ميديا – الناس نيوز ::
رصيف 22 – عمار جلو – منطقة الشرق الأوسط بلحظة تاريخية استثنائية تملك فيها سوريا القدرة الروحية والجغرافية والجيوسياسية لتكون جزءاً من الحلّ للمعضلة في مضيق هرمز والبحر الأحمر”، قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، خلال مؤتمر الطاقة الأمريكي-السوري الذي عُقد في واشنطن أواخر آذار/ مارس 2026.
وأضاف أنّ “التحديات الحالية الكبيرة في كلّ من مضيق هرمز والبحر الأحمر تحتاج إلى إيجاد مسار بديل يوفّر حلّاً مختلفاً”.
لاحقاً، في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في نيسان/ أبريل الماضي، وفي اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إنّ بلاده تأمل في استغلال موقعها الإستراتيجي لتصبح طريقاً بديلاً لنقل الطاقة والسلع، يربط الخليج بتركيا، ويوفّر منفذاً آمناً إلى البحر الأبيض المتوسط. وهو ما كرّره خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا أيضاً.
خطوط إمدادات الطاقة البديلة
لتحقيق ذلك، تروّج دمشق لمبادرتَين رئيسيتين هما مشروع البحار الأربعة، وخطة 4+1 التي تهدف إلى إنشاء ممرّات برية متكاملة وآمنة للطاقة، تقلل الاعتماد على الطرق البحرية التقليدية.
تشير DW، إلى أنّ أزمة مضيق هرمز أعطت دفعةً جديدةً لخطوط إمدادات الطاقة البديلة باتجاه الغرب. وعليه، أعلنت الحكومة العراقية مطلع نيسان/ أبريل الفائت، عن مناقصة لجزء من خط أنابيب البصرة-حديثة، الذي تبلغ قدرته الاستيعابية ثلاثة ملايين برميل يومياً، ويمتدّ من البصرة جنوبي العراق إلى الحدود السورية بطول 685 كيلومتراً، ويمكن تمديده لاحقاً إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، أو إلى سوريا أو تركيا. وبالتزامن، شرعت بغداد في تصدير بعض نفطه عبر الشاحنات إلى الساحل السوري، ومنه بحراً إلى وجهته النهائية.
من جانبها، تملك السعودية بديلاً جزئياً لمضيق هرمز، عبر خط أنابيب النفط الخام بين الشرق إلى الغرب-بترولين، وينقل النفط الخام من مجمع بقيق النفطي في الخليج العربي إلى ينبع على البحر الأحمر. وتبلغ طاقته المحدّثة سبعة ملايين برميل يومياً. إلا أنّ هذا الخيار يقع تحت خطر إغلاق مضيق باب المندب من قبل الحوثيين في اليمن، حلفاء إيران.
ينطبق الكلام نفسه على دولة الإمارات التي أنشأت سابقاً خط أنابيب من منطقة حبشان إلى ميناء الفجيرة، وينقل نحو مليون ونصف برميل يومياً، أي ما يعادل نصف صادراتها السابقة 3.3 ملايين، حسب الأكاديمي والخبير النفطي العراقي، كوفند شيرواني. فيما لم تقدّم البدائل للعراق إلا ما يعادل 7% من إجمالي صادراته قبل أزمة هرمز، وذلك عبر خط أنابيب السيل الشمالي إلى ميناء جيهان التركي، خط أنابيب كركوك-جيهان، مما دفع لتسريع عملية إحياء المنافذ التصديرية القديمة، ومنها خط كركوك-بانياس.
هذا الخط يمتاز عن الخط التركي بأنّ المسافة فيه أقرب، ويمكن أن تستفيد منه دولة عربية جارة، عوضاً عن الجار تركيا، حسب ما يقول شيرواني لرصيف22، مشيراً إلى أنّ وزارة النفط العراقية تدرس وتعمل بجدّ حالياً لإنشاء خط أنابيب البصرة-حديثة، والذي ستكون له تفرعات منها ما يتصل بميناءَي بانياس وجيهان ومنها إلى ميناء العقبة الأردني، منبّهاً إلى أنّ العوامل الجغرافية ترجّح خط الأنابيب إلى سوريا، باعتباره الأمثل ويحظى بأفضلية. ويضيف: “هذه فرصة جيدة للتعاون الإستراتيجي بين الدولتين، العراق وسوريا، لإعادة إنشاء خطوط أنابيب تغني البلاد كلياً عن موانئ البصرة، التي تتحمل مخاطر مستمرةً قادمةً من مضيق هرمز”.
