لندن وكالات – الناس نيوز ::
فوربس – في تمام الساعة العاشرة صباحًا من أواخر شهر أبريل/ نيسان، وفي ضاحية تشيزيك الهادئة غربي العاصمة البريطانية لندن، كان السير ديفيد بيكهام متواجدًا بالفعل في موقع التصوير منذ ساعتين. ولم يكن هذا الأمر مفاجئًا، فنجم كرة القدم المعتزل، البالغ من العمر 51 عامًا، معروف بدقته الشديدة وانضباطه في المواعيد.
خارج المنزل المبني من الطوب والمكون من طابقين، تزدحم الساحة بالرافعات، والخيام، والمقطورات، مما يمنح المكان مظهر استوديو سينمائي خارجي. أما في الداخل، فيتحرك العشرات من أفراد طاقم العمل بين الغرف بكفاءة وخبرة عالية، لتوجيه الكاميرات وضبط معدات الإضاءة.
وقد تولت شركة الإنتاج المملوكة لبيكهام، ستوديو 99، تنظيم جلسة التصوير المنعقدة اليوم لصالح شركة مكبرات الصوت البريطانية “Bowers & Wilkins”، وذلك بعد يوم واحد فقط من جلسة تصوير أخرى أقيمت لصالح شركة تصنيع الأجهزة المنزلية “SharkNinja”. كما أُدراج العديد من جلسات التصوير الأخرى في جدول الأعمال للأيام القليلة المقبلة؛ وكل ذلك يأتي لخدمة الآلة الاستثمارية التي تحمل اسم “شركة ديفيد بيكهام”.
كواليس العمل.. الفلسفة وراء النجاح المستدام
مع بدء دوران الكاميرات، يجلس بيكهام على أريكة ضخمة، مرتديًا سترة بيضاء من علامة “هوغو بوس”، وبنطال جينز ممزق، وحذاءً رياضيًا أبيض، وتزين معصمه ساعة رولكس ذهبية. وبجانبه يستلقي كلب من فصيلة “كوكر سبانيل” أُستأجر لهذا اليوم، والذي قفز فجأة في منتصف لقطة التصوير.
من الغرفة المجاورة، كانت المديرة الإبداعية لبيكهام، والتي ترافقه منذ فترة طويلة، تتابع المشهد عبر شاشتها، لتتحرك على الفور وتصرخ “السترة! السترة!”. لم يكن قفز الكلب هو ما يقلقها، بل إن سترة بيكهام أو الـ “Jumper” كما يسميها البريطانيون ما أزعجها، ليهرع فريق العمل فورًا لضبط هندامه.
ويشرح بيكهام فلسفته قائلًا “أدركتُ مبكرًا أن الارتباط بالعلامات التجارية المناسبة، والتي تتوافق قيمها مع قيمي، هو السر الذي يتيح لك العمل معها لعشرة أو خمسة عشر أو عشرين عامًا. أنا أعمل بجد لتطوير هذه العلاقات لأنها مهمة للغاية.. ونحن نقدم دائمًا أكثر مما هو متوقع منا”.
اعتزل بيكهام كرة القدم الاحترافية في عام 2013 وهو في سن الثامنة والثلاثين، بعد أن حصد أكثر من نصف مليار دولار داخل الملعب وخارجه. لقد كان نجمًا عالميًا بارزًا خلال مسيرته الكروية، وربما كان أول لاعب كرة قدم يعرفه المواطن الأميركي العادي منذ عهد الأسطورة بيليه. ولكن، وعلى نحو يثير الدهشة، أصبح بيكهام أكثر شهرة بعد اعتزاله، وأكثر ثراءً بكثير.
ديفيد بيكهام يدخل نادي المليارديرات
في العام الماضي، حقق بيكهام أرباحًا بلغت 100 مليون دولار، مسخرًا هالته الجذابة ومنضبطة المظهر للترويج لمنتجات متنوعة؛ بدءًا من أحذية أديداس الرياضية وصولًا إلى ماكينات قهوة “نيسبريسو”. ولم يعد الأمر مقتصرًا على عقود الرعاية الإعلانية فحسب؛ بل امتد ليشمل وثائقيات على منصة “نيتفليكس”، وصفقات عقارية في فلوريدا، واستثمارات في مجموعة من الشركات الناشئة.
