية وعرفانية وباطنية، وربما أيديولوجية، رغم أن هذا العقل تاريخي، وله علاقة سرية ومكبوتة بمرجعيات مسكوت عنها، تتعلق بحركات المعارضة السياسية والاحتجاج والرفض، إلا أن تعويم المفهوم هو الذي بدا سائدا ومهيمنا، وكأن الجابري عمد إلى وضعه خارج السلطة الرسمية، وأن غنوصيته ترتبط بالمخزن الأيديولوجي للجماعات المعارضة.. ما حدث في مصر بعد أحداث 25 يناير/كانون الثاني وتسنم الإخوان الحكم، كشف عن غنوصية غامضة لعقل السلطة، ولهوية خطابها السلفي المركزي، ونظرتها للآخر، حدّ أنها بدت واضحة وإكراهية في الترويج لها عبر الخطاب الإعلامي، الذي تضخمت منابره، وعبر الخطاب الأيديولوجي الإشهاري الذي تحول إلى إجراءات سياسية، بدت مظاهرها أكثر عنفا وغلوا من خلال قتل وتصفيه وإكراه جماعات طائفية أخرى داخل المجتمع المصري.. كما أن أحداث العراق ما بعد الاحتلال في 2003 كشف عن عيوب بنية الاستبداد ومركزيته في السلطة، وعن البيئة الرخوة التي صنعها لنشوء الجماعات الإرهابية السلفية، التي طرحت نفسها وكأنها القوة الصيانية في مواجهة «الاحتلال» والنظام السياسي الذي جاء معه، وهو ما دفع الجميع للدخول في حرب أهلية تغولت مظاهرها من خلال تشكيلات «داعش الإرهابية» التي طرحت خطابها الاستعادي للنظام الرسمي العربي، عبر أنموذج «الخليفة القرشي»، وعبر الشعارات الطاردة والتكفيرية، وصولا إلى احتلال عدد من المدن العراقية وإخضاعها إلى سلطة «المتخيل الخلافوي» للدولة، وللاعقل الذي فرض غنوصيته الانسحابية على المجتمع..
ما يحدث الان في سوريا هو أنموذج صارخ لإشكالية «العقل المهزوم» المسحوب من الحداثة ومن المستقبل، وباتجاه عنفي وسلفي يقوم على إخضاع الاجتماع السوري المتنوع إلى مركزية الحاكمية التي لا تؤمن باختلاف الآخر، فكانت أحداث الساحل السوري، وأحداث السويداء الدرزية، دليلا على هذه التقويض، وعلى إعادة إنتاج شكل آخر للاستبداد الذي انتهى مع حاكمية نظام بشار الأسد بسلطته المستبدة ومركزيته الأيديولوجية..
العقل المهزوم لا يختلف كثيرا عن العقل المستقيل، فالهروب إلى الاستبداد، يقابله الهروب من الحداثة، ومن الواقع إلى التاريخ، وهو ما سيجعل سياساته تقوم على عوامل التجريف المركزي للثقافات والمكونات الأخرى، وتغذيتها لمظاهر الفصل الاجتماعي بين المركز المتعالي للنظام والخطاب، والاجتماع، وبالشكل الذي يجعل ممارسة سلطة النظام تقوم على نوع من التطهير الطائفي والعرقي الذي يكرس أوهام العقل المهزوم.
ناقد وباحث عراقي



الأكثر شعبية

أعلى عشرة أفلام تحقيقاً للإيرادات في النصف الأول من العقد


دمشق: الثقافة الكردية جزء من الهوية الوطنية السورية…