مع ذلك، يمتاز “بترولين” بمرونة جغرافية وإستراتيجية لا تتوافر في المسارات العابرة لسوريا، حسب الباحث في العلاقات الدولية محمد سالم في مركز الحوار السوري، ولا سيّما مع تمركز الطلب العالمي للطاقة في آسيا. من خلاله، يمكن توجيه الشحنات النفطية نحو أوروبا عبر قناة السويس، أو عبر باب المندب نحو الأسواق الآسيوية، التي يتجه إليها نحو 76% من النفط الخام المارّ عبر مضيق هرمز. وتستحوذ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة على قرابة 65% منها، ما يدعو للبحث في جدوى البدائل المطروحة، ويُثير تساؤلات جوهريةً حول قدرتها الفعلية على تلبية متطلّبات الأسواق المستهدفة، وليس تجاوز نقطة الاختناق الجغرافية فقط.
مشروع “البحار الأربعة”
تملك سوريا مقومات مهمةً جداً لتكون ممرّاً إقليمياً للطاقة من الخليج والعراق شرقاً، وتركيا وأوروبا شمالاً، والبحر المتوسط غرباً. وهذه ميزة نادرة، إذ يمكن أن تكون سوريا جسراً برّياً يخفّف الاعتماد على الممرات البحرية الحسّاسة، مثل مضيق هرمز، في المستقبل، حسب ما يقول لرصيف22، الأكاديمي هاري أستيبانيان، وهو خبير طاقة ومؤسس مركز العراق للتغيّر المناخي في العاصمة واشنطن.
ويشير الباحث سالم في حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ وجود موانئ سورية على المتوسط يمنحها إمكانية التحوّل إلى منفذ لتصدير النفط والغاز نحو الأسواق الأوروبية، خاصةً في ظلّ سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا. كذلك، فإنّ سوريا تقع ضمن المجال الجغرافي نفسه الذي تمر عبره مشاريع الربط التجاري والطاقة بين آسيا وأوروبا، ما يمنحها أهميةً جيو-اقتصاديةً تتجاوز حدودها المحلية.
وتتقاطع خطوط الأنابيب المحلية والدولية في سوريا، ومنها مشروع “البحار الأربعة”، القائم على جعل سوريا حلقة وصل بين الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر المتوسط، والبحر الأسود، حسب باراك، مما يمكّن تركيا وسوريا من أن تصبحا مركزاً لإعادة توزيع الطاقة.
لكن المشروع يواجه تحدّيات هائلةً، بحسب الباحث والصحافي السوري منهل باريش، في مقدّمتها غياب الاستقرار السياسيّ الكامل، استمرار آثار الحرب، ضعف البنية التحتيّة، والحاجة إلى استثمارات ضخمة وتفاهمات إقليميّة ودوليّة معقّدة. إذ إنّ مشاريع الممرّات الكبرى لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل تحتاج إلى بيئة آمنة، ومؤسّسات مستقرّة، وضمانات طويلة الأمد للدول والشركات والمستثمرين. لذا، لن يتحدّد نجاح المشروع بجدواه الاقتصادية وحدها، بل بقدرة دمشق على إنتاج استقرار سياسي وأمني مستدام، والتكيّف مع صراع الممرّات الكبرى الذي يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
إلى جانب ذلك، يضيف سالم تحديات أخرى في حديثه إلى رصيف22، منها المنافسة من مسارات ومراكز طاقة بديلة في المنطقة، مثل إسرائيل ومصر ومسارات البحر الأحمر، بجانب وجود خيارات بحرية أقلّ تعقيداً سياسياً لبعض الدول المصدرة للطاقة. كما أنّ أيّ مشروع كبير عبر سوريا يبقى مرتبطاً بدرجة من التفاهمات الإقليمية والدولية المعقّدة، بالنظر إلى تشابك مصالح القوى الكبرى والإقليمية في ملف الطاقة والممرات التجارية.