وفي عام 2024، أطلق بيكهام علامته التجارية IM8 المتخصصة في المكملات الصحية الشاملة ومكافحة الشيخوخة، فضلًا عن خط إنتاج الوجبات الخفيفة من الفواكه للأطفال المصنوعة من العسل. إلى جانب كل ذلك، تبرز حصته البالغة 26% في نادي “إنتر ميامي”، الذي يعد أحد أكثر أندية الدوري الأميركي لكرة القدم شعبية.
وبجمع كل هذه الاستثمارات والأصول، ينضم بيكهام رسميًا إلى نادي المليارديرات، حيث تُقدر ثروته بحسب إحصاءات فوربس بنحو مليار دولار. وبذلك، يصبح واحدًا من بين 6 رياضيين محترفين فقط على قيد الحياة نجحوا في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي، وهم مايكل جوردان، وماجيك جونسون، وتايغر وودز، وليبرون جيمس، وروجيه فيدرر، بالإضافة إلى نجم التنس الروماني المعتزل إيون تيرياك.

إنتر ميامي.. الرهان الجريء والصفقة المليارية
تُمثّل حصة بيكهام في نادي “إنتر ميامي” الجزء الأكبر من ثروته الإجمالية. وكان بيكهام قد صدم عالم كرة القدم في عام 2007 عندما أعلن مغادرته لنادي ريال مدريد الإسباني لينتقل إلى الدوري الأميركي لكرة القدم، والذي كان حينها دوريًا متعثرًا ويُصنف ضمن الفئة الثانية. ويعلق بيكهام على هذا القرار قائلًا “حدسي كان يخبرني بأن هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله، وأنا دائمًا أتبع حدسي”.
وقد تفاوض النجم البريطاني آنذاك على عقد مدته خمس سنوات للعب مع نادي “لوس أنجلوس غالاكسي” مقابل 6.5 مليون دولار سنويًا، وهو ما تجاوز سقف الرواتب المحدد في الدوري بأكثر من ثلاث مرات حيث منحته إدارة الدوري استثناءً ذكيًا، بالإضافة إلى حصوله على حصة غير مسبوقة من عائدات الرعاية ومبيعات السلع الخاصة بالفريق. ولكن البند الأكثر أهمية في هذا الاتفاق، كان إصراره على تضمين خيار يمنحه الحق في شراء فريق جديد في الدوري مقابل 25 مليون دولار فقط عند اعتزاله.
وقد وقع اختيار بيكهام على مدينة ميامي من بين قائمة قصيرة من الأسواق المعتمدة للتوسع من قِبل الدوري الأميركي، مدفوعًا بكثافتها السكانية من أمريكا اللاتينية العاشقة لكرة القدم، وجاذبيتها الكبيرة للاعبين. ويقول بيكهام “كنت أؤمن دائمًا أن ميامي قادرة على جذب لاعبين عظماء بفضل تنوعها وحيويتها”.
واليوم، أصبح “إنتر ميامي” الفريق الأكثر إثارة وجاذبية في الدوري الأميركي لكرة القدم، سواء داخل الملعب -حيث توج بلقب كأس الدوري الأميركي لعام 2025 بقيادة النجم الأسطوري ليونيل ميسي، أو خارجه. وتُقدر فوربس القيمة السوقية للنادي بنحو 1.4 مليار دولار قبل احتساب الديون، وهو رقم قياسي في تاريخ الدوري، مما يجعل قيمة حصة بيكهام البالغة 26% تتجاوز 300 مليون دولار، محققةً عائدًا يعادل أكثر من 12 ضعف استثماره الأولي في غضون ما يزيد قليلاً عن عقد من الزمن.
وفي شهر أبريل/ نيسان، انتقل الفريق إلى ملعبه الجديد “نو ستاديوم” الذي يتسع لـ 27 ألف متفرج ويقع بالقرب من مطار ميامي الدولي. وموّل بناء الاستاد بالكامل بتمويل خاص من بيكهام وشريكيه؛ الملياردير العقاري خورخي ماس وشقيقه خوسيه، بتكلفة تُقدر بنحو 350 مليون دولار.
