دبي وكالات وميديا – الناس نيوز ::
رغم حالة عدم اليقين الجيوسياسي في المنطقة وتأجيل انعقاد المعرض، أكد الإقبال الجماهيري استمرار الزخم المحيط بالنسخة العشرين من معرض آرت دبي Art Dubai، وبالمشهد الفني الإماراتي عمومًا، إذ تجاوز عدد الزوار 25 ألف شخص خلال الفترة من 14 إلى 17 مايو/أيار، مسجلًا أعلى معدل حضور في أيام الزيارة العامة حتى الآن، بالتزامن مع إطلاق نموذج لتقاسم المخاطر.
تحول في اقتصاد المعارض
يقيس نموذج تقاسم المخاطر نجاح المعارض بناءً على حجم المبيعات المحققة خلال فترة انعقادها، في خطوة تعكس الضغوط التي تواجهها العديد من المعارض الفنية حاليًا. وقالت المديرة التنفيذية لمجموعة آرت دبي، بينيديتا غيون، في حديث مع فوربس الشرق الأوسط: “ينبثق هذا النموذج من التزامنا تجاه المعارض التي ساهمت في بناء المشهد الثقافي في المنطقة جنبًا إلى جنب معنا”.
وبموجب هذا النموذج، لم تعد المعارض المشاركة مطالبة بدفع رسوم ثابتة للأجنحة مقدمًا، بل تسدد نسبة مئوية من مبيعاتها خلال المعرض، على ألا تتجاوز القيمة الإجمالية رسوم الجناح التقليدية. وأوضحت غيون أن هذا النهج يعني أن المعارض لن تدفع أكثر مما كانت ستدفعه وفق النموذج التقليدي، بينما تنخفض التكاليف تلقائيًا إذا تراجع الإقبال، بما يتيح تقاسم المخاطر بين الجهة المنظمة والمعارض بدلًا من تحميلها لطرف واحد فقط.
وطُبق هذا النموذج لأول مرة عام 2021، حين ساهم في دعم المجتمع الفني خلال جائحة كوفيد-19، فيما تعكس إعادة العمل به هذا العام استمرار الالتزام بدعم المعارض التي لعبت دورًا في ترسيخ المشهد الثقافي في المنطقة.
منصة عالمية بجذور إقليمية
وبدعم من هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة)، سلطت النسخة المعدلة لهذا العام الضوء على التطور الكبير الذي شهده معرض آرت دبي منذ انطلاقه عام 2007، عندما ضمت نسخته الافتتاحية نحو 50 معرضًا و10 مساحات فنية تجارية.
وأضافت غيون: “منذ البداية، صُمم المعرض ليكون سوقًا ومنصة للقاء، تضع دبي ضمن حوار عالمي أوسع، وتمنح الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا مساحة للتعبير بحرية. وبعد عقدين من الزمن، أصبحت هذه الرؤية واقعًا ملموسًا. يعمل آرت دبي اليوم كمركز محوري في عالم الفن المتشابك بصورة متزايدة، ونما بالتوازي مع نمو المدينة نفسها”.
وانطلاقًا من إدراكها بأن معرضًا سنويًا واحدًا لا يكفي لدعم منظومة فنية إقليمية متكاملة، تطور آرت دبي إلى منصة تعمل على مدار العام، تجمع بين النشاط التجاري، والتكليفات الفنية، والتعليم، والأبحاث، والبرامج العامة عبر مشاريع آرت دبي، بهدف تعزيز البنية التحتية الثقافية على المدى الطويل.
وشهد الحدث، الذي امتد أربعة أيام، عروضًا للفنون المعاصرة والحديثة والرقمية، إلى جانب برنامج يستند إلى استقلاليته وجذوره المحلية والإقليمية ورؤيته العالمية. تضيف غيون: “لطالما جمع آرت دبي طيفًا واسعًا من الممارسات الفنية، مع ربط الرؤى الإقليمية بالسياقات العالمية”. وضمت النسخة الحالية نحو 75 معرضًا تجاريًا، إلى جانب أعمال فنية بتكليفات خاصة وتعاونات مع مؤسسات إماراتية. كما حافظت نسبة المعارض الإقليمية إلى الدولية على استقرارها مقارنة بالنسخ السابقة، عند مستوى 60/40، بحسب غيون.
وشارك في نسخة هذا العام أكثر من 200 فنان محلي ومؤسسي من أكثر من 20 دولة، من بينها لبنان وألمانيا وأنغولا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة.
كما احتضن الحدث السنوي جناح Made Forward من مقتنيات دبي، وهي مجموعة عامة للفن الحديث والمعاصر. عرض الجناح أكثر من 30 عملًا فنيًا مستعارًا من 20 مجموعة خاصة في الإمارات، من بينها مجموعتا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، وسمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة دبي للثقافة، إلى جانب أكثر من 20 مجموعة أخرى. واستكشف المعرض مفاهيم الاقتناء والذاكرة وتشكيل المكان من خلال أعمال لفنانين من غرب آسيا وشمال أفريقيا وجنوب آسيا.
دبي تراهن على المستقبل الثقافي
وشملت الإعلانات الصادرة خلال المعرض خططًا لإطلاق متحف الفن الرقمي في دبي، والمتوقع افتتاحه عام 2029، إلى جانب إطلاق برنامج A.R.M. Holding Children’s Programme للأطفال في مدارس الإمارات خلال سبتمبر/أيلول 2026.