يقول أستباينان إنّ “الاستقرار السياسي والأمني مهمان لجذب الاستثمارات لمثل هذه المشاريع، بالإضافة إلى الضمانات السيادية والامتثال المالي لتنفيذ مشاريع إستراتيجية كهذه. كما أنّ وجود توافق أمريكي ـ تركي ـ عربي ـ أوروبي أمر ضروري. وقد منحت الولايات المتحدة في عام 2025، إعفاءات مؤقتةً من بعض عقوبات قيصر لتسهيل مشاريع الكهرباء والطاقة والمياه، وهذا يفتح نافذةً، لكنه لا يلغي جميع مخاطر الاستثمار”.
ويضيف: “لذلك، من المبكر القول إنّ سوريا ستكون ممرّاً للطاقة في المستقبل القريب أو بديلاً مستقراً. قد تصبح ممرّاً مساعداً ومهماً، لكن من المبكر وصفها بأنها بديل عالمي كامل لخطوط إمداد الطاقة”.
كذلك، فإنّ تعدّد الوسائط في مشروع “البحار الأربعة”، الذي يجمع بين النقل البري والبحري، يزيد من التكاليف والتعقيد اللوجستي عند مقارنته بالمسارات البحرية المباشرة، الأقل كلفةً والأكثر مرونةً، حسب سالم في مركز الحوار السوري. وهذا بجانب قصوره عن تلبية متطلبات الأسواق الآسيوية.
وعليه، يبدو المشروع أقرب إلى تعزيز الربط بين شرق المتوسط والأسواق الأوروبية، أو بين تركيا ودول القوقاز، أكثر من كونه مساراً فعّالاً للوصول إلى الأسواق الآسيوية. ويظلّ أقرب إلى رؤية إستراتيجية طويلة المدى منه إلى مشروع قابل للتنفيذ في المدى القريب، خاصةً في ظلّ التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تعاني منها المنطقة، فيما يعكس تداوله بين بدائل الممرّات البحرية التقليدية توجّهاً نحو تنويع المسارات على المدى البعيد أكثر من كونه بديلاً واقعياً ومباشراً، حسب مركز الحوار السوري.
سوريا أصلاً أمنياً جيوسياسياً
“سوريا هي الممر الطبيعي للعبور وخطوط الغاز والتجارة في الشرق الأوسط”، يقول مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، جوشوا لانديس، لصحيفة “عرب نيوز“.
يضيف بنجامين فيف، وهو محلل أبحاث أول في شركة كرم شعار للاستشارات، للصحيفة: “بعض الممرّات البرّية عبر سوريا يمكنها نقل البضائع خلال يوم إلى عشرة أيام حسب المصدر والوجهة، فيما الخيارات البحرية إلى أوروبا قد تستغرق بضعة أسابيع، وهذا جيد في الظروف العادية. لكن في حال تعطل مضيق هرمز وتقييد مسار البحر الأحمر، تصبح سوريا مثيرةً للاهتمام تجارياً برغم ارتفاع تكاليف النقل المباشر بالشاحنات. وعليه، قد تكون سوريا أكثر جاذبيةً في السرعة، والتكرار، وربما التحوّط السياسي”.
إلى ذلك، تشير وثيقة أمريكية نشرت مجلة المجلة مضمونها، إلى أنّ سوريا، برغم تعقيداتها، تحتلّ مكانةً إستراتيجيةً ولا يمكن تجاهل موقعها الجغرافي بعد اليوم. فموانئ بانياس وطرطوس تتيح تصديراً مباشراً إلى أوروبا، فيما تبقى سوريا المسار البرّي الوحيد القابل للحياة بين العراق والخليج من جهة، وتركيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، مما يدفع لتحويل سوريا إلى نقطة ربط لخطوط الطاقة.