وإلى جوار الملعب، تعمل طواقم الإنشاءات حاليًا على إضافة مليون قدم مربعة من المساحات المكتبية والتجارية، وفندق يضم 750 غرفة، ومتنزه يمتد على مساحة 58 فدانًا، بتكلفة إضافية تبلغ مليار دولار، تم تمويلها عبر قروض ورؤوس أموال ضخها الشركاء.
إصرار يتحدى العقبات
لم يكن الطريق نحو تحقيق هذا الإنجاز مفروشًا بالورود؛ فمن أجل إطلاق نادي “إنتر ميامي”، كان على بيكهام أولًا خوض عدة شراكات متعثرة، وتجاوز ثلاثة مخططات فاشلة لبناء الاستاد.
وبحلول عام 2016، أي بعد ثلاث سنوات من اعتزاله، كان قد تكبد خسائر بلغت 39 مليون دولار في هذا المشروع، توزعت بين رسوم التوسع والخطط الملغاة وتكاليف التصاريح ومصروفات التأسيس الأخرى. ووصل الأمر إلى حد عرض إدارة الدوري الأميركي لكرة القدم شيكًا بقيمة 50 مليون دولار على بيكهام لاستعادة خيار الشراء منه، إلا أنه رفض العرض رفضًا قاطعًا، ويعلق على تلك المرحلة قائلًا: “لم تمر عليّ لحظة واحدة قلت فيها إن هذا المشروع لن يرى النور”.
والآن، ومع استضافة أميركا لبطولة كأس العالم هذا الصيف لأول مرة منذ 32 عامًا، بدأت كل خطط بيكهام المدروسة بعناية تؤتي ثمارها مجتمعة؛ حيث اختيرت ميامي رسميًا كمدينة مستضيفة لسبع مباريات في البطولة، في حين وقع بيكهام عقدًا ليكون الوجه الإعلاني للحملة الترويجية للدوري الأميركي لكرة القدم. كما أنه يستغل هذا الزخم العالمي لإطلاق سلسلة من الإعلانات الجديدة لصالح كبرى الشركات العالمية مثل أديداس وليز، ولينوفو، وماكدونالدز، وفرايزون وهوم ديبوت؛ ليستعد العالم بذلك لما يمكن تسميته بـ “صيف بيكهام”.
وفي هذا السياق، تصرح فيكتوريا بيكهام، النجمة السابقة لفرقة “Spice Girls” وزوجة بيكهام منذ 26 عامًا، قائلة “إن رؤية كل العقبات التي تغلب عليها لهو أمر مذهل حقًا.. ديفيد بارع للغاية في تحويل المستحيل إلى واقع ملموس”.
النشأة وبداية الرحلة.. كيف شكلت قيم العمل الإمبراطورية؟
تعلّم بيكهام قيمة العمل الشاق منذ طفولته التي قضاها في منطقة “إيست إيند” بشرق لندن؛ حيث نشأ في عائلة مكافحة، فوالده تيد كان يعمل في تركيب وصيانة أفران الغاز، ووالدته ساندرا كانت تعمل مصففة شعر. وكان الأب، الذي لعب كرة القدم سابقًا شبه محترف، يعمل لساعات طويلة؛ إذ يغادر المنزل في السادسة صباحًا ولا يعود غالبًا إلا في التاسعة مساءً. أما الأم فكانت تصفف الشعر -غالباً لكبار السن من النساء- في المنزل حتى الحادية عشرة ليلاً، وذلك كله بالتوازي مع إحضار الأطفال من المدرسة، وطهي العشاء، ومتابعة الفروض المدرسية لديفيد وشقيقتيه. ويتذكر بيكهام تلك الأيام قائلًا: “كنت أتواجد هناك للمساعدة؛ أعد أكواب الشاي وأصنع الكعك. إن أعظم هدية قدمها لي والداي على الإطلاق هي غرس أخلاقيات العمل في نفسي”.