وجاءت هذه النسخة وسط حالة من عدم اليقين الاقتصادي الإقليمي، في وقت أعلنت فيه سلطات دبي حزمة ثانية من الحوافز الاقتصادية بقيمة 408 ملايين دولار (1.5 مليار درهم إماراتي)، لدعم قطاعات متنوعة تشمل الرسوم والخدمات الحكومية، والأنشطة الفنية والثقافية، والسياحة، والتعليم، والتجارة.
ووفقًا للمكتب الإعلامي لحكومة دبي، ستستفيد المؤسسات التابعة لهيئة دبي للثقافة من تأجيل أو تقسيط الإيجارات والالتزامات المالية، إلى جانب خفض رسوم المساحات الثقافية والفنية المؤقتة، وتوسيع نطاق الاستيراد المؤقت للأعمال الفنية عبر جمارك دبي.
وفي حديثها عن مستقبل آرت دبي، قالت غيون: “سيتمحور العقد المقبل حول العمق والاستدامة والتأثير الثقافي طويل الأمد”. وأضافت أن المعرض سيواصل الاستثمار في الفنانين والمجتمعات والمبادرات الممتدة على مدار العام في مجالات التعليم والتكليفات الفنية والأبحاث، مع الحفاظ على دوره كمنصة مستقلة تدعم المشهد الفني في دبي والمنطقة.
أصوات فنية
إلى جانب المعرض الرئيسي، شهد أسبوع آرت دبي سلسلة من العروض والبرامج الفنية التي قادتها صالات العرض والمؤسسات الثقافية في أنحاء دبي. وقدمت تشكيل، ضمن برنامج Critical Practice، أول معرض فردي للفنانة الإماراتية موزة الفلاسي بعنوان Unfolding، والذي تناول موضوعات التحول والهوية والتأمل الذاتي برؤية معاصرة.
وترى الفلاسي أن المشاركة في أسبوع آرت دبي تحمل أهمية خاصة، لما تتيحه من وضع أعمالها ضمن سياق أوسع من التبادل الثقافي والفني، حيث تتقاطع الحوارات بين الأوساط الفنية الإقليمية والدولية، ويتفاعل العمل مع جمهور متنوع من الفنانين ومنسقي المعارض والمهتمين بالفنون. وفي حديث مع فوربس الشرق الأوسط، قالت الفلاسي: “كان معرض Unfolding مرتبطًا بهذا السياق بشكل خاص، لأن المشروع نفسه قائم على فكرة العملية والتحول والانكشاف التدريجي. ويعكس المعرض مرحلة من النمو الشخصي والفني، ما يجعل هذه اللحظة مناسبة تمامًا لتقديم العمل للجمهور”.
وفي حديثها عن تأثير المشهد الفني الإماراتي على تجربتها الإبداعية، أشارت الفلاسي إلى ما يتميز به من انفتاح على التجريب وتعدد الأساليب الفنية. وأضافت: “وجودي وسط فنانين من خلفيات ثقافية وتخصصات متنوعة شجعني على التفكير بصورة أوسع في المواد والعمليات الفنية ودور الفن المعاصر داخل المجتمع. وأكثر ما أقدّره في هذا المشهد هو الإحساس الدائم بالإمكانات التي يتيحها”.
وضمن برنامج المعارض الممتد عبر المدينة، كشف JD Malat Gallery عن معرض Hone Intuition، وهو معرض فردي للفنان الياباني ماسايوشي نوجو، يواصل من خلاله استكشافه لمفاهيم الذاكرة والزمن والإدراك عبر تكوينات متعددة الطبقات تجمع بين الأكريليك والطباعة بالشاشة الحريرية وأوراق الفضة والألمنيوم. ويمزج المعرض بين صناعة الصورة المعاصرة والجماليات اليابانية التقليدية، مستلهمًا إرث أوغاتا كورين ومدرسة رينبا الفنية.
يقول نوجو في حديث مع فوربس الشرق الأوسط: “تتحول سجلات المواقع المحددة إلى إحساس بالألفة والحنين يمكن للجميع التفاعل معه”. وأضاف أن مفهوم “الذاكرة” في أعماله يُعرّف بوصفه “صورًا متغيرة”، إذ يتبدل مظهر العمل الفني استجابةً لبيئة العرض ومرور الزمن، ليبدأ “الزمن المادي” بالتدفق داخل العمل نفسه. ونتيجة لذلك، لا يكتفي الزوار بمشاهدة “ذكريات الماضي”، بل يشاركون أيضًا في تجربة معايشة “اللحظة الراهنة” مع العمل الفني. ويُعد هذا أول معرض فردي للفنان في دبي.
وبالتعاون مع معرض JD Malat Gallery، كشف الفنان اللبناني المقيم في دبي فؤاد حمزة عن عمل تركيبي نحتي يضم ستة أعمال كبيرة الحجم من الفولاذ المقاوم للصدأ ذي السطح العاكس، ليواصل حواره الفني بين الخط العربي، والغرافيتي المعاصر، والنحت، ناقلًا هذا التفاعل إلى داون تاون دبي.
ترجمة: أمل عبد الوهاب