وفقاً للمخطط الأمريكي، يشكّل مشروع إحياء خط كركوك-بانياس، الممتد من العراق عبر سوريا إلى المتوسط، الفرصة الأولى، مع إمكان تمديده لاحقاً إلى ميناء طرابلس في لبنان.
وقد اتفقت بغداد ودمشق على إعادة إحيائه في آب/ أغسطس 2025، فيما يمثّل خط غاز قطر-تركيا، الفرصة الثانية، ويربط الخليج عبر الأردن وسوريا بتركيا ثمّ أوروبا. وقد عُطّل عام 2009، تحت ضغط روسي، قبل أن يعود إلى الواجهة بعد سقوط نظام الأسد.
أما الفرصة الثالثة، فتتمثّل في خط غاز أذربيجان-كيليس-حلب، الذي دخل الخدمة في آب/ أغسطس 2025.
وتأتي الفرصة الرابعة من تمديد خط الغاز العربي، الممتد من مصر عبر الأردن وسوريا إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.
يقول بنجامين فيف، في حديثه إلى رصيف22: “الجغرافيا السورية تمنح البلاد فرصةً حقيقيةً لتصبح ممرّاً بديلاً جزئياً للطاقة والبضائع عندما تتعطل المسارات البحرية، خصوصاً بعد اضطراب الشحن في الخليج وإعادة فتح معبر ربيعة بين العراق وسوريا لتسهيل الصادرات البرية”.
ويضيف: “لكن هذه الفرصة لا تزال محدودةً وهشّةً، لأنّ تحويل سوريا إلى ممر مستدام يحتاج أكثر من الموقع الجغرافي: يحتاج إلى أمن أعلى، وبنية تحتية أفضل، وإجراءات حدودية وتمويل وتأمين أكثر استقراراً، فسوريا اليوم أقرب إلى ممر طوارئ أو بديل منها إلى جسر إقليمي مستقر بالمعنى التجاري الكامل”.
من جانبه، ينبّه موقع إنيرجي كونكتس إلى أنّ خط التابلاين الواصل محافظة الشرقية السعودية بمحطة الزهراني اللبنانية لا يزال قوياً برغم توقّفه عام 1983. وعبره، تقلّ تكاليف نقل النفط إلى أوروبا بنسبة تصل إلى 40% من الشحن عبر قناة السويس، ما يعزّز موقع سوريا كطريق عبور محتمل إلى البحر المتوسط، برغم زيادة أوقات وتكاليف العبور للعملاء الآسيويين.
كما أنّ فقدان الكويت قدرة تجاوز الخطوط، قد يدفعها لإعادة إحياء النقاشات حول الربط بالبنية التحتية السعودية.
في هذا السياق، يقول الرئيس التنفيذي لمجموعة كات اللبنانية كريستوفر بوش، إنّ الطرق الأكثر تعقيداً من العراق عبر الأردن أو سوريا أو تركيا قد تتجاوز 15-20 مليار دولار، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية المحتملة، ونزاعات العمليات والملكية، أو التحديات في التضاريس. لكن “لديك الكثير من العقول الذكية التي تنظر إلى كل هذا الآن”.
وتحكم أسواق الطاقة بعض القواعد، منها ميل السوق نحو التكلفة في حال استمرار فائض المعروض، فيما تتقدّم الاعتمادية في زمن التوترات، مما يحوّل الممرّات إلى أصول جيوسياسية ذات قيمة إستراتيجية.
وعليه، غيّرت الصراعات الإقليمية الأخيرة المعادلة جذرياً، حسب باراك. وتالياً، بات الجسر البرّي عبر سوريا أصلاً أمنياً جيو-سياسياً، لا مجرّد مشروع تجاري. إذ إنّ حجة ممر الطاقة السوري يجب أن تُبنى على أسس الأمن الجيوسياسي أولاً، لأنّ الحجة التجارية وحدها لا تصمد أمام السجلّ التاريخي.
فـ”عندما تتحول الاختناقات البحرية إلى سلاح، قد يبرّر ضمان أمن الإمدادات عبر مسار بري مضمون ما ترفضه اقتصاديات السوق وحدها. هذه هي الحجة الرابحة”، أضاف باراك.




