دمشق – د. زياد عربش – ميديا – الناس نيوز ::
ستجلس سورية لأول مرة على طاولة مجموعة السبع بوصفها دولة ضيفة. ستحمل كلمتين رئيسيتين في جعبتها: “مركز الإمداد” والتعافي المستدام“.
فهل تتحول هذه المشاركة لبداية حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوري وإدماجه دولياً، أم أنها ستبقى مجرد صورة تذكارية تليها سنوات أخرى من الترقب؟
كل الاحتمالات مفتوحة. لكن المؤكد أن التاريخ الجيواقتصادي للمنطقو يُسّطر اليوم فصلاً جديداً عنوانه: دمشق تعود إلى اللعبة الكبرى، وهذه المرة ليس عبر المحاور العسكرية، بل عبر الموانئ والطرق والاقتصاد.
أولاً- تحول جيوسياسي غير مسبوق
في تطور دبلوماسي واقتصادي وصفته مصادر غربية بـ”التاريخي”، تلقت الجمهورية العربية السورية دعوة رسمية للمشاركة بصفتها دولة ضَيفة في أعمال قمة مجموعة السبع (G7) المقررة في فرنسا خلال الفترة من١٥-١٧ حزيران يونيو ٢٠٢٦. فهذه المرة الأولى التي تُدعى فيها لسورية من أربعة عشر عاما، للجلوس على طاولة تضم أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم.
المعلومة أكدتها دعوة سُلّمت باليد لوزير المالية السوري، الذي سيرافق وفد بلاده لكن المفاجأة الأكبر كانت في هوية رئيس الوفد: فسيمثل سورية شخصيا الرئيس في خطوة تُفسَّر بأنها رسالة غربية شرق أوسطية جديدة مفادها أن دمشق لم تعد على هامش النظام العالمي، بل أصبحت جزءا من الحلول الجيوسياسية الطارئة.
ثانيا: محاور المشاركة السورية: من الإغاثة إلى الجيواستراتيجيا: سورية نهاية العمل البحري وبداية العمل البري
1-سورية كمركز استراتيجي لسلاسل الإمداد
المحور الأساسي الذي ستطرحه الرئاسة السورية في القمة ليس سياسيا بالمعنى التقليدي، بل لوجستي اقتصادي. وبتقديم سورية كـمركز بديل واستراتيجي لسلاسل الإمداد العالمية في ظل أزمة الملاحة البحرية الخانقة التي تتعرض لها المنطقة منذ إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات في البحر الأحمر.
فالموقع الجغرافي الفريد لسورية، المطل على البحر المتوسط عبر ميناء اللاذقية وطرطوس، والمتصل بمناطق الشرق الأوسط والخليج عبر شبكة طرق برية، يُعيد اليوم تعريف أهميته. ففي وقت تتعطل فيه القنوات البحرية التقليدية (قناة السويس وباب المندب)، يمكن أن تتحول سورية إلى بوابة عبور للبضائع بين الشرق والغرب، وهو ما تسعى دمشق لاستغلاله كورقة هامة وفرصة استثمارية ضخمة.
- التعافي المستدام وإعادة الإدماج المالي
أما على الصعيد الاقتصادي الداخلي، فسيحضر وزير المالية الجلسات المخصصة لملف “التعافي المستدام لسورية”، والتي تُعقد لأول مرة تحت مظلة G7. وفق ما نقلته رويترز، ستناقش هذه الجلسات آليات إعادة دمج سورية في النظام المالي العالمي بما يشمل:
- إعادة هيكلة الديون السيادية السورية.
- شروط عودة المصارف السورية إلى نظام سويفت (SWIFT).
- إنشاء آليات ضمان للاستثمارات الأجنبية في البنية التحتية.
- استئناف عمل بعثات صندوق النقد والبنك الدوليين في دمشق.
هذه النقاط كانت حتى وقت قريب مجرد طموحات بعيدة المنال، لكن الانفتاح الدبلوماسي العربي والأوروبي، إلى جانب التطورات الإقليمية، هيأ الأرضية لهذه الخطوة.