بدأ ديفيد مسيرته الرياضية كصاحب نمو بدني متأخر مقارنة بأقرانه، حيث كان دائمًا أصغرهم حجمًا، وهو ما دفعه لقضاء الأمسيات وعطلات نهاية الأسبوع في التدرب على المراوغات وحركات الخداع بالكرة. وفي الحادية عشرة من عمره، فاز بمسابقة للمهارات الكروية، لينضم لاحقًا في سن الثالثة عشرة إلى ناشئي نادي مانشستر يونايتد مقابل راتب ناهز 30 جنيهاً إسترلينياً في الأسبوع.
وفي عام 1996، وكان يبلغ من العمر حينها 21 عامًا، جذب بيكهام انتباه كشّافي شركة أديداس، ليوقع عقده الأول معها بقيمة تقارب 75 ألف دولار، ما يعادل 160 ألف دولار بالقيمة الحالية. وبحلول عامه الثاني والعشرين، أصبح بيكهام شخصية وطنية بارزة، وتضاعفت وتيرة تحوله إلى نجم عالمي عندما بدأ مواعدة فيكتوريا آدامز، نجمة فرقة (Spice Girls)، والتي كانت أكثر شهرة منه في ذلك الوقت. وفي العام نفسه، أبرم بيكهام أول عقد رعاية تجاري له، وكان اتفاقًا لمدة أربع سنوات مع علامة كريمات الشعر بريلكريم بقيمة بلغت نحو 7 ملايين دولار.
من السقوط إلى المجد والتحول نحو ريادة الأعمال
لكن مسيرته لم تخلُ من النكسات؛ إذ أدت بطاقته الحمراء الشهيرة في كأس العالم 1998 -والتي كلفت إنجلترا خسارة المباراة- إلى تعرضه لسنوات من الهجوم الحاد من قِبل المشجعين الغاضبين. ورغم ذلك، واصل العمل بصمت ودون الالتفات للانتقادات، ليعود بعد ثلاث سنوات وفي الوقت بدل الضائع أمام اليونان، ويسجل ركلته الحرة الشهيرة التي أهلت إنجلترا إلى كأس العالم 2002. وبحلول عام 2003، كان بيكهام قائدًا للمنتخب الإنجليزي، ومتوجًا بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز ست مرات، وبطلًا لدوري أبطال أوروبا، وفي طريقه للانتقال إلى نادي ريال مدريد الإسباني.
خلال فترة لعبه مع ريال مدريد، حقق بيكهام أرباحًا بلغت نحو 75 مليون دولار خارج المستطيل الأخضر؛ وشمل ذلك توقيع صفقة مع شركة أديداس في عام 2003 تقاضى بموجبها 80 مليون دولار كدفعة مقدمة، بالإضافة إلى حصة من أرباح مبيعات السلع والأنشطة الترويجية، وهي الصفقة التي صُنفت كواحدة من أكبر عقود الرعاية الرياضية في ذلك الوقت. وتطلعًا منه لتطوير أعماله التجارية بدلاً من الاكتفاء بصرف شيكات الرعاية الإعلانية، وقع بيكهام في عام 2003 عقدًا مع مدير المواهب البريطاني الشهير سايمون فولر، الذي تولى إدارة أعمال زوجته فيكتوريا لفترة طويلة.
من عقود الرعاية إلى الاستقلال المالي
على مدار العقد التالي، تنقل بيكهام بين أندية النخبة مستثمرًا شهرته العالمية على أكمل وجه في أربع دول مختلفة؛ حيث لعب لصالح ريال مدريد الإسباني حتى عام 2007، ثم انتقل إلى لوس أنجلوس غالاكسي الأميركي من عام 2007 إلى 2012، ولعب لصالح إيه سي ميلان الإيطالي على سبيل الإعارة عامي 2009 و2010، قبل أن يختتم مسيرته مع باريس سان جيرمان الفرنسي لنصف موسم أخير في عام 2013. وخلال هذه المسيرة الحافلة، قاد بيكهام منتخب إنجلترا كقائد في كأس العالم 2006، وتُوج بلقب كأس الدوري الأميركي مع غالاكسي عامي 2011 و2012. وبالتوازي مع هذا التألق الميداني، ساعد مدير الأعمال فولر بيكهام في إبرام عقود رعاية ممتدة لعدة سنوات مع كبرى الشركات العالمية مثل فودافون، و”جيليت”، و”كوتي” و”أرماني”.
ومع مرور الوقت، أدرك بيكهام أنه لم يعد بحاجة إلى خدمات فولر؛ فقام في عام 2019 بشراء حصة الأخير البالغة ثلث أعمال علامته التجارية مقابل نحو 50 مليون دولار. ويعلق بيكهام على هذه الخطوة قائلًا “كنت أرغب في فرض سيطرتي الكاملة على عالمي الخاص، وإدارة أعمالي ومستقبلي بنفسي”.
وبحلول أوائل عام 2022، تحولت أعمال العلامة التجارية لبيكهام إلى منظومة حيوية ومزدهرة؛ حيث ضمت 30 موظفًا يديرون داخليًا شراكات العمل، والتسويق، ومنصات التواصل الاجتماعي، والعلاقات العامة، والجانب الإبداعي، محققةً مبيعات سنوية قاربت 66 مليون دولار.
وفي تلك المرحلة، طرق جيمي سالتر، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة (Authentic Brands Group)، التي تعد ثاني أكبر شركة لمنح تراخيص العلامات التجارية في العالم بعد ديزني، أبواب بيكهام. وكان سالتر يمتلك بالفعل حقوق أسماء بارزة مثل إلفيس بريسلي، ومارلين مونرو، وشاكيل أونيل، ويتمتع بخبرة هائلة في إدارة العلامات التجارية الفاخرة للمشاهير.
ومن جانبه، يثني أسطورة كرة القدم الأميركية، توم برادي، والذي تربطه ببيكهام علاقة صداقة تمتد لنحو 20 عامًا، على أسلوبه قائلًا “إنه شديد التدقيق وعميق التفكير في كيفية اتخاذ قراراته”.
أثمرت التفاهمات بين سالتر وبيكهام عن إبرام صفقة في فبراير/ شباط 2019، باع بموجبها بيكهام 55% من أعمال علامته التجارية مقابل 250 مليون دولار، قُسّمت بين مبالغ نقدية وأسهم في شركة (Authentic) الخاصة، والتي كانت قيمتها تُقدر آنذاك بنحو 13 مليار دولار. ومن خلال هذه الشراكة، نجح سالتر في ضّم أحد أكثر النجوم تسويقًا في العالم إلى محفظته الاستثمارية، في حين تمكن بيكهام من الوصول إلى واحدة من أكبر منصات التسويق العملاقة في العالم، وحصل على سيولة نقدية وحصة أسهم ضخمة، مع احتفاظه بالحق الكامل في الإشراف الإبداعي وبحصة تبلغ 45%، مما يضمن له نصيبًا كبيرًا من الأرباح المستقبلية الصاعدة. ويعلق سالتر على هذا الاتفاق قائلاً: “في نهاية المطاف، لن نقوم بأي خطوة لا يرضى عنها ديفيد”.
ومنذ إتمام الصفقة مع (Authentic)، شهدت أعمال العلامة التجارية لبيكهام نموًا قياسيًا؛ حيث قفزت إيراداتها لتصل إلى 100 مليون دولار في عام 2025. وبالمثل، ارتفعت قيمة حصة بيكهام في شركة (Authentic)؛ إذ تُقدر القيمة السوقية الحالية لعملاق العلامات التجارية -الذي تتجاوز مبيعاته المقدرة ملياري دولار ويمتلك سلاسل متاجر شهيرة مثل “ب بروكس براذرز ” و”فوريفر 21″، بنحو 20 مليار دولار، مما يحقق لبيكهام عائداً يتجاوز 50% على استثماره.
منصات البث والمكملات الصحية.. توسع عابر للجيل
بذل بيكهام جهودًا حثيثة لإبقاء اسمه دائمًا تحت أضواء الشهرة؛ ففي عام 2023، وتزامنًا مع الذكرى العاشرة لاعتزاله، أطلقت”ستوديو 99″ وثائقيًا من أربعة أجزاء على منصة “نيتفليكس” يسرد مسيرته المهنية. وجذب العمل أكثر من 30 مليون مشاهد، كما حصد جائزة “إيمي” كأفضل سلسلة وثائقية، ودرّ على بيكهام أرباحًا بلغت 21 مليون دولار، والأهم من ذلك أنه نجح كما كان يأمل النجم البريطاني في تقديمه إلى جيل جديد تمامًا من المشجعين والعملاء.