ثالثا: المكاسب المحققة: ماذا تحصد دمشق فعلًا؟
حققت سورية خلال الفترة الممتدة بين أواخر 2025 ومنتصف 2026 مجموعة من المكاسب الملموسة في مجالات متعددة.
في المجال التجاري، تم فتح خطوط ائتمان تجارية مع أربع دول أوروبية هي إيطاليا وفرنسا واليونان ومالطا، خصصت بشكل أساسي لاستيراد الحبوب والأدوية والمواد الأساسية.
أما في قطاع الاستثمار، فقد جرى توقيع ثلاث مذكرات تفاهم مع ائتلافات استثمارية تجمع شركات خليجية وأوروبية، تستهدف إعادة تأهيل ميناء طرطوس ومطار دمشق الدولي، إلى جانب إنشاء منطقة لوجستية حرة قرب الحدود مع لبنان.
وفي القطاع المالي، شهدت الأشهر الأخيرة عودة خمسة مصارف سورية (خاصة ومختلطة) إلى نظام المراسلة المصرفية مع بنوك فرنسية وإيطالية، وإن كان ذلك بشكل تجريبي ومحدود.
على الصعيد السياسي، تمكنت سورية من حصول اعتراف بحكم الأمر الواقع من ثلاث دول أعضاء في مجموعة السبع (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا)، تجلى في فتح قنوات دبلوماسية شبه علنية وتبادل زيارات لمسؤولين اقتصاديين.
لكن على الجانب الآخر، لا تزال التحديات قائمة، وأبرزها
بطء وتيرة الاستثمارات المباشرة وتردّد المؤسسات المالية العالمية الكبرى بسبب غياب تسوية سياسية شاملة وما يرتبط بها من مخاطر تقييمية.
رابعاً- التحديات المطروحة على G7
من المتوقع أن تطرح الدول الغربية الأعضاء في المجموعة (الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان) ثلاثة شروط رئيسية لأي اندماج اقتصادي كامل لسورية:
1.آليات الشفافية والمساءلة في إعادة الإعمار، لمنع أي فساد أو استخدام أموال دولية في غير أغراضها.
2.التزام سوري قابل للقياس بالإصلاحات النقدية والمالية، بما في ذلك استقلالية مصرف سورية المركزي ونشر بيانات دقيقة عن الاحتياطيات.
3.ضمانات بعدم عودة التصعيد العسكرياً أو استخدام الأراضي السورية لتهديد جيرانها.
أما سورية، فستطلب في المقابل:
-جدول زمني واضح لتفعيل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى.
وبدء فوري لمشاريع البنية التحتية بتمويل من صندوق “G7 للتعافي السوري” (مقترح فرنسي – ألماني لم يُعلن رسميًا بعد).
-دعم دولي لخطة الربط البري البحري بين الخليج والبحر المتوسط عبر سورية.
خامسا: نافذة من ذهب أم اختبار صعب؟
تعتبر المشاركة السورية في قمة G7 ليست مجرد تتويج رمزي للانفتاح الدولي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الجديد في دمشق على التحول من “دولة محاصرة وتنفتح” إلى “شريك اقتصادي فاعل”. المكاسب التي حققتها سورية خلال الأشهر الماضية، فتح خطوط الائتمان، عودة المراسلة المصرفية، الاهتمام بمشاريع البنية التحتية تعكس تغيراً في النظرة الغربية من عزل سورية إلى إشراكها كعنصر استقرار إقليمي.
لكن التحدي الأكبر يكمن في السرعة والمصداقية. فيعيش العالم اليوم أزمة سلاسل إمداد غير مسبوقة، وفراغاً جيوسياسيا تتنافس عليه قوى كبرى. إذا نجحت سورية في إقناع قادة السبع بأنها جاهزة لأن تكون جزءاً من الحل، لا المشكلة، فإن النافذة الحالية قد تتحول إلى تحول هيكلي دائم. أما إذا بدت الوعود السورية غامضة أو غير قابلة للتنفيذ، فقد تغلق هذه النافذة بسرعة، وتبقى سورية رهينة انتظار آخر وهي يغنى عن كل ذلك.
د. زياد عربش – اكاديمي سوري ومستشار اقتصادي .