ودفع هذا النجاح بيلا باجاريا، رئيسة المحتوى في نيتفليكس، إلى إعطاء الضوء الأخضر لإنتاج سلسلة وثائقية أخرى من ثلاثة أجزاء حول زوجته فيكتوريا، والتي عُرضت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. كما أبرمت المنصة اتفاقية حق الشفعة مع بيكهام في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والتي تمنح عملاق البث الأولوية في الحصول على الأفلام الوثائقية والمشاريع غير السينمائية التي تنتجها شركة ستوديو99 لمدة ثلاث سنوات.
وفي سياق آخر، وتعبيرًا عن شعوره بالإحباط من روتينه الصحي اليومي المعقد الذي يتطلب تناول خزانة مليئة بالأقراص، شارك بيكهام في عام 2024 في تأسيس شركة المكملات الغذائية لمكافحة الشيخوخة، وذلك بالشراكة مع شركة العلوم الصحية ومقرها هونغ كونغ والمدرجة في بورصة ناسداك. وحققت الشركة، التي تبيع مسحوقًا غذائيًا متكاملًا ومكملات يومية، إيرادات بلغت 60 مليون دولار في العام الماضي، وتطمح للوصول إلى 200 مليون دولار في عام 2026.
ليلة تاريخية في ميامي.. تجسيد الحلم بعد عقد من الأزمات
بعد غسق ليلة رطبة من أوائل أبريل/ نيسان، ووسط الهتافات الصاخبة لنحو 30 ألف مشجع، سار ديفيد بيكهام نحو دائرة منتصف الملعب في استاد “نو ستاديوم” الجديد والمثير للضجة الخاص بنادي إنتر ميامي. وبمظهر أنيق في بدلة كحلية اللون يزينها شعار النادي، وبجواره شريكاه في الملكية خورخي وخوسيه ماس بملابس مماثلة، تحدث “السير ديفيد” أولاً، وهو اللقب الذي منحه إياه الملك تشارلز في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وقال بيكهام للجماهير وهو يقرأ كلمته من هاتفه الآيفون “لقد جئت إلى أميركا والدوري الأميركي لكرة القدم قبل 20 عامًا. كان حلمي هو الفوز بالبطولات، والمساعدة في الارتقاء بلعبة كرة القدم التي أحبها كثيرًا، وبناء فريقي الخاص. وقبل 13 عامًا، أعلنت أن ميامي هي خياري.. لم يكن لدينا اسم، ولا شعار، ولا ملعب”.
وفي وقت لاحق بمانهاتن، صرح بيكهام لفوربس قائلًا “لقد كان تحديًا استمر 12 عامًا.. التحدي الأكبر في مسيرتي المهنية والتجارية”. فقد استغرق الأمر أربع سنوات منذ أن فعّل خيار شراء فريق التوسع في الدوري الأميركي عام 2014 حتى وافق مالكو الأندية الآخرون في الدوري أخيرًا على القرار، وسنتين إضافيتين لتشكيل الفريق وتجهيزه. ولعب إنتر ميامي ستة مواسم في استاد مؤقت في “فورت لودرديل” بينما كان بيكهام وشريكاه، الذين كان من بينهم في البداية ملياردير الاتصالات مارسيلو كلور والمستثمر الملياردير الياباني ماسايوشي سون، يعملون بجد للعثور على مقر دائم للفريق.
ولم يكن الطريق سهلاً؛ إذ أجهضت نقابات الموانئ خطة لبناء استاد مفتوح على واجهة ميامي البحرية في “بورت ميامي”. كما ضاعت قطعة أرض ساحلية أخرى بالقرب من ملعب كرة السلة الخاص بنادي “ميامي هيت” بسبب التجاذبات السياسية. أما صفقة شراء أرض في منطقة “أوفرتاون” فقد أُحبطت نتيجة للمعارضة المجتمعية والعقبات القانونية المستمرة. ويعلق مفوض الدوري الأميركي لكرة القدم، دون غاربر، على تلك الحقبة واصفًا إصرار بيكهام: “كان ينزل من الطائرات دون أن يحظى بقسط من النوم، ليركض مباشرة إلى اجتماعات مجلس المدينة، ثم يركب سيارته متوجهًا إلى الاجتماع التالي.. لم يمنعه أي شيء قط”.
الأخوة ماس ودخول المشهد.. إعادة هيكلة الملكية وبناء الهوية
في صيف عام 2018، عرّف غاربر بيكهام على خورخي ماس، الملياردير الذي نجح في تحويل شركة “MasTec” ومقرها فلوريدا إلى عملاق مدرج في البورصة بمجال الهندسة والإنشاءات. ويعلق ماس على ذلك اللقاء قائلًا: “إن القول بأننا انسجمنا معًا هو أقل ما يمكن وصفه؛ فقد كنا نؤمن نحن الاثنين بمدينة ميامي، وبأن الولايات المتحدة قادرة على أن تصبح دولة عاشقة لكرة القدم”.
وتعهد ماس، الخبير في إبرام الصفقات المعقدة في ولاية فلوريدا، لبيكهام بأنه سيتحمل شخصيًا مسؤولية إتمام صفقة الاستاد. ونجح الشركاء في تحديد أرض نادي “ميلريس كاونتري كلوب “Melreese Country Club” المملوك للمدينة، والممتد على مساحة 131 فدانًا، ولكنه كان ملوثًا بمادة الزرنيخ ويتطلب إنفاق 100 مليون دولار لتهيئة البيئة وإزالة التلوث قبل بدء أعمال البناء.
وطرح الشركاء خطة تحويل الموقع إلى ما سيُعرف لاحقًا باسم “ميامي فريدوم بارك” في استفتاء عام، وحظيت الخطة بالموافقة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 بنسبة 60% من الأصوات، وذلك تحت شرطين أساسيين هما أن يكون التمويل خاصًا بالكامل، وأن يتضمن المشروع تطوير منطقة ممتدة على مساحة 58 فدانًا وليس مجرد بناء الاستاد. وفي عام 2021، ووسط تقارير عن تصاعد التوترات داخل مجموعة الملاك، اشترى الأخوان ماس حصتي كلور وسون المشتركتين والبالغتين 48%.
ويتولى الشقيقان إدارة النادي يوميًا ويمتلكان الحصة الأكبر التي تبلغ نحو 75%، غير أن بيكهام حرص على وضع بصمته الخاصة على النادي؛ فعند تصميم شعار الفريق، أصر بيكهام على أن يعرض له استوديو “دوبليداي آند كارترايت” ومقره بروكلين مائة شعار مختلف لأندية كرة القدم على مدار المائة عام الماضية، قبل الاستقرار على طائر مالك الحزين، والشكل الهندسي، والدرجة الدقيقة للون الوردي. ويعلق بيكهام قائلًا: “كنت أريد أن نمتلك لونًا خاصًا بنا بالكامل”.
كما امتد تدقيق بيكهام الشديد ليشمل قائمة اللاعبين؛ إذ كان يضع عينه منذ فترة طويلة على النجم الأسطوري ليونيل ميسي، الذي يُعد ربما اللاعب الأعظم في تاريخ اللعبة. وفي الشريحة الأخيرة من العرض التقديمي الأولي للهوية التجارية للنادي والذي عُرض على شركائه في عام 2018، وضع بيكهام نموذجًا تخيليًا لميسي وهو يرتدي قميص إنتر ميامي، وذلك قبل وقت طويل من إبداء النجم الأرجنتيني أي اهتمام بالانضمام إلى النادي.
تأثير ميسي.. قفزة استثمارية تضع إنتر ميامي في الصدارة
بعد ما يقرب من أربع سنوات من المحادثات واللقاءات بما في ذلك اجتماع سري عقده بيكهام رفقة ماس مع والد ميسي في برشلونة وقع النجم الأرجنتيني رسميًا في يوليو/ تموز 2023؛ رافضًا عرضًا تقدر قيمته بنحو 400 مليون دولار من المملكة العربية السعودية، لينضم بدلاً من ذلك إلى إنتر ميامي مقابل أرباح سنوية مضمونة تتراوح بين 50 و60 مليون دولار، بالإضافة إلى اتفاقية لتقاسم العائدات بينه وبين الرعاة الرسميين للدوري الأميركي، شركتي “أبل” و”أديداس”.
وقد دفع تأثير ميسي بالنادي إلى آفاق غير مسبوقة؛ حيث قفزت الإيرادات السنوية من أقل من 70 مليون دولار إلى ما يتجاوز 250 مليون دولار، مدفوعة بالطفرة الكبيرة في مبيعات التذاكر، وجذب رعاة جدد، وتنظيم جولات عالمية. ويعلق الملياردير كين غريفين، مؤسس أحد أكبر صناديق التحوط والذي ولد ونشأ في فلوريدا، قائلاً “إذا فتح إنتر ميامي الباب يومًا ما أمام مستثمرين جدد، سأكون مهتمًا للغاية بالاستثمار فيه”.
ولكن تكلفة هذا الاستثمار ستكون باهظة للغاية؛ فبقيمة سوقية تقترب من 1.4 مليار دولار، يتصدر الفريق حاليًا قائمة الأندية الأعلى قيمة في الدوري الأميركي، وهو ما يعادل ضعف متوسط قيمة أي فريق آخر في الدوري تقريبًا. ولا يشمل هذا التقييم القيمة الاستثمارية لملعب “نو ستاديوم” Nu Stadium، والذي يمتلك فيه الشركاء عقد إيجار لمدة 99 عامًا، أو بقية أجزاء مشروع تطوير مجمع “ميامي فريدوم بارك” المقرر اكتماله بالكامل في عام 2028.
المستقبل والإرث المستدام.. ما بعد حقبة ميسي
يظل السؤال الأبرز الذي يلوح في الأفق هو كيف سيكون حال الفريق بمجرد اعتزال النجم البالغ من العمر 38 عامًا، غير أن هذه المخاوف تبددت مؤقتًا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عندما وقع المهاجم الأسطوري تمديدًا لعقده يستمر بموجبه حتى نهاية موسم 2028. وقد لا يبتعد ميسي كثيرًا عن النادي؛ فعندما يقرر تعليق حذائه واعتزال اللعب، قد ينتهي به المطاف بالانضمام إلى بيكهام في مقصورة الملاك، وذلك بفضل امتلاكه خيارًا يتيح له الاستحواذ على حصة صغيرة في نادي إنتر ميامي.
يبدو أن مفهوم “الإرث” هو ما يشغل بال بيكهام كثيرًا هذه الأيام. ويمتلك ديفيد وفيكتوريا أربعة أبناء بروكلين 27 عامًا، وروميو 23 عامًا، وكروز 21 عامًا، وهاربر 14 عامًا.
ويمر الابن الأكبر بروكلين بخلاف جفاء علني حظي بمتابعة واسعة مع العائلة منذ زواجه في عام 2022 من نيكولا بيلتز، ابنة ملياردير وول ستريت نيلسون بيلتز. وشكّل هذا الخلاف مادة دسمة ومستمرة للصحافة الفنية والشعبية، رُغم رفض بيكهام وفيكتوريا التعليق عليه بشكل مباشر في الغالب. ويعبر بيكهام عن مشاعره في لقطة ما قائلًا “أريد أن تدخل عائلتي إلى هذا الاستاد وأن يعرفوا أن والدهم هو من بناه”.
ويختتم بيكهام حديثه قائلًا “عندما أصررتُ على إدراج بند شراء فريق في عقدي، كان الأمر يتعلق بالإرث البحت؛ كان بمثابة التزام تجاه أميركا، والتزام تجاه الدوري الأميركي لكرة القدم، والتزام تجاه اللعبة ذاتها. أريد أن أترك خلفي شيئاً ملموساً عندما لا أكون متواجداً هنا”.
ترجمة: هدير عاطف




